الرئيسية / اللقاءات والمقابلات / اللقاءات الصحفية / لا يوجد وكلاء حصريون للفقه الإسلامي

لا يوجد وكلاء حصريون للفقه الإسلامي

الدكتور محمد شحرور مفكر سوري عُرف بقراءاته الخاصة والمعاصرة للنص، وهي قراءات مغايرة للشائع والمألوف والمكرس في العقول منذ قرون.

بدأ مشروعه الفكري يرى النور منذ أواخر ثمانينات القرن الماضي. يقول في غير مكان أن هزيمة حزيران (الشهيرة) هي التي دفعته إلى هذا المنحى من التفكير الذي أوجد له الكثير من الخصوم في العالمين العربي والإسلامي، كما أوجد له الكثير من المؤيدين والمشجعين من مختلف التيارات بما فيها جزء من التيار الإسلامي المنفتح. وإن كان هذا المشجع أو ذاك المعجب لا يوافقه على طروحاته إلا أنه لا يستطيع إلا أن يحترم جهده ومثابرته. فقد صدر له أربعة كتب والخامس ما يزال مخطوطاً بعنوان “الإسلام وأصول الحكم” الذي يذكرنا بالكتاب الشهير لعلي عبد الرازق في مصر قبل ثمانين عاماً.

أثار كتابه الأول (الكتاب والقرآن) عواصف وزوابع تمخض عنها ثلاثة عشر كتاباً نقدياً، وآلاف المقالات، بعضها كفّره وأخرجه عن دينه، ومنهم من شبهه بسلمان رشدي. وهذا كله لم يثنه عن عزمه في متابعة مشروعه الذي لفت انتباه الكثيرين في معظم أنحاء العالم. فترجمت كتبه إلى اللغات الإنكليزية والروسية والإندونيسية. فضلاً عن أن بريجيسنكي (مستشار الأمن القومي الأسبق في الولايات المتحدة الأمريكية) استشهد في كتابه الأخير “الاختيار: السيطرة على العالم أم قيادة العالم” بكتاب د. شحرور (الكتاب والقرآن)، مستغرباً كيف لم تول الحكومات الأمريكية المتتالية النظر لمثل هؤلاء المفكرين العقلانيين.

في هذا الحوار معه نتطرق إلى بعض ما ورد في كتبه من أفكار ورؤى، كما نتطرق إلى مواضيع راهنة من حيث واقعيتها والتي ربما ما تزل ماثلة أمام العقل العربي منذ ألف عام.

في مكتبه الهندسي المتواضع وسط دمشق كان الحوار الآتي:

قال تعالى في سورة البقرة: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة : 31]، في تفسيرك للآية تقول (عرضهم) هي للدلالة على أن السمات للمشخصات حصراً، إذ هي تعود للمسميات لا للأسماء. انطلاقا من رأيك قد يتساءل البعض: أما كان يجب استخدام (عرضها) بدلاً من (عرضهم) وهي المفترض أن تكون هنا للعقلاء، وليس لكل المشخصات؟ هذا فضلا عن وجود الميم في (عرضهم) وهي علامة جمع الذكور للعقلاء.

لو كان يقصد الأسماء، لقال: وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضها. هذا لو كان يقصد الأسماء، لكنه يقصد المسميات، وهو عرض المسميات. ماذا يعني هذا؟ يعني أنه عندما بدأ بتعليم اللغة لآدم بدأ بالمشخص إذ لا يوجد مجردات، بافتراض أن المجردات لا تُعرض مثل: التوبة، المغفرة، العشق…. الخ.

إذاً علينا أن ننتبه إلى دقة الخالق عندما قال (ثم عرضهم). ماذا عرض؟ بالتأكيد عرض المسميات كلها، وهذه الـ (كلها) تعني كل ما هو موجود حول آدم. النبأ أصله الصوت، إذ يقول اللسان العربي: سمعت النبأ. أي سمعت الصوت. ولهذا قال لآدم: أنبئهم بأسمائهم، ولم يقل له: أنبئهم أسماءهم. أي أن السمة التابعة للشيء هي النبأ نفسه.

مما سبق ذكره أقول إن هذه الـ (كلها) لا يوجد فيها مجرد، وهذه هي المرحلة الأولى من الأنسنة، وهذه المرحلة بالذات يشترك فيها الإنسان الذي يتكلم لغة والإنسان الذي نشأ في غابة بعيداً عن المجتمع. لهذا ترى أنهم إذا وضعوا إنساناً في الغابة من غير أن يتعلم لغة ما أي أن يجرد، فإنك تجده يقلّد الأصوات التي يسمعها كلها وهذا ما يفسر لنا مناداة الطفل للهرة (نو) قبل أن يسميها باسمها (هرة)، ولذلك ترى الله سبحانه وتعالى قال في المرحلة الأخيرة من الأنسنة: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} [البقرة : 37]. والتوبة حتماً لا تُعرض لأنها مجردة. ونستطيع القول إن مرحلة آدم هي بداية مرحلة الأنسنة أي مرحلة الطفولة الإنسانية، واستمرت هذه المرحلة حتى عهد نوح.

