الفصل الرابع


التعددية الزوجية

تعدد الزوجات من المواضيع البارزة الهامة التي أولاها الله تعالى عناية خاصة، فوضعها في أول سورة النساء من كتابه الكريم. وجاء ذكر التعددية الزوجية في الآية الثالثة من السورة، وهو الموضع الوحيد في التنزيل الذي ورد فيه ذكر المسألة. لكن المفسرين والفقهاء، كعادتهم في أغلب الأحيان، أغفلوا السياق العام الذي وردت فيه، وأغفلوا ربط مسألة تعدد الزوجات بالأرامل ذوات الأيتام.
لقد استهل تعالى سورة النساء بدعوة الناس إلى تقوى ربهم التي ختم بها سورة آل عمران السابقة، وبدعوتهم إلى صلة الأرحام التي انطلق فيها من رؤية واسعة إنسانية، وليس من رؤية أسرية أو قبلية ضيقة، إشارة إلى أن أصل خلق الناس كان من نفس واحدة، فيقول:
- يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا النساء 1.
ثم ينتقل سبحانه إلى الحديث عن اليتامى، ليأمر الناس بإيتائهم أموالهم وعدم أكلها، فيقول:
- وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا النساء 2.
ثم يتابع الحديث عن اليتامى، آمراً الناس بنكاح ما طاب لهم من النساء مثنى وثلاث ورباع، في حالة واحدة حصراً هي الخوف من ألا يقسطوا في اليتامى فيقول:
- وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا النساء 3.
ثم يمضي سبحانه في الآية الرابعة إلى الحديث عن صَدُقات النساء ومهورهن، وفي الآية الخامسة إلى نهي الناس عن إيتاء السفهاء أموالهم، ليعود مرة أخرى إلى اليتامى، فيقول:
- وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا النساء 6.
ولابد للمتأمل المنصف الذي يريد أن يبحث مسألة التعددية الزوجية في التنزيل الحكيم من أن ينظر في هذه الآيات، وأن يقف مدققاً أمام العلاقة السببية التي أوضحها سبحانه بين موضوع تعدد الزوجات واليتامى، ضمن هذا الإطار من السياق والسباق.
اليتيم في اللسان العربي وفي التنزيل هو القاصر دون سن البلوغ الذي فقد أباه، ومازالت أمه حية، فأما أن اليتيم هو القاصر، فقد ورد في قوله تعالى وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ النساء6. وأما أن اليتيم هو فاقد الأب فقد جاء صريحاً في قوله تعالى: وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحاً الكهف 82. وجاء تلميحاً في قوله تعالى ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن وفي قوله وآتوا اليتامى أموالهم لأن الأب في حال وجوده هو ولي أمر ابنه اللطيم حكماً، فلا يبقى هناك مبرر يدعو الله لأن يأمر الناس بالإقساط إليه.
كل هذا يؤكد أن مدار الآيات يدور حول اليتامى فاقدي الأب. وما زالت أمهم حية أرملة. فإن قال قائل فما بال فاقد الأبوين أو اللطيم فاقد أمه؟ قلنا بموت الأب والأم تسقط التعددية، وبموت الأم وبقاء الأب تسقط التعددية أيضاً، حتى لو تزوج زوجة أخرى، ولا تدخل الزوجة الثانية في معنى التعددية الذي أشارت إليه الآية.
نحن هنا أمام أيتام فقدوا آباءهم، يريدنا تعالى ويأمرنا أن نبرَّهم ونقسط فيهم ونرعاهم وننمي لهم أموالهم وندفعها إليهم بعد أن يبلغوا
أشدهم. فكيف يتحقق ذلك؟ وهل نأخذ الأيتام القاصرين من أمهاتهم إلى بيوتنا، ونربيهم بعيداً عنها؟ هل نتردد عليهم في بيوتهم ونؤمن لهم حاجياتهم؟ يبدو الأمر وكأنه ممكن. ولكن يبقى احتمال ألا نتمكن من تنفيذ أمر الله كاملاً.
