هدى رسول الله

أثار موضوع منع “البوركيني” أو السماح به، الكثير من الجدل في أوروبا، بين مؤيد له ومؤيد لمنعه، إلى أن حسم مجلس الدولة الفرنسي الأمر بتعليق قرار منع ارتدائه على الشواطىء الفرنسية، رغم تأييد بعض البلديات لهذا المنع.

والبوركينيهو لباس السباحة الذي يغطي كامل جسد المرأة مع رأسها، اخترع لترتديه النساء بحيث يتمكنّ من السباحة براحتهن، واشتهر بأنه إسلامي، ولست هنا بصدد مناقشة اللباس الإسلامي بشكل عام، لكن نستطيع القول بأن هذاالبوركينيهو لباس مجتمعاتنا المحافظة، بغض النظر عن الدين والملة، فالمرأة المسلمة المسيحية في بلادنا تجد حرجاً في كثير من الأحيان بارتداء لباس السباحة التقليدي، ونساء بلادنا كنّ يمارسن حقهنّ في ارتياد الشواطىء العامة بأثوابهن الطويلة، رغم أن مفعولها في الستر لا يأتي أكله.

أما الإسلام فقد وضع الحد الأدنى للباس الرجل والمرأة، بما يتناسب مع الفطرة الإنسانية، على أن يضمن اللباس درء الأذى الطبيعي أو الاجتماعي لا أكثر ولا أقل {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزاب 59)، ودون أن يترتب على ذلك ثواب أو عقاب، لكن الفقه الموروث اعتمد لباس نساء شبه جزيرة العرب في القرن السابع الميلادي على أنه لباس المرأة المسلمة في كل العصور والأزمان، وتبارى السادة المفتين في نقاش هل الوجه “عورة” أم لا، وهل يمكن للباس المرأة أن يكون ملوناً أم أن الألوان قد تزعج الملائكة، وأصبح ما يسمى الحجاب الشرعي هو أساس الدين، وعليه يتم تقييم مدى التزام المرأة بطاعة الله، وتندحر أمامه كل الأخلاق والقيم الإنسانية، علماً أن الحجاب في التنزيل الحكيم يبقى ضمن معنى المكان {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ} (فصلت 5)، ولا علاقة له بما هو سائد من قريب أو بعيد.

ورغم أنني مع حرية المرأة في ارتداء ما يريحها ويناسب ذوقها الشخصي، خصوصاً إذا كان متناسباً مع محيطها، ومع استنكاري لمنع “البوركيني” على الشواطىء الفرنسية أو غيرها، إلا أني أتفهم تماماً مطالبة بعض الناس في الغرب بهذا المنع، فالبوركيني مثّل بشكل أو بآخر لباس المرأة المسلمة، وضمن سعار الإسلاموفوبيا يصبح الأمر مفهوماً، لا سيما أنه لم تمض بعد أكثر من أسابيع على معاناة الفرنسيين وغيرهم من الإرهاب الداعشي، فيصبح بالتالي متوقعاً، وإن كان غير مبررٍ، تطرف الناس تجاه المسلمين وكل ما يخصهم، فما بالكم بانتقال العادات الإسلامية إلى عقر دار التحرر.

وبعيداً عن الآراء والمواقف السياسية التي تتغير وفق المصالح والأهواء، فتغطي التماثيل العارية في سبيل توقيع صفقات اقتصادية، فقد رأينا كيف تظاهرت نسوة بكل أشكال اللباس ضد قرار المنع، وهذا برأيي قمة التحضر، أن تدافع عن حرية غيرك حتى لو كان مخالفاً لك بالرأي والمعتقد، وهو ما نادى به الإسلام، وهذه هي العروة الوثقى التي لا انفصام لها {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (البقرة 256)، فالله تعالى خلقنا أحراراً وكل إنسان مسؤول عن نفسه أمام الله، وسيحاسب على اختياراته صحيحة كانت أم خاطئة، ولا دين أو ملة أو شعب بإمكانه احتكار الجنة لحسابه، والكفر بكل أنواع الطغيان يوافق الإيمان بالله، ومن أشكال الطغيان إلزام الناس بمعتقد معين أو فكر ما، وسنة الله في الحياة الدنيا هي الاختلاف {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود 118)، والتدافع {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز} (الحج 40)، ومن حق أي فرد في المجتمع أن تكون له علاقته الخاصة بالله وفق ما يرتضيه لنفسه من معتقد، وهذا التدافع أراد الله أن يكون بالخير والسلام بين الأمم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} (البقرة 208)، في علاقة إنسانية قوامها التقوى {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (الحجرات 13)، ووفق قاعدة أساسية تلخصها السورة التالية: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ* لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ* وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ* وَلَا أَنتُم ْعَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ* لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون 1 -6).