شحرور ترى إن جدل الأضداد في ظواهر الطبيعة عبارة عن قوانين جزئية متغيرة (ثابت ومتحول) تُخزّن في الإمام المبين الذي يحتوي على قوانين التصرف في ظواهر الطبيعة، والسلوك الإنساني كذلك بعد حدوثه يُخزّن في الإمام المبين. على الرغم أنك دققت كثيراً في الألفاظ اللغوية لكنك لم تتطرق للفظة الإمام المبين، علماً أن البعض حمّلها أكثر مما تحتمل. فمنهم من حمَّل بعض البشر صفات الإمام المبين واعتبروه إنساناً يرافق النبي ويحمل هذه الميزات إلى أن يروا أنه بغياب النبي يقوم بالهداية وإعطاء تفسير مكاني / زماني، لكل ظاهرة من ظواهر الحياة. ما رأيك في ما ذهب إليه البعض وبرأيك من هو الإمام المبين؟

أولاً: بالنسبة إلى الذين فسروا الإمام المبين بالإنسان الذي يرافق النبي ويحمل هذه الميزات، هذا تفسير سياسي ولست معنياً بالرد عليه. أما أن يقوم بالهداية بعد غياب النبي…الخ فهذه آراء ومشكلات من يقولها، أما أنا لا أقول كذلك.

قال تعالى في الإمام المبين: {الَرَ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ} [الحجر : 1].

من هنا لا يمكن أن يكون مبيناً بمفهوم الإمام أو مفهوم الصحف الأخرى، هذا فضلاً عن أنه قال في ذكر الإمام المبين كذلك: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ} [يس : 12] (أي الحاضر والماضي) {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} [يس : 12].

الإمام المبين هو جزء من القرآن، والأخير جاء من قرن، والقصص القرآني جاء من الإمام المبين (كل ما قدموا وآثارهم) فقرن الإمام المبين مع اللوح المحفوظ فجاء القرآن الكريم.

يلاحظ أنك كثيراً ما استعملت كلمة (خُزِّنت) وهي مبنية للمجهول. انطلاقاً من هنا تساءل بعض نقادك عما أبقيت للقوة التي تقف وراء الطبيعة والتي نسميها(الله)؟ متسائلين: هل أردت من هذا أن يؤمن الناس بإله صوري لا يتعدى عن أن يكون فكرة فلسفية تُرضي غريزة التدين عند الناس؟

على العكس مما ذكرت تماماً، أنا لم أكن أريد ولا أقبل أن أريد إلهاً صورياً، والذي يضع الله في الصورة التي وصفتها في معرض سؤالك هم السلفيون الذين ما زالوا يعتقدون أن الله خزَّن كل شيء سلفاً، وأصدق دليل على ما أقوله هو تعريفهم للقضاء والقدر، فهم ما زالوا يصرون على أن القضاء هو علم الله الأزلي والقدر هو نفاذ هذا القضاء والعلم في الواقع، بينما أنا أقول: إن القضاء هو حركة بين نفي وإثبات، أما القدر فهو وجود.

للتوضيح أكثر، دعني أضرب لك بعض الأمثلة: مثلاً إذا اجتمع أهل الأرض جميعهم، الصالح والطالح منهم، وطلبوا من الله أن يُلغي ظاهرة الموت، هل سيستجيب الله تعالى لطلبهم؟ بالطبع لا! إذاً ظاهرة الموت مخزَّنة في اللوح المحفوظ، بمعنى ما هو مخزَّن في اللوح المحفوظ غير قابل للدعاء. وفي النهاية الله لا يتدخل إلا من خلال كلماته. ومن هنا نفهم قوله تعالى: {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا} [التوبة : 51]، وجعلها بالجمع وليس بالمفرد، وقال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}[الذاريات : 22]، كذلك وضعها بالجمع وليس بالمفرد. مثال آخر: ميزانية سورية معروفة سلفاً، لكن توزيع هذه الميزانية من قبل أشخاص على أشخاص، يقوم على مبدأ الاحتمال، تماماً مثلما قال: {وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ}[الذاريات : 22]. هذا منطق سليم، لكن هل وزّع الأرزاق لكل شخص بعينه، أي أن لكل شخص رزقاً محدداً دون غيره؟ بالتأكيد لا، لأن ذلك يلغي فضل العمل والجدّ فيه ويلغي مفهوم الصدقة. والله كتب المرض على الناس، وثمة قائمة بالأمراض التي يمرض بها الإنسان من (سل، سرطان، تيفوئيد، ذات رئة، سعال ديكي…الخ) ونحن نعرف إننا لن نمرض إلا بمرض من هذه الأمراض، لأنه لا يوجد غيرها! من هنا أقول إن الله تعالى لم يحدد لنا مرضاً بعينه سنمرض به دون سواه، قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ}[الحديد : 22]، ماذا سنقول إذا كانت المصيبة قد وقعت نتيجة حادث سيارة؟ ثمة كتاب يحتوي على كل الاحتمالات التي تسبب مصيبة حادث السيارة، فإما أن يكون السبب عطلاً في السيارة أو في الطريق أو في السائق، بمعنى كل الاحتمالات الموجودة في كتاب الحادث واردة. (منفعلاً) والهزيمة مصيبة، واحتمالاتها وأسبابها موجودة في كتاب الهزيمة، ونحن هزمنا أكثر من مرة، فلماذا لا ندرس كتاب الهزيمة؟ أي شيء في الطبيعة يُفرض علينا تجب علينا دراسة عناصره لأنه كتاب، وإذا لم ندرس تلك العناصر لن نصل إلى شيء.