في هذه الحال، حالة الخوف من عدم النجاح بالإقساط إلى اليتامى على الوجه المطلوب وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، جاءت الآية بالحل أي بالزواج من أمهاتهم الأرامل فانكحوا ما طاب لكم من النساء والخطاب هنا موجه إلى المتزوجين من واحدة وعندهم أولاد، إذ لا محل في التعددية لعازب يتزوج أرملة واحدة عندها أولاد أيتام، بدلالة أن الآية بدأت بالاثنتين وانتهت بالأربع مثنى وثلاث ورباع.
إن الله تعالى لا يسمح فقط بالتعددية سماحاً، بل يأمر بها في الآية أمراً، لكنه يشترط لذلك شرطين: الأول أن تكون الزوجة الثانية والثالثة والرابعة أرملة ذات أولاد، والثاني أن يتحقق الخوف من عدم الإقساط إلى اليتامى، وطبيعي أن يلغى الأمر بالتعددية في حال عدم تحقق الشرطين.
أما من أين جاءت هذه الشرطية التي نذهب إليها ونقول بها، فإنها من البنية القواعدية التي صاغ تعالى قوله فيها وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع.
ونقف خاشعين أمام قوله تعالى ما طاب لكم. فحتى في حالة الأرملة ذات الأولاد التي فقدت قائد ومعيل أسرتها، وأصبحت مضطرة إلى القبول بأي خاطب يتقدم إليها، نراه تعالى يشير إلى طيب النفس والخاطر عندها، تكريماً لها ولمشاعرها، وتقديراً لمسألة الزواج من حيث المبدأ، وكان له، في ظل الظروف الاضطرارية هذه، أن يقول (فانكحوا ما شئتم من النساء) لكنه قال ما طاب لكم فتبارك الله أحكم الحاكمين.
لكن هذا التوجه الإنساني في الآية، قد يبعث الحماس في قلوب البعض فيبالغ في التماس مرضاته تعالى، وهو لايملك ما يقيم به أود أولاده وأسرته الأولى، إضافة إلى الوافدين الجدد من زوجة ثانية وأيتامها، فيقع في العول. ويصبح موزع النفس بين أولاده وبين واجبه تجاه اليتامى الوافدين، مما قد يوقعه في عدم العدل بينهم.
وجاء الحل بقوله تعالى فإن خفتم إلا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا. وهنا جاء الأمر الإلهي بعدم التعددية والاكتفاء بالزوجة الأولى في حالة الخوف من العول والوقوع فيما أشرنا إليه من عدم العدل.
لقد ذهب البعض إلى أن قوله تعالى فإن خفتم ألا تعدلوا يعني عدم العدل بين الزوجات في العلاقات الزوجية، وهذا ليس عندنا بشيء، لأن السياق يحكي عن التعددية بمفهومها الاجتماعي الإنساني وليس بمفهومها الجنسي، ويدور حول اليتامى والبر بهم والقسط فيهم، ولأنه تعالى انطلق في أمره بالاكتفاء بواحدة من حيثية واضحة تماماً هي قوله ذلك أدنى ألا تعولوا أي أن الاكتفاء بالزوجة الأولى أقرب إلى أن يجنبكم الوقوع في عجز العول والإعالة.
إن الأمر بالتعددية ضمن الشروط المنصوص عليها، يحل مشكلة فادحة تجلبها الحروب على التجمعات المتحاربة، من جوانب عدة:
- وجود رجل إلى جانب الأرملة يحصنها ويحميها من الوقوع في الفاحشة.
- توفير مأوى آمن للأولاد اليتامى ينشؤون فيه.
- ضَمِنَ بقاء الأم الأرملة على رأس أولادها اليتامى تحفهم وترعاهم. وفي ذلك صيانة وحماية للأولاد من التشرد والانحراف. فمؤسسات رعاية الأيتام قد يوفر بعضها المأوى لهؤلاء الأيتام، لكن ذلك يتم بعيداً عن أمهاتهم. إلا أن هذا لايلغي ضرورة وجود مياتم ومؤسسات في المجتمع تعنى باليتامى فاقدي الأب والأم (أو اللقطاء) وهنا يأتي دور التبني.