وكونك لا تعبد إله من تجده كافراً، لا يعني ألا تحترم حريته في معتقده، وهذه هي العلمانية المرجوة، وهو ما انتصر في إيقاف قرار منع البوركيني، أي قيم الحرية والديمقراطية والمساواة، لا “البوركيني” بحد ذاته، وفي هذا نصر لإسلام التنزيل الحكيم، لا الإسلام الموروث الذي يقسم المسلمين إلى ثلاثة وسبعين فرقة إحداها ناجية والبقية في النار، ولا ذاك الذي يعتبر الهزيمة نتيجة لظهور النساء كاسيات عاريات، فيقيّم عفة المرأة تبعاً للون حجابها، ولا ذاك الذي يتساءل أتباعه هل يجوز تهنئة النصارى في أعيادهم أم لا؟ فيستنكرون بالتالي الترحم على أمواتهم، وكأن الله سيغضب من طلب الرحمة باعتباره تجرؤ عليه، وكأنهم يملكون امتياز تصنيف الناس وتوزيعهم إلى مؤمن وكافر.

ورغم بعض مشاهد العنصرية الفردية في الغرب، إلا أن العلمانية تسمح للمسلمة التي ترتدي الحجاب بأن تقاضي مصففة شعر لعدم استقبالها، وتسمح للمسلمين أن يقيموا صلاة العيد كيفما شاؤوا دون تدخل من الدولة، ودون أن تفرض عليهم الخطب التي ستلقى، حتى أن السادة أئمة المساجد لا يتورعون عن الدعاء على النصارى في تلك البلاد، بينما في بلادنا “الإسلامية” غالباً لا يحق للخطيب الخروج عما كتب له في الخطبة، وفي السعودية عاقبت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذات مرة مجموعة من الأشخاص يحتفلون بعيد الميلاد داخل منزل أحدهم، وفي إيران تشير التقارير إلى وجود أكثر من 350 معتقل بسبب انتمائهم الديني، ثم يعلو صوتنا عند أي حادثة اضطهاد لمسلم في الغرب.

وبعيداً عن هذا، فإن اهتمامنا بالقشور دون الجوهر هو ما جعلنا نتخبط في طريق مسدود، وبينما تسير الأمم في طريق البحث العلمي، في كافة مجالاته، ننشغل نحن في تكفير بعضنا، واللهو بما هو مسموح وما هو ممنوع، وأكثر ما يهمنا هو إيجاد فتوى تبيح شرب الخمر أو أإقامة العلاقات خارج إطار الزواج، مما يظهر حجم الكبت الذي تعاني منه شعوبنا، فإذا قلت لهم أن الحرام شمولي أبدي بيد الله وحده، أشهروا عليك ما حفظوه مما أجادت به قريحة صناع الحديث، ودونه البخاري ومسلم، ليقود الأمة بعد اثني عشر قرن، ضاربين بعرض الحائط بكل ما أتى به التنزيل الحكيم من رحمة، ومن دعوة للسير في الأرض قدماً وسبر أغوار هذا الكون، بحيث انمسخت الرسالة المحمدية العالمية الخاتم، لتصبح رسالة محلية تصلح لأموات عاصروا النبي في القرن السابع الميلادي، تنحصر اهتمامات تابعيها بالحجاب وطول اللحية، وبدل أن يقتدوا بهدى رسول الله في السلام والتسامح، أصبحوا يصدرون الإرهاب لأصقاع العالم، متناسين أنه صلى الله عليه وسلم دخل مكة فاتحاً منتصراً على أعدائه الذين كالوا له أشد أنواع العذاب، لكنه ناداهم “من دخل دار أبي سفيان فهو آمن”، في تجسيد عميق لرسالته التي أتى بها {فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ} (البقرة 109) و{وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ} (الحجر 85) و {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} (التوبة 6)، وأقام أفضل العلاقات مع محيطه من الدول المجاورة، وجاء بطفرة اجتماعية معرفية وضع من خلالها حجر الأساس لتحرير المرأة، فقبل قوامتها وبايعها وحفظ كرامتها، ثم ترك لأمته كتاب الله صالحاً لكل زمان ومكان، ليهتدوا به ويعتبروا من قصصه.

أخيراً، لا يمكن للمرء وهو يشاهد نتائج ما توصلت له المجتمعات العلمانية، إلا أن يأسف لحالنا، ويأمل أن تتمكن شعوبنا من الوصول يوماً ما إلى تحقيق حلمها في مجتمعات أفضل، تسود فيها المساواة وتحترم أفرادها جميعاً، بغض النظر عن جنسهم ولونهم ودينهم، أي مجتمعات إسلامية بما يعنيه الإسلام الحق.

الرابط على موقع السوري الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*