كيف توائم قولك بأن الإعجاز في الكتاب لا يقع إلا في آيات القرآن الكريم التي تخصّ النبوة من الغيبيات والقصص أي في ما أسميته (كتاب، قرآن، السبع المثاني، تفصيل الكتاب) لأن هذه تحتوي على قوانين وحقائق مطلقة ثابتة لا تتغير، أما ما سميته (الرسالة – أم الكتاب) فهي لا تحتوي على أي إعجاز لأنها متطورة ومتبدلة ويمكن تزويرها وتقليدها… مع قوله تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[هود : 13]، وقوله: {قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء : 88]؟

قال تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ} [البقرة : 23]، وقال تعالى: {قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ}[هود : 13].

الإعجاز القرآني وجوه. وجه لغوي واضح بلغ الذروة في جانبي الشكل والمضمون، أما في جانب الشكل فبلغ ذروة الإعجاز في الجمع بين علوم القواعد وعلوم الدلالة والمعاني. وأما في جانب المضمون فبلغ الذروة أيضاً في الجمع بين صدق الخبر العلمي ودقته. المشكلة أن معظم من تصدى للتفسير من السلف اهتم بالجانب الشكلي حصراً، وكان جهلهم بدقائق العلوم الكونية والإنسانية هو سبب اقتصارهم في تفاسيرهم على آيات الأحكام، أي آيات الرسالة المحكمات. وهذه لا إعجاز فيها لأنه تعالى يتحدى الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن وليس بمثل هذا المصحف.

نلاحظ أن هذا التحدي ورد في الآية 88 من سورة الإسراء وهي آية مكية، مما يدل على أن آيات الرسالة المحكمات لم تكن قد اكتملت بعد وبالتالي ليست هي المقصودة بالتحدي.

أين الإعجاز الذي لا يمكن تقليده في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ..} [المائدة : 6]؟

الإعجاز القرآني – كما أراه – في القصص مثلاً، هو في روايته عبر هذه القصص لتطور تاريخ الإنسانية. . كيف تم اجتياز الحواجز المائية زمن نوح أول مرة، ثم كيف بدأ البناء والعمران، وكيف نشأت الأسواق التجارية فولدت الحاجة إلى الكيل والميزان، وكيف كان زواج الأخت مباحاً ثم جرى تحريمه.. كل هذا تجده في القصص القرآني ولا يتعارض في حرف منه مع آخر ما تم اكتشافه من آثار.

الإعجاز اللغوي والعلمي لا وجود له في مثل قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ..} [البقرة : 282]. لكنه موجود بوضوح في مثل قوله تعالى: {وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [هود : 7]، الذي شرحه بدقة علمية مذهلة في مكان آخر ببضع كلمات فقال: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ} [الأنبياء : 30]. وموجود فيه قوله تعالى: {انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ * انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ } [المرسلات : 28-31]، والإعجاز هنا في قوله {ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ} [المرسلات : 30]، في عصر كان العلم فيه يعتقد أن الأرض ثابتة والشمس تدور حولها، عصر ليس فيه سوى شمس واحدة كمنبع ضوئي وبالتالي الظل في الكون ذو شعبة واحدة. أما اليوم بعد أن ثبت وجود مجرات أخرى وشموس أخرى، فقد أصبحنا أقدر إلى حد ما على فهم الإعجاز العلمي في آية المرسلات.

لكن ألا يتناقض حصرك لوقوع الإعجاز في القسم الذي أسميته القرآن، مع منهجك في القراءة، باعتبار أنك فهمت قوانين الجدل التي أسميتها العلوم من واقع هذه الآيات التي قلت إن الإعجاز وقع فيها فقط؟ كما يؤخذ عليك أنك لم تنظر إلى قوانين أخرى موجودة في آيات التشريع، باحثاً في هذه القوانين وثباتها كآيات الطلاق وتعدد الزوجات والحروب … محاولاً أن تفهم ما فيها من إعجاز. ؟

بالنسبة لما سميته تناقضاً، أخالفك الرأي في هذا، من ثمَّ أنا نظرت في الآيات التي تقصدها وأعدت قراءتها أكثر من مرة، والذي ظهر لي حتى الآن هو أنه من المفترض ألاّ يكون في هذه الآيات أي إعجاز، بافتراض أنه إذا فهمناها فيجب علينا تطبيقها. أما إذا نظرنا إلى آيات القرآن (من البديهي أن القرآن عند شحرور ليس هو كل كتاب الله المتعارف عليه، بل هو جزء منه حسب قراءته المعاصرة) سنجد أن نظرية المعرفة والعلوم كلها موجودة فيه وبالتالي الإعجاز.