إن من الخطورة على المجتمع من خلال العلاقات الأسرية أن نعزل مسألة التعددية اليوم عن المحور الأساسي الذي ارتكز عليه الأمر الإلهي بالتعددية، وهو محور اليتامى، ونجعل منها مسألة ترسخ الذكورية، وتطلق يد الرجل بالزواج متى شاء مثنى وثلاث ورباع، في مجتمع غير محارب يتوازن فيه تقريباً عدد الذكور بالإناث. ومن الخطورة الأكبر أن نبتدع، كما يفعل بعض فقهاء اليوم، مبررات للرجل تسوغ له الزواج بأربع تحت عناوين ركيكة حيناً، مضحكة حيناً آخر، ظالمة في كل الأحيان.
قالوا إن عدم الإنجاب يبرر للرجل الزواج من ثانية وثالثة، وكأن العقم والعقر من آفات المرأة التي لاتصيب الرجال. وقالوا إن الشبق الجنسي عند الرجل يبرر له التعددية، وغفلوا عن أن الرجل والمرأة في هذه المسألة سواء، لا بل ذهب البعض إلى أن المرأة أوفر حظاً فيه من الرجل. وقالوا إن عجز المرأة عن القيام بدورها كزوجة بسبب المرض الطويل أو العارض الدائم يبرر للرجل الزواج ثانية وثالثة، ونتساءل نحن: أرأيت لو كان الرجل هو العاجز المريض؟ هل يجوز للمرأة أن تتزوج عليه؟ وقالوا.. وقالوا.. لكننا لم نجد ظلاً لما قالوه في التنزيل الحكيم.
لقد أمر تعالى بالبر باليتامى، وضمن هذا الإطار أمر بالتعددية مشترطاً عدم جوازها إلا في حالة الخوف من أن يلحق ظلم بهؤلاء اليتامى. ثم عاد مرة أخرى إلى التنبيه على الاحتراس من الوقوع في العجز والعول، وأمر بالاكتفاء بواحدة في هذه الحالة، وتسهيلاً منه تعالى لمسألة الزواج بأمهات اليتامى، فقد أعفى سبحانه الرجل من المهر والصداق حتى يتزوجهن، قاصداً وجه الله فيهن وفي أيتامهن، وذلك بقوله: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا النساء 127.
كما حجب الإرث عن الزوجة الثانية والثالثة والرابعة لكن هذه الآية بدورها لم تنج من سطحية الفهم، ولم يتم ربطها بالآية 3و4 من السورة رغم الإشارة الواضحة فيها بقوله تعالى وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ، فقد ذهب البعض إلى أن قوله يَتَامَى النِّسَاءِ في الآية 127 يعني النساء اليتيمات، وهذا ليس عندنا بشيء. فالعلاقة اللغوية بين اليتامى والنساء في قوله يَتَامَى النِّسَاءِ علاقة مضافومضاف إليه، أما العلاقة بينهما في قول البعض (النساء اليتيمات) فعلاقة صفة وموصوف، وهذا غير ذاك.
والنساء جمع امرأة، والمرأة هي الأنثى التي بلغت سن النكاح، واليتم يسقط حكماً مع بلوغ سن النكاح بدلالة قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح.. النساء 6. وعليه فليس ثمة نساء يتيمات وإلا للزم وجود رجال أيتام أيضاً، وهذا ممنوع عقلاً. الأهم من ذلك كله أن الآية تعفي كما قلنا من المهر والصداق والإرث، وقد ذهب بعض المفسرين كالسيوطي إلى أن قوله تعالى قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ.. أي يفتيكم في شأن ما ورد لهن في التنزيل من الميراث، وما ورد لليتامى من الميراث والمهر.
فكيف يأمر تعالى ببر اليتامى والقسط فيهم، ثم يجيز عدم إعطاء (النساء اليتيمات) مهراً حين نرغب بنكاحهن؟ وهل هذا يعتبر من البر والقسط في شيء؟ ألا يكفي اليتيمات مرارة اليتم حتى يزيد عليهن سبحانه مرارة الحرمان من المهر؟ تعالى الله عما يصفون.