يقول منير الشواف عنك ما هو نصّه بالحرف: “أُعجب الكاتب بالفكر الماركسي الجدلي وبطريقته العلمية الواقعية (الموضوعية) في البحث كما أسماها، وتحوّل هذا الإعجاب إلى انضباع بحيث أصبح الفكر الماركسي قاعدة أساسية له للتفكير وتبني طريقته الجدلية في الوصول إلى العقائد بعد أن قام بتعديلات وتحسينات على الفكر الماركسي ساقته إلى تهديم أسس الماركسية (الاشتراكية العلمية) فأدت إلى خروجه من الماركسية وعدم دخوله في الإسلام”. ما ردك على ما يقوله الشواف؟

من عُقد الفكر العربي عدم تمييزه حتى اللحظة بين الماركسية الفلسفية والماركسية السياسية الإيديولوجية. أكثر من مرة قلتُ ليس كل ما أنتجه الفكر الإنساني يقع في دائرة الخطأ وإن كان كذلك فهذا يعني أن الفكر الإنساني لم ينتج شيئاً! بالنسبة لي لم أعتمد على ماركس، بل كان اعتمادي على هيغل وأنجلس.

أريد أن أسأل الشواف: هل يظن أنه كان من السهل عليّ الاستفادة من الفكر الماركسي أو غيره ممن تطرقوا إلى الجدل محاولاً فهم كتاب الله من خلال الجدل والديالكتيك؟ هل هذا أمر سهل؟ علماً أن الكون ذاته من غير الجدل لا يمكن أن يستمر! تجب الإشارة إلى إحدى قوانين الجدل أعني قانون وحدة الأضداد، وقد قُلت في هذا إن الأضداد موجودة في ظواهر الطبيعة وليس في الأشياء، كالليل والنهار، والمقصود بالأشياء الأرض، الشمس… الخ الليل والنهار يتعاقبان من خلال دوران الأرض حول الشمس، إليك مثلاً آخر: الغنى والفقر، ظاهرتان من ظواهر المجتمع، من هنا قُلت إن الأضداد في ظواهر الطبيعة. كالجبل والوادي (تضاريس الطبيعة)، الشهيق والزفير (التنفس) العمى والبصر (العين)، ما أذكره لك كيف يمكن لعاقل أن ينكره؟

لكن هذا لا يمنع أن الماركسيين لا يميزون أحياناً بين الأضداد والمتناقضات، إذ يعتقدون أنهما أمرٌ واحد. ومن البديهي أن التضاد غير التناقض، إذ الأخير موجود في الأشياء، كأن أقول: إنك موجود وغير موجود في الوقت نفسه إذاً التناقض موجود في ذات الشيء.

قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج : 5]. انتبه كيف قال تعالى: {مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} [الحج : 5] كي يفهم من يريد الفهم حقاً.

يلاحظ أنك أجزت لنفسك الأخذ بنظرية المعرفة التي تقوم بصورة أساسية على قياس الشاهد على الغائب، علماً أنك تعتبر أن من أهم أسباب تخلفنا هو قبولنا قياس الشاهد على الغائب. وقد قلت لي في غير مكان: إنك وجدت الفقه الإسلامي يقوم على قياس الشاهد على الغائب فقمت بعملية عكسية، إذ قست الغائب على الشاهد، كيف تفسر لي هذه المفارقة؟

(مستنكراً) أنا لم أقس الشاهد على الغائب؟! إإت لي بمثال واحد على هذا؟

مثلاً نظرية المعرفة عندك تقوم بصورة أساسية على قياس الشاهد على الغائب! فأنت تؤمن بأن الله تعالى في قوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ} [الحج : 5]، إنما يقيس شاهداً هو الخلق من تراب على غائب هو البعث.

القياس في الآية عكس ما تقول تماماً قياس غائب هو البعث على شاهد هو الخلق من تراب، وقياس الغائب على الشاهد شائع في القرآن الكريم، أنا ضد قياس الشاهد على الغائب بمعناه الفقهي المتداول، والله تعالى يوضح للناس مجهولاً بمعلوم ولا يوضح معلوماً بمجهول. أنا شخصياً أرفض الأخذ بابن مسعود معياراً أقيس عليه، لأن معايير القياس عندي هي الإحصاء. مثلاً، أمامي ظاهرة (شاهد) أريد دراستها وإعطاء حكم فيها، فأول ما آخذ احصائياتها والبيّنات المادية المعاصرة لها. ولا أحكم فيها قياساً على غائب حكم به ابن مسعود مثلاً. شخصياً أرفض أن يطلب مني أخذ ابن مسعود لأقيس عليه، لا أقبل، لا أقبل غير الواقع قياساً، وقد كنت واضحاً في هذه المسألة. وأحب أن أضيف هنا إن الإجماع بالفقه لديّ هو إجماع الناس الأحياء لا الأموات، كالبرلمانات تماماً.

هل تعتقد إن العالم الإسلامي اليوم بحاجة إلى صراع، كالذي حصل في الغرب، مع العقل الإسلامي الأصولي كي يصل إلى ما يبتغيه من تقدم؟

مشكلتنا مع الأصوليين يمكن اختزالها بتمجيدهم للعقل القياسي، نحن نطالب بإلغاء هذا العقل بغية خلق عقل مبدع في الفقه، ومتى خلقنا عقلاً مبدعاً في الفقه يصبح لدينا عقل علمي ينتج المعرفة أوتوماتيكياً.