إننا نرى في التعددية الزوجية، كأمر إلهي مشروط كما سبق أن فصلنا، حلاً لمشكلة اجتماعية إنسانية قد تقع وقد لا تقع، بدلالة قوله تعالى وإن خفتم. ونرى أن علينا الأخذ بهذا الحل والأمر في حال وقوع المشكلة وأن نتركه حين لاتقع. فالمشكلة لها علاقة بالسياق التاريخي لتطور المجتمعات ولها علاقة بأعراف المجتمع. فقد كانت التعددية منتشرة بين الشعوب كظاهرة مقبولة اجتماعياً دون حدود أو شروط. ثم جاء التنزيل الحكيم ليحددها بأربع، وليضع لها شروطاً بيَّنها في الآية، وليجعل منها حلاً يلجأ إليه المجتمع لا علاقة له بالحلال والحرام، وكأنه ترك للمجتمع أن يقرر متى يأخذ بهذا الحل ومتى يتركه.
وهذا كما نرى يشبه قوله تعالى وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا النساء 101. فالله سبحانه يرخص للضاربين في الأرض، أي المسافرين، بقصر الصلاة من أربع إلى اثنتين في حالة شرطية واحدة هي الخوف من فتنة الكافرين وأذاهم، أما إذا لم يتحقق الشرط فلا قصر. ومع ذلك فهناك من يقصر الصلاة في السفر وهذا صحيح. وهناك من لايقصرها وهذا أيضاً صحيح. لأن الحكم بتحقق الشرط أو عدم تحققه متروك للمسافر نفسه.
من هنا فنحن نذهب إلى أن المجتمع هو الذي يقرر العمل بالتعددية أو عدم العمل بها، ناظراً في قراره إلى تحقق شروط التعددية الواردة في الآية أو عدم تحققها. لكن عليه في الحالين أن يعتمد الإحصائيات وآراء الناس فيستفتيهم في إقرار التعددية أو في إلغائها. فإذا تقرر الإقرار في بلد مثل سوريا مثلاً، فالقرار صحيح، وإذا تقرر الإلغاء في بلد مثل السعودية مثلاً فالإلغاء صحيح. وفي كلا الحالتين لايحمل القرار الطابع الأبدي.
المشكلة في الفقه الإسلامي الموروث أنه في المسائل التي لا تتعلق بالحرام والحلال، لم يعر رأي الناس أي اهتمام، وموضوع الإحصاء والاستفتاء بعيد، إن لم نقل غائب عن أذهان الفقهاء، لانطلاقهم من مسلمة أساسية عندهم، هي حاكمية الله، وأنهم بأحكامهم وفقههم يمثلون هذه الحاكمية في الأرض، مما لا دور معه لا للناس ولا لآرائهم. وكما قلنا فالحرام عيني شمولي وأبدي، والفواحش من المحرمات. والحلال مطلق لكن لايمكن ممارسته إلا بشكل مقيد. لذا فالحلال فيه الأمر والنهي وفيه رأي الناس والاستفتاء والإحصاء والبرلمانات.
نقطة أخيرة نختم بها قولنا في التعددية، هي أننا إذا افترضنا أن بلداً ما قرر إلغاء التعددية ثم قام أحد أفراده بمخالفة هذا القرار، فالقانون يلاحقه بالتغريم لمخالفته نصاً قانونياً وقراراً اجتماعياً، لكنه لايعتبره زانياً أو مرتكب فاحشة أبداً، لأن المسألة كما قلنا لاتتعلق بالحلال والحرام.
وهكذا فلا يحق لأحد أن يقول أنه في حال منع التعددية الزوجية في بلد ما أننا نحرم ما أحل الله مالم نقصد أن الزواج الثاني عبارة عن زنا وفاحشة، والله حرم الفواحش وهذا الالتباس يمكن أن ينتج من جراء عدم التفريق بين الحرام والممنوع، فلا يمكن للحرام أن يُحَلَّل، ولكن يمكن للحلال أن يُمنَع ومنعه لايحمل الطابع الأبدي الشمولي. وإذا حمل الطابع الشمولي والأبدي فهذا هو الحرام وهو من اختصاص الله سبحانه وتعالى حصراً، حتى الرسل والأنبياء لايحق لهم التحريم، ولكن يحق لهم الأمر والنهي في حقل الحلال.
وهكذا أيضاً يظهر لنا مفهوم السنة النبوية أنها اجتهاد في الحلال (أمر ونهي) ولاتحمل الطابع الأبدي.