الأوربيون ليس لديهم مشاكل في الفقه، لذلك تجدهم ينتجون المعرفة العلمية مباشرة. نحن حتى الآن نخدع أنفسنا ونقول إن الإسلام ليس ضد العلم مع أنه بوضعه الحالي وبالمنظومة المعرفية التراثية الإسلامية التي ما برحت تعيد إنتاج نفسها منذ أحد عشر قرناً، نكون حقاً، شئنا أم أبينا، ضد العلم والعقل معاً! إذ من غير المعقول أن نبقى نعيد إنتاج ثقافة القرنين الثاني والثالث الهجريين، من غير المعقول!! ثمة مشكلة أخرى نعاني منها هي أن للسلفيين سلطة قمعية تستند إلى اعتقادهم أنهم الوكلاء الحصريون للإسلام في الأرض، وهذه السلطة وهي غير شرعية طبعاً، تمنع أي مفكر مجدد من التحدث بالفقه ومدى حاجته للإصلاح كما ينبغي.

لقد حاول السلفيون في الجزائر أن يجربوا حظهم وأدركوا هم والشعب الجزائري، بعد الدماء التي سالت، أن فكرهم بحاجة إلى إصلاح حقيقي وجوهري لا شكلي، لذلك أعتقد أن الجزائر هي الدولة العربية الوحيدة المؤهلة للعيش في القرن الحادي والعشرين فكراً وجسداً لا جسداً فحسب، ذلك لأنها دفعت الثمن.

كيف يمكن لنا أن نتخلص من ذلك التراكم التاريخي الذي أضفى القدسية على أكثر الأشياء دنيوية، على الصعيد الإسلامي؟

التخلص من هذه الصنمية لا يتم إلا إذا تم إبعاد الحديث النبوي – وليس السنة النبوية – عن شؤون حياتنا العامة، لأن هذه الصنمية قائمة عليه، فضلاً عن تمييزنا بين كلام محمد الرسول، وكلام محمد النبي، وكي لا أُفهم خطأ علينا أن ندرك أن الرسول ذاته هو القائل: أنتم أدرى بشؤون دنياكم.

قوبل مشروعك باستهجان إسلامي شعبي قاده بعض رجال الدين. برأيك مالسبب في ذلك؟

بالنسبة لي، عندما بدأت بمشروعي، بدأته وأنا أفترض أن النبي مات منذ خمس سنوات فقط، من ثمًّ أنا من الذين يؤمنون بالعقل وأهميته، بمعنى آخر، عادة ما نجد علاقة الناس بدينهم – أي دين كان – علاقة قائمة على أسس عاطفية، لا على أسس عقلية، في الوقت الذي أضع أنا فيه العقل في المرتبة الأولى، انطلاقاً من المبدأ القائل: إنما عُرف الله بالعقل، وأستطيع أن أضيف لم يعرف بالعاطفة، وإلا لكانت عرفته البهائم.

من جهة أخرى عادة ما نجد الإنسان يقاوم القطيعة المعرفية وهو يظن أنها قطيعة تاريخية. ما قمت به على الصعيد الشخصي هو قطيعة معرفية مع تراثنا – كما سبق وقلت أكثر من مرة – وليس قطيعة تاريخية، وفي اعتقادي أن هذه القطيعة أكثر من ضرورية لنا، وإذا لم نقم بها، فليس لنا من مخرج.

سأقص عليك ما يلي: كان علم العامة مبنياً على أن الطبيعة مؤلفة من أربعة عناصر هي: (الماء، الهواء، النار، التراب) وبالتالي (الحرارة، الرطوبة، البرودة، اليبوسة) جاء أينشتاين وقال: إن هناك تسعين عنصراً في الطبيعة، آنذاك كانوا سيغتالونه، فقط لأنه هدم لهم تصوراتهم الخاطئة!!

الآن لدينا أدوات معرفية جديدة للتعامل مع الطبيعة، ومع الدين كذلك، وعلينا استغلالها إلى الحد الأقصى. من ثمَّ هل تعتقد أنه كان من السهولة التخلي عن المعارف العلمية القديمة لصالح المعارف العلمية الجديدة؟ هنا أتذكر قوله تعالى: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} [القمر : 3].

الإنسان يكذب على نفسه ويتبع أهواءه إرضاء لمشاعره ولفكرة ما تكون قد استقرت في ذهنه وحياته، وهذا السلوك من عادة الناس بشكل عام، والمسلمون الشرقيين منهم بشكل خاص. خذ مثلاً ما كان مستقراً في عقول الناس في الجاهلية من تعدد للآلهة، وبالتالي كان يصعب على الجاهليين تصديق أنه لا وجود إلا لإله واحد فرد صمد. وهذا سبب من الأسباب التي دعتهم لمحاربة النبي محمد (ص) في بداية دعوته.

مهمة الثورات الكبرى هي القضاء على الأمور المستقرة في عقول الناس، لذلك تراهم يقولون، وهذا صحيح أشد الناس ابتلاءً هم الأنبياء، لأن مهمتهم تنطوي على تغيير عقول الناس.