الزوجية:

لقد وردت الزوجية في التنزيل الحكيم في محورين أساسيين، هما محور العلاقة الجنسية كما في قوله تعالى
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ(5)إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ(6)فَمَنْ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْعَادُونَ المؤمنون 5 و6 و 7.
ومحور العلاقة الإنسانية الاجتماعية، كما في قوله تعالى:
- وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً.. النحل 72.
- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنْ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا الفرقان 54.
- وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(20)وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا النساء 20و21.
ونبدأ بالمحور الأول، محور العلاقات الجنسية، كما ورد في سورة المؤمنون. فنجد أن لهذه العلاقة احتمالين: بين الزوج والزوجة وهو الاحتمال الأول. وبين الزوج وملك اليمين وهو الاحتمال الثاني. وفي كلا الاحتمالين هناك علاقة جنسية قائمة. وهذا واضح في قوله تعالى إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ. ففيه تفريق بين الأزواج، أزواجاً وزوجات، وبين ملك اليمين من الجنسين، لكن المشترك بينهما هو الجنس.
لقد تجسد مفهوم ملك اليمين تراثياً بالرق، نظراً لأن نظام العبودية كان سائداً سارياً في القرون الماضية. لكن هذا المصطلح، بانتهاء عهود الرق والعبودية اليوم، أصبح دالاً موجوداً في التنزيل الحكيم ليس له مدلول أو مصداق في عالم الواقع، وكأنه نسخ تاريخياً، رغم أنه تكرر 15 مرة في التنزيل. وهذا يعني أن علينا أن نبحث عن مدلول يتموضع فيه هذا المصطلح في عصرنا الحاضر وإلا أتى علينا حين من الدهر، نجد فيه أن نصف آيات الأحكام نسخت تاريخياً.
من هنا رأينا أن هناك علاقة جنسية يشير إليها التنزيل الحكيم بين الزوج وملك اليمين كما في قوله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ الأحزاب 50. وهناك علاقة عدم حفظ فروج وإبداء زينة بين الزوجة وملك يمينها واضحة في قوله تعالى وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ.. المؤمنون 5و6. وفي قوله تعالى .. أو ما ملكت أيمانهن.. النور 31.
فالزواج حالة اجتماعية بين رجل وامرأة، الغاية منها الجنس والصهر والنسب، والرغبة في الأولاد وتشكيل أسرة والعيش المشترك في الحياة. هذه الحالة تسمى الحياة الزوجية، من يدخل فيها فهو زوج وزوجة، تحكمها أحكام الصداق والطلاق والعدة والإرث. أما ملك اليمين فلم نجد في التنزيل الحكيم أحكاماً تحكمه من هذا النوع.
بل وجدنا له أحكاماً أخرى غير أحكام الزواج، وإننا نرى أن الشروط التي يتم بها (زواج المسيار) حالياً هي ليست شروطاً زوجية إطلاقاً. إذ ليس الهدف هو صهر ونسب وأسرة، بل هو هدف جنسي أساساً ولا يعتبر زواجاً وهو بنفس الوقت ليس حراماً، وهو برأينا حالة من حالات ملك اليمين المعاصرة، ونرى أن يطلق عليه اسم (عقد إحصان) عوضاً عن عقد (زواج مسيار) أو (زواج المتعة).
وطبقاً للفقه الموروث السائد، هناك عقد اسمه "عقد نكاح". يذكر فيه مقدم الصداق ومؤخره، ينقل العلاقة الجنسية من الحرام إلى الحلال، ولايختلف عن أي عقد بيع سيارة يتضمن القيمة وطريقة الدفع والشروط الجزائية. علماً أن الحياة الزوجية ليست جنساً فقط. فالجنس لايشغل من زمن الحياة اليومية أكثر من 2%، أي أن هناك 98% من زمن العيش المشترك لايغطي عقد النكاح النشاطات التي تتم فيها، وهذه نقطة ضعف كبيرة، لابد إذا أردنا تغطيتها من شرح بنود الزوجية، التي تشمل الجنس والعيش المشترك مدى الحياة، وتهدف إلى تشكيل أسرة فيها أولاد وأحفاد، وفيها علاقات صهر ونسب ومودة ورحمة وسكن.