إذا أخذنا بعين الاعتبار التفاوت التاريخي والعلمي بيننا وبين الغرب، وأسقطناه على ما كان يردد من حوار حضارات، كيف يمكن لهذا الحوار أن يتم بيننا وبينهم؟

إذا أردت أن أضع النقاط على الحروف، يجب عليّ الاعتراف بأن كل الشخصيات التاريخية في فكرنا العربي، والتي أثرت في النهضة والفكر الأوروبيين، ليس لها أي تأثير فينا. على سبيل المثال أوروبا استفادت في نهضتها من ابن رشد وتجاوزته، في الوقت الذي نحن لم نقترب فيه بعد من ابن رشد، بل ما زال الذي يقودنا هو الغزالي، الذي لم نتجاوزه بعد!! وعلى الرغم من ذلك نتبجح بابن رشد وباسمه وبشهرته، لا أكثر ولا أقل.

أما بالنسبة لصراع أو حوار الحضارات، فثمة شيء مهم يجب أن لا نغفله. إذ نحن نقول صراع الحضارات أو حوارها – مثلاً – ونقول الحضارة الإسلامية، متجاهلين أن الحضارة الإسلامية هي حضارة ذاكرة وأطلال فقط، لا أكثر من ذلك، أنظر إلى واقعنا الحالي ليس ثمة وجود لحضارة إسلامية فيه!

انطلاقاً مما ذكرتُ، نستطيع أن نتساءل: هل تستطيع حضارة موجودة في الذاكرة فقط أن تتصارع أو تتحاور – لا فرق – مع حضارة موجودة على أرض الواقع – أي الحضارة الغربية – قطعاً لا.

هل ذلك التفاوت التاريخي يعود إلى تخلف الإسلام بجوهره أم إلى تقدم المسيحية بجوهرها؟

المسألة ليست كذلك، والمسيحية لا علاقة لها بقضية كهذه، لكن الذي أفاد المسيحية في موضوع كهذا هو خلوها من الفقه.

هل بمقدور العقل العربي الحالي أن يقوم برد فعل ضد الطغيان الأسطوري الذي يهيمن عليه وعلى آليات تفكيره؟

من المسلّم به أن العقل العربي بوضعه الحالي عاجز، لأعطك مثالاً أبيّن لك من خلاله مكمن العجز، وكيف أن العقل العربي لا يقبل الأشياء، بوضعها الحالي، إلا إذا كان فيها شيء من الأسطورة أو التراث، مثلاً: إذا وقف أسامة بن لادن وقال: إني أنا الذي أرسلت أولئك الناس والطائرات الأربع إلى نيويورك لضرب برجي التجارة العالمي، وذكر أسماءهم وقال رحمة الله عليهم أولئك شهداء. حينذاك جزء كبير من العرب لن يصدق أن ابن لادن يقوم بعمل كهذا !؟ على الرغم من أن مانيفست الطائرات الأمريكية يؤكد أن أسماء الأشخاص الذين يذكرهم ابن لادن كانوا في الطائرات!؟ لكن لو قال ابن لادن: بعد أن توضأت وصليت وتوكلت على الله، جاءني رسول الله في المنام، وقال لي: هيئ نفسك يا أسامة لضرب كذا وكذا. حينذاك ثق تماماً أن الكثير الكثير من المسلمين سيصدقونه، لماذا؟

لأن ابن لادن يعطي بذلك لنفسه مسحة ما ورائية، ولأنهم يحبون الميثولوجيا. ومن المعروف أن الأمة المهزومة تحب الميثولوجيا والأساطير، ونحن أمة مهزومة دون أدنى شك.

في الوقت الحالي “عمرو خالد – الداعية التلفزيوني” كل ما يفعله في محاضراته التلفزيونية وغير التلفزيونية هو إعطاء مسحة أسطورية للصحابة، وبالتالي تحويلهم إلى ميثولوجيا. وأكرر لأننا أمة مهزومة نحب الميثولوجيا والخرافة، ويجب أن ندرك أيضاً إضافة لكل ما ذُكر، أن العقل العربي عقل قياسي، والعقل القياسي لا ينتج معرفة.

د. شحرور ماهي مهمة العلمنة وهل البلاد الإسلامية مؤهلة للدخول في ركابها؟

لا تنحصر مهمة العلمنة بفصل الدين عن الدولة كما يرى البعض. لكن أبسط مقومات الدولة الحديثة هي فصل الدين عن الدولة، إذ لا يمكن أن تكون الدولة حديثة من غير أن تكون علمانية.

في الوقت الحالي أقرب دولة عربية إسلامية مؤهلة للدخول في علمنة حقيقية لا شكلية هي الجزائر، لأنها دفَعت الثمن، وقد كان الثمن باهظاً.

فيما يخصّ بعض الدول العربية، كالعراق مثلاً، أنا من أنصار ترك الشعب العراقي يخوض حرباً طاحنة مع نفسه، بعد رحيل أمريكا، ودع هذه الحرب تستمر عشر سنوات أو أكثر بقليل، من غير أن يتدخل أحد فيها، أقصد من الأطراف العربية، وبعد هذه الحرب سيصل الشعب العراقي إلى نفس النتيجة التي وصل إليها الألمان بعد ما تحارب الكاثوليك والبروتستانت ثلاثين عاماً إلى أن ملّوا.