1 - الصداق (المهر):

قال تعالى: وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً النساء4. فالصداق يعطى للمرأة نحلة، أي عطاء بدون مقابل أو التزام، وقد يكون الصداق خاتماً من حديد أو باقة من ورد أو عقداً من الماس، بحسب إمكانية الزوج، وذلك لقوله تعالى لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله الطلاق 7.
أما جعل الصداق أساس النكاح، وتقسيمه إلى معجل ومؤجل، فهذا عرف اجتماعي تاريخي بحت، أدى إلى حصول الالتباس بين الصداق للزوجة المذكور في آية النساء 4، وبين قوله تعالى وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ المائدة 5، وهذه أجور لملك اليمين ولا علاقة لها بصداق الزوجة.

2 - الميثاق:

لقد ورد ميثاق الزوجية في قوله تعالى وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(20)وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا النساء 20و21.
هناك إذاً ميثاق غليظ تأخذه الزوجات من أزواجهن، غير موجود في حالة ملك اليمين. وهناك قوله تعالى اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ الذي نفهم منه أن الزوجة لا تكون إلا واحدة، وأن الزواج من ثانية يحصل بعد ترك الأولى، مما ينسجم مع آية التعددية في النساء 3، التي أمرت بالزواج من الأرامل من أجل أيتامهن وفي هذه الحالة تصبح الأرملة زوجة ثانية لوجود أولاد وبالتالي أسرة. فما هو هذا الميثاق الغليظ؟
جاء الميثاق من فعل وثق ومنه جاءت الثقة والوثاقة والوثاق والتوثيق. فعندما يتم اتفاق بين طرفين قائم على الثقة فهو ميثاق، أما إذا قام على الكره والإكراه فهو وثاق، وهو ما ورد في قوله تعالى فيومئذ لايعذب عذابه أحد * ولايوثق وثاقه أحد الفجر 25و26. هذا الميثاق يغطي الحياة المشتركة الإنسانية الاجتماعية للزوج والزوجة بشكل خاص، وللأسرة بشكل عام.
والميثاق هو عهد الله الذي يتم القسم عليه، كما في قوله تعالى الذين يوفون بعهد الله ولاينقضون الميثاق الرعد 20. وهو من هذه الزاوية أحد الوصايا العشر التي وردت في سورة الأنعام، فقال تعالى: وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون الأنعام 152.
أنا أرى أن هذا الميثاق الغليظ الذي يأخذ كل من الزوجين عهد الله على الوفاء به، ويغطي 98% من الحياة اليومية المشتركة بينهما، ويشمل الجوانب الإنسانية والاجتماعية من زمن العيش المشترك، يمكن أن يتألف من البنود التالية:
1 ـ أن يتعهد كلا الطرفين بالصدق مع الآخر وعدم غشه.
2 ـ أن يتعهد كلا الطرفين بعدم ارتكاب الفاحشة (الخيانة الزوجية).
3 ـ أن يتعهد كلا الطرفين بالمحافظة على صحة الآخر وماله، والصبر عليه في السراء والضراء والصحة والمرض.
4 ـ أن يتعهد كلا الطرفين برعاية أولاد الآخر رعاية كاملة.
5 ـ أن يتعهد كلا الطرفين بالمحافظة على خصوصيات الآخر، وعدم الثرثرة بهذه الخصوصيات أمام الآخرين.
وهذه هي بنود الميثاق الغليظ كما أراها، والتي يجب أن يقسم الطرفان على الالتزام بها، ثم يتم إعلانهما زوجاً وزوجة، وهي بنود لايمكن كتابتها في مواد عقد، ولهذا فإنَّ عجزَ أحد الطرفين عن الوفاء بها، كلها أو بعضها، مبرر لطلب الطلاق لأنه نقض لعهد الله.
وفي عقد النكاح يوجد أصيل ووكيل. ومن أعراف العرب التي تحولت إلى سنة نبوية وجود ولي الأمر للمرأة. أما في الميثاق فلا يمكن أن يكون هناك أصيل أو وكيل، وعلى المرأة والرجل أخذ الميثاق شخصياً بنفسهما وهذا يلغي مفهوم الوكالة ومفهوم ولي الأمر الذي هو من الأعراف التاريخية ويمكن إلغاؤه.