إلى أي حد ترى ظاهرة العلمنة ضرورية لأجل تقدم الإسلام نفسه؟

يجب أن نميز بين فصل الدين عن الدولة، وبين فصله عن المجتمع. من الطبيعي أنه لا يمكن فصل الدين عن المجتمع، أصلاً هذا لا يجوز. كما تجدر الإشارة إلى أن العلمنة ليست إلحاداً قطعاً، بل تعني في أحد أوجهها فصل الدولة عن الشعائر الدينية (الصلاة، الزكاة، الحج..) بمعنى لا يوجد شيء في الدولة اسمه وزير أوقاف، ولا شيء اسمه مقيم الصلاة، بل ما يوجد في الدولة هو الوطن والمواطنة، وما تبقى من أديان (جامع، كنيسة، كنيس، معبد بوذي…) تقف الدولة منه على الحياد، وعلى مسافة واحدة، انطلاقاً مما ذكرت لا يمكن للدولة إلا أن تكون أخلاقية، فالدولة لا تقبل شهادة الزور، ولا كل ما يخّل بالمنافع العامة والمصالح العامة، من هنا نستطيع أن ندرك أن العلمنة ليست ضد الإسلام، بل هي مفيدة له. لكن مسألة العلمنة لا تُحل بسهولة في عالمنا الإسلامي، بسبب مشكلة الفقه، وهذه الأخرى لا تحل بسهولة.. العلمنة ضرورية بقدر ما نستطيع فصل الشعائر الدينية المختلفة عن الدولة لا عن المجتمع. وقد فصلها محمد بن عبد الله (ص).

هل يسمح الإسلام بفهم “علماني” للدولة يمكّن الحركة الإسلامية من إنتاج ما يسميه البعض بنظرية “علمانية إسلامية”؟ وهل الحركة الإسلامية حركة دينية أم مدنية؟

الإسلام حركة مدنية قبل أن يكون حركة دينية، من ثمَّ الإسلام مُثُل عليا، وهنا أجد نفسي مضطراً للقول إن العلمانية ليست ضد المثُل العليا، من ثمَّ لا يوجد شيء في الإسلام اسمه حزب إسلامي، لأن الإسلام كما سبق وقلت هو مثُل عُليا، أما ما طرحته في سياق سؤالك عن حركة إسلامية وحزب إسلامي، هذان مفهومان سياسيان قطعاً، والإسلام إزاء مسائل كهذه يقف على الحياد.

أستطيع القول أيضاً إن ما جاء في كتاب الله كافٍ لبناء مجتمع مدني إنساني. بافتراض أنه لا يمكننا فصل المجتمع الإسلامي عن كتاب الله، ذلك لأن جميع الأخلاق موجودة في كتاب الله!

لكن هذا لا يعني أن كتاب الله كافٍ لبناء دولة بالحدود التاريخية والجغرافية، ولو كان كذلك لأصبح عندنا أكثر من ستمائة مجلد لكيفية إقامة دولة، وعلى الرغم من ذلك ثمة إيضاحات في السيرة النبوية عن كيفية تكوين الدولة بحدودها التاريخية – الجغرافية، وهي إيضاحات لا علاقة لها بالإسلام قطعاً، لأنها تتعلق بالاجتهادات العسكرية والتنظيمية والسياسية والاجتماعية… الخ، التي قام بها محمد النبي من مقام النبوة لا من مقام الرسالة، ونحن ملزمون بطاعة محمد الرسول لا محمد النبي (المعروف أن القراءة المعاصرة لشحرور تفرّق بين محمد الرسول “الرسالة” وبين محمد النبي “النبوة”) انطلاقاً مما سبق وذكرته نستطيع القول إن بمقدور العلمانية أن تفهم الإسلام فهماً حضارياً علمانياً، وبالتالي بإمكاننا أن نصل لما يمكن تسميته بنظرية “العلمانية الإسلامية”.

هل أنصف الإسلام المرأة؟

في كتاب الله نعم أُنصفت وخاصة في المواريث، أما في الواقع الإسلامي فلا، لم تنصف، لا عند الغزالي، ولا حتى عند الصحابة.

لكن الله عزّ وجلّ هو القائل: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} [النساء : 34]. فكما يبدو أنه أباح الضرب من قبل الزوج!

ليس معنى الضرب هنا هو الضرب الفيزيائي، بل يعني اتخاذ موقف، أما إذا فهم المجتمع (من ذكور وإناث) الضرب هنا بمعناه الفيزيائي، فدعهم يمارسونه، ما دام هذا فهمهم للآية. إن كان الضرب في الآية هو الصفع واللكم والرفس والجلد بالسياط كما يزعمون، فإن في التراث حديثاً نبوياً يقول: “لا تضربوا إماء الله”. فهل نفهم أن النبي يعصى الأمر الإلهي في الآية؟

الآن دعنا نصغ السؤال التالي انطلاقاً من {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء} [النساء : 34]، هذه قاعدة عامة، السؤال الآن: ألا يوجد في اليابان رجال ونساء، تُرى لماذا لم يقل: المؤمنون قوامون على المؤمنات؟ أو المسلمون قوامون على المسلمات؟

الله تعالى بدأ بالذكر لأن المجتمع العربي ذكوري، ويحب دائماً أن يبدأ بالذكر.

قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [النساء : 34]، لو كان المقصود بذلك النساء حقاً لكان قال تعالى: “على بعضهن” بدلاً مذن “على بعض” حتى ولو كان يقصد بالبعض التبعيض. وإذا كنا نرى بعض الرجال مميز على بعض النساء، نستطيع أن نسأل ماذا عن الباقي؟ اللهم إلا إذا كان المقصود بالبعض مجموعة من الرجال والنساء، والبعض الثاني كذلك مجموعة من الرجال والنساء وبالتالي ولّى بعضهم على بعض بما أنفقوا أموالهم. هنا يخطر ببالي أن أسأل: من هي المرأة التي كانت قوَّامة على الرسول محمد (ص)؟ إنها السيدة خديجة، وطوال حياتها لم يتزوج عليها. لماذا؟ لأنها كانت تصرف عليه، فضلاً عن أنه كان (ص) يعمل عندها، إذاً هي من كانت قوامة عليه في كل مناحي الحياة ما عدا النبوة والوحي.

هل سيصبح الإسلام ديناً آخر إذا ما أتيح للمرأة أن تلعب دوراً فيه؟ كالدور الذي لعبته سابقاً من ممارسة الاجتهاد وسواه؟

إذا كنا نحن الآن، كما قلنا قبل قليل، الأبناء الشرعيون لمرحلة الانحطاط العربي الإسلامي، هذا يعني أنه لن يعاد للمرأة اعتبارها مالم تخلق عندنا مجالس تشريعية صحيحة، ومن يظن إن ما حدث أثناء البعثة المحمدية هو تحرير للمرأة يكون مخطئاً في ظنه، بل إن ما حدث هو بداية تحرير المرأة، كالرق تماماً، إذ ما حدث هو بداية تحرير الرق.

لو لم تكن مسلماً، وكنت في دولة غير مسلمة (أوروبية مثلاً) وأوّل ما ترى تباشير الإسلام والمسلمين، ترى نساء يتشحن بالسواد والحجاب، ورجالاً دراويش من الملتحين بلحى كثة، ينصبون أنفسهم نواباً عن الله في قيادة خلقه، وتصنيف الناس بين مؤمن وكافر إلخ… هل ستلوم آنذاك من يقف موقفاً عدائياً أو سلبياً من الإسلام؟

بالتأكيد لن ألوم آنذاك من يقف موقفاً معادياً من الإسلام.

أمّا ما يجب علينا فعله فهو تقديم الإسلام بصورته الإنسانية فقط، شخصياً عندما أكون في أوروبا لا أتحدث عن الإسلام إلا من هذا الجانب ولقد لاقيت استحساناً من قبل الأوروبيين، قبالة عدم تجاوب ورضا من قبل العرب المسلمين. خاصة عندما أتطرق إلى الحجاب والتعددية الزوجية والقوامة ومفهوم الحدود… والوصايا العشر والأخلاق…. الخ، علينا أن ندرك أن ثمة في الوقت الحالي 67% من سكان المجتمع الأمريكي، حسب آخر الإحصائيات، ينظرون إلى الإسلام كدين عنف، لا ينتشر إلا بالعنف، إن لذلك الرقم مدلوله الخطير، والسبب – حسب ما يرون – هو أن بنية الإسلام قائمة على العنف.

لا شك نحن المسلمون نتحمل جزءاً كبيراً من تبعات تلك الرؤية ووجهة النظر الأمريكية الخاطئة عن الإسلام. وللتصديق على كلامي خذ عينة من بعض الأحاديث النبوية التي نرويها مثل:

“نُصرت بالرعب مسيرة شهر”، و “جُعل رزقي تحت رمحي”. إذا صح نسب مثل هذه الأحاديث حقاً للنبي (ص) فكيف سأصدق وتصدق أنت ونجعل الآخر يصدق أن دين محمد هو دين محبة ورحمة للعالمين؟!

أبي حسن

4 تعليقات

  1. كانه ممل جدااااا نريد عن حيات الرسول  (ص)

  2. ابوراشدالمعمري

    اجابات كافيه شافيه من الاستاذ الدكتورمحمدشحرورحفضه الله

  3. ابوراشدالمعمري

    اجابات كافيه شافيه من الاستاذ ا

    لدكتورمحمدشحرورحفضه الله ارجوقبول الرساله
    ولردعليهاقريبا

  4. ابوراشدالمعمري

    انني اعجزولم استطيع ان اعبرعن مايستحقه الاستاذالدكتورمحمدشحرور من احترام وتقديرعلي مابذله من جهدجبارطوال حياته لخدمة الاسلام والمسلمين باالخروج بهم من تخلفهم وعجزهم عن المعرفه الحقيقيه بدينهم ودنياهم فهم مايزالوناتحت الدين الموروث الوهمي الذكوري فهل يستفيدون من ما اتي به الدكتورمن طرح عقلاني ومنطقي ومقنع للعارفين لله تعالي ورسوله صلي الله عليه وسلم تحياتي
    من اليمن
    ابوراشدالمعمري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .