الفرع الثالث: الوحي وعلم الله وقضاؤه

الفرع الثالث: الوحي وعلم الله وقضاؤه

أولاً – الوحي:

{إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داوود زبورا} (النساء 163).

إن الوحي هو أحد أنواع المعرفة الخاصة. وقد جاء الوحي في اللسان العربي من فعل “وحى” وهو أصل يدل على إلقاء علم في الخفاء إلى غيرك. والوحي: الإشارة وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان.

فالوحي في الأساس هو نقل المعلومات والأوامر والنواهي بعدة طرق عددها الكتاب بالأشكال التالية:

  1. الوحي عن طريق البرمجة الذاتية.
  2. الوحي عن طريق التشخيص “السمع والبصر”.
  3. الوحي عن طريق توارد الخواطر.
  4. الوحي عن طريق المنام.
  5. الوحي المجرد.
  6. الوحي الصوتي عن طريق السمع.

الوحي عن طريق البرمجة العضوية في الكائنات الحية أو الوظيفية في ظواهر الطبيعة: وذلك عن طريق تخزين معلومات وأوامر في البنية الجينية للخلايا كقوله تعالى: {وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون} (النحل 67)، {ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون} (النحل 69). أو في البنية الوظيفية للأشياء كقوله: {فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها…الآية} (فصلت 12) وكقوله تعالى: {يومئذ تحدث أخبارها * بأن ربك أوحى لها} (الزلزلة 4-5).

الوحي عن طريق التشخيص “صوت وصورة”: وهذا ما نسميه بالوحي الفؤادي وهو أبسط أنواع الوحي وأكثرها بدائية وفعالية وقد جاء هذا النوع من الوحي إلى إبراهيم في قوله: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ} (هود 69). وقوله: {ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب} (هود 77).

الوحي عن طريق توارد الخواطر: وهذا الوحي وارد لكل البشر حتى يومنا هذا وهو عندما يقع الإنسان في مأزق أو يفكر في مشكلة علمية تستحوذ على كل تفكيره، تأتيه فكرة أو خاطرة ما فيها الخروج من المأزق أو حل المشكلة العلمية “كتفاحة نيوتن”. وهذا النوع من الوحي جاء في الكتاب في قوله: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} (القصص 7).

وفي قوله تعالى: {وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي} (المائدة 111). وقوله عن يوسف: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} (يوسف 15) وقوله لموسى: {إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى} (طه 38).

هذا النوع من الوحي ليس له أية علاقة بالأمور الشرعية التي تتعلق بأم الكتاب وإنما له علاقة بالأمور الإجرائية والمعرفية حين الأزمات ولا يأتي إلى إنسان عشوائيا، فالإنسان لا يفكر في أمور الذرة فيأتيه إلهام حول أسرار الذرة.

الوحي عن طريق المنام: هنا يجب أن نميز بين مصطلحين هامين وهما: الحلم والمنام إذ لهما مفهومان مختلفان فيا لكتاب. والشيء المشترك بينهما هو أن كليهما يحصل أثناء النوم. فالحلم هو مجموعة من الصور التي يراها الإنسان وهو نائم وتتصف بأنها عبارة عن صور متداخلة بعضها ببعض وغير مرتبطة. لذا عندما رأى فرعون الرؤيا قالوا له {أضغاث أحلام}. وقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: {بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر} (الأنبياء 5). لأن الأضغاث هي صفة الأحلام وتعني في اللسان العربي التباس الشيء بعضه ببعض. والحلم جاء من فعل “حلم” واحد معانيه النضوج الجنسي كقوله تعالى: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوكما استأذن الذين من قبلهم} (النور 59). وإذا بين العلم أن هناك رابطا بين الأحلام وبين النضوج الجنسي فهذا وارد.

أما المنام فهو ظاهرة مختلفة عن الحلم، فالمنام يعبر عن ظاهرتين:

أ‌ – أحد أنواع الوحي للأنبياء.

ب‌ – بالنسبة لغير الأنبياء يسمى المبشرات وهوا لرؤيا الصادقة.

وما زالت الرؤيا الصادقة ظاهرة شائعة بين الناس بغض النظر عن التقوى وهي ليست حلما. لقد جاء الوحي في المنام إلى إبراهيم: {فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين} (الصافات 102). هنا جاء الوحي بإعطاء أمر من الأوامر.

وهناك وحي في المنام بإعطاء معلومات كالوحي إلى يوسف: {إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين} (يوسف 4). والوحي في المنام إما أن يكون صريحا، كالوحي إلى إبراهيم، وإما أن يكون غير صريح وبحاجة إلى تأويل كالوحي إلى يوسف حيث قال في نهاية السورة: {ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا…الآية} (يوسف 100).

هنا يجب أن نميز بين قول إبراهيم: {إني أرى في المنام}، حيث استعمل “أرى” في فعل مضارع، وبين قول يوسف: {إني رأيت} في الماضي. فالإنسان لا يذبح ابنه بمجرد أن رأى في المنام مرة واحدة أنه يذبحه، بل تكرر هذا المنام لإبراهيم حتى صدقه، بدليل استعمال المضارع “إني أرى”. أما مع يوسف فمحتوى المنام كان خبرا، لذا جاءه مرة واحدة فقال: {إني رأيت} وقد صدق الرؤيا. لذا سمى الله إبراهيم صديقا فقال: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا} (مريم 41) وقارن هذه الآية حول تصديق الرؤيا في قوله: {قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين} (الصافات 105) وكذلك كانت طريقة الوحي إلى إدريس حيث بينها في قوله: {واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا} (مريم 56).

وقد أكد طريقة الوحي عن طريق المنام ليوسف حيث سماه أيضا صديقا في قوله: {يوسف أيها الصديق} (يوسف 46).

وكذلك أطلق الكتاب على مريم لقب صديقة في قوله: {وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} (المائدة 75) وذلك لأنها صدقت جبريل بأنه سيهبها غلاما ذكيا وجاءها بشكل بشر سوي بدون أي علامة فارقة فصدقته بمجرد أن أخبرها بهذا الخبر فسماها صديقة وقد أكد ذلك في قوله تعالى: {وصدقت بكلمات ربها وكتبه} (التحريم 12). وقد سمي أبو بكر صديقا لأنه كان يصدق النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقوله بمجرد أن يقول وبدون أي نقاش.

والآن لنميز أنواع الرؤيا الصادقة:

أ‌ – النوع الأول: للأنبياء وهو الوحي عن طريق المنام. فهذا الوحي كما قلت إما مباشر كالوحي إلى إبراهيم، أو غير مباشر “رمزي” كالوحي إلى يوسف.

ب‌ – المبشرات: وهي الرؤيا الصادقة وليست وحيا. وهذا يمكن أن يحصل مع كل الناس، المؤمن وغير المؤمن. ويمكن أن يكون مباشرا أو رمزيا. وهذا ما أطلق عليه الكتاب مصطلح الوفاة.

هنا يجب علينا أن نميز بين مصطلحين حصل فيهما خلط والتباس وهما: الوفاة والموت. وقد قلنا إن الروح ليست سر الحياة العضوية وإنما هي سر الأنسنة. فلا تدخل في مصطلح الموت أو الوفاة. وكل ما قيل عن الروح بأنها سر الحياة أو أي موضوع ربط الروح بالحياة العضوية يجب أن يستبعد لأنه –كما بينا سابقا- يخالف العمود الفقري للكتاب جملة وتفصيلا.

وكل ذلك حدث بسبب الالتباس في المصطلح بين النفس والروح حيث أن النفس يقابلها في اللغة الإنكليزية مصطلحان (body) الجسد العضوي. ومصطلح (Soul) النفس المشاعر والأحاسيس والشخصية “الأنا”. أما الروح فيقابلها مصطلح (Spirit) وفي اللغة الروسية هناك مصطلح (Gywa) النفس ومصطلح الروح (Gyx). ففي الكتاب أطلق مصطلح النفس على معنيين يفهمان حسب سياق الآية:

-المعنى الأول: النفس ككائن عضوي حي تنطبق عليه ظاهرة الموت وهي التي قال عنها: {كل نفس ذائقة الموت} (آل عمران 185). هذه النفس التي تموت يدخل تحت معناها كل الكائنات الحية بما فيها الإنسان: {الذي خلقا لموت والحياة} (الملك 2). وهذه النفس التي يمكن قتلها والتي جاءت في قوله: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} (الأنعام 151). والنفس التي حرم الله قلتها هي النفس البشرية.

وهناك نفوس أحل الله قتلها كالأنعام والبهائم والأسماك…الخ. وجاءت أيضا في قوله تعالى: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا} (آل عمران 145) وهذه النفس التي قال عنها: {وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله} (الحجرات 15). وقال عنها: {وإذا النفوس زوجت} (التكوير 7). هذه النفس التي نطلق عليها مصطلح الجسد العضوي المادي والذي ينتقل من حال الحياة إلى حال الموت والتحلل العضوي والتغير والفناء.

-المعنى الثاني: النفس الإنسانية فقط وهي النفس التي تتوفى والتي لها طب خاص بها اسمه الطب النفسي. وهي مجموعة الأحاسيس والمشاعر وفيها الحب والكراهية والألم النفسي والراحة النفسية والسرور والعذاب وهذه التي قال عنها الله سبحانه وتعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى عن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} (الزمر 42).

هنا يتبين لنا الفرق الكبير بين الروح والنفس.

حيث أن الروح هي إزالة التناقض والربط المجرد وهي سبب المعرفة أو التشريع وسبب الخلافة، وهي من الله مباشرة لأنها من صفات الله التي لا ينطبق عيها قانون صراع المتناقضات الداخلية في ذاته. أما النفس التي تتوفى فهي الصور المدركة والأحاسيس واللذات والمشاعر ولها جدل خاص بها وهي ليست الروح وإنما من نتاجها حيث أن الصور والأحاسيس تعتمد على المدركات من الأشياء وإدراك الأشياء يتم بواسطة الروح. حيث أن هذه الأمور لا تتحلل بالموت لأنها غير مادية، لذا ذكر لها “الوفاة” وذكر للنفس العضوية “الموت”.

وأعطى نفس المصطلح للحالتين لأنهما مرتبطتان بعضهما ببعض في الحياة. ولا يحصل الانفصال إلا في حالتين وهما المنام والموت لذا قال: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}. ويحسن هنا أن نزيل الالتباس الذي يقول أن النوم هو كالوفاة فهذا وهم. فالمنام هو الوفاة والذي يحصل أثناء النوم وليس النوم نفسه. فماذا يحصل في المنام وليس في الحلم؟ يرى النائم في المنام مجموعة منا لصور والأحداث المباشرة لها معنى مباشر أو رمزي فيها رعب أو سرور و خوف أو فرح أو ألم أو لذة…الخ فيقول الكتاب إن هذه وفاة مؤقتة للنفس حيث ترسل لقوله: {ويرسل الأخرى}. هذه الحالات لا تحدث في الضرورة كلما نام الإنسان، ولكن إذا حدثت، فإنها تحدث أثناء النوم. ولتمييزها عن الحلم فإنها قابلة للتحقيق “التأويل” وهذه التي سميت المبشرات “الرؤيا الصادقة”.

أما الوفاة الدائمة التي قال عنها: {حين موتها}. فذاك أنه في لحظة الموت لكل إنسان على الإطلاق بغض النظر أكان الموت سريعا جدا أو بطيئا لأننا نعني لحظة الموت يرى الإنسان مجموعة منا لصور يشعر فيها بالراحة أو بالعذاب. هذه الصور تبقى ثابتة إلى يوم يبعثون والجسد ليس له علاقة بذلك دفن أم حرق. هذا ما نسميه حياة البرزخ. هذه الحياة صور ثابتة وشعور ثابت وهي حالة غير عضوية ما عدا “النبيين والشهداء”.

وهكذا فقط نفهم قوله تعالى: {ولو ترى إذا الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون} (الأنعام 93). ونفهم قوله تعالى: {فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون * فلولا إن كنتم غير مدينين * ترجعونها إن كنتم صادقين * فأما إن كان من المقربين * فروح وريحان وجنت نعيم * وأما إن كان من أصحاب اليمين * فسلم لك من أصحاب اليمين * وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم} (الواقعة 83 إلى 96).

هنا نلاحظ كيف يعطي صورة الوفاة حين الموت. فالمقربون يشعرون كشعورهم بفسحة ونزهة “روح” وهم في غاية الراحة “ريحان” هنا ريحان على وزن فعلان وهي ضد “تعبان”. ولكي يبين أن ذه الصورة التي تحصل في الوفاة حين الموت تبقى ثابتة إلى يوم يبعثون قال عنآل فرعون: {النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.

هنا أكد القرآن أن لا نعيم جسديا والعذاب جسديا إلا بعد البعث الجسدي والحساب المادي، فهناك الجنة والنار الماديتان.

هذا البحث يقودنا إلى استنتاج مهم جدا وهو ما يقال عنه عذاب القبر. فإذا فهم عذاب القبر فهما رمزيا على أنه الصورة التي يراها المتوفى حين الموت بغض النظر أدفن في القبر أم أحرق أم التهمته الوحوش فهذا وارد ولا يتعارض مع المفاهيم الواردة في الكتاب. أما ما ورد في بعض الكتب عن سؤال منكر ونكير بعد الدفن، ويسألون الميت عن ربه ودينه فلم يثبت في نص صحيح. وإن ما يفعله بعضهم من تلقين الميت بعد الدفن فما لم نجد له سندا صحيحا. وإن من مجانبة الدقة أن نقول الصلاة على روح فلان أو الفاتحة إلى روح النبي صلى الله عليه وسلم أو روح الميت. والأدق أن نقول الصلاة على نفس فلان ونفس النبي صلى الله عليه وسلم أو نفس الميت.

وإننا نقرأ في الأثر قول النبي صلى الله عليه وسلم “والذي نفس محمد بيده” وإن كل ما ورد في الأثر وفي اكتب التراث أو الأحاديث حيث تذكر الروح على أنه سر الحياة يجب أن يعاد النظر فيه ووضع إشارة استفهام كبيرة على صحته.

أما النفس التي ترى حين الوفاة الروح والريحان وجنة نعيم وتثبت لها هذه الصورة إلى يوم القيامة فهي التي قال عنها: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} (الفجر 27-30) ويبقى أن نلاحظ أنه حيث ورد ذكر الموت والوفاة في الكتاب فالمصطلح المرافق هو مصطلح النفس وليس مصطلح الروح.

قد يسأل سائل: لقد أوردت في بحث الجدل أن الجنة والنار لم توجدا بعد وإنما ستوجدان على أنقاض هذا الكون بعد هلاكه، فكيف قال عن النفس المطمئنة {وادخلي جنتي}. والجنة لم توجد بعد؟ الجواب أن الكتاب أورد أن هناك جنة ليس لها علاقة بجنة المتقين أو جنة الثواب والعقاب وهي التي سماها: {جنة المأوى}. في قوله: {ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى} (النجم 13-15).

من هذه الآيات نناقش حادثة المعراج. فإذا شاهد النبي الجنة والنار في المعراج-وقد قلنا إن الجنة والنار لم توجدا بعد- فهذا يعني أن المعراج حصل في المنام. أما إذا كانت المشاهدة فؤادية أي مرتبطة بالحواس فهذا يعني أنه شاهد جنة المأوى وليس جنة الثواب. وقد ذكر الكتاب بأن المشاهد حسية فؤادية في قوله: {ما كذب الفؤاد ما رأى} (النجم 11). وفي قوله: {ما زاغ البصر وما طغى} (النجم 17).

وفي الختام يبق للبحث المستقبلي ترتيل آيات النفس التي جاءت في الكتاب وتصنيف الآيات حسب معنى النفس –الجسد التي تموت والنفس التي تتوفى. فعلى سبيل المثال: {وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} (العنكبوت 40). هنا النفس التي تتوفى: {فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم} (السجدة 27). هنا النفس التي تموت.

لقد ذكرنا أن ما جاء في الكتاب عن الوفاة والموت يسمى حياة البرزخ بالنسبة لكل الناس. والناس الوحيدو المستثنون من هذه الحياة هم الأنبياء والشهداء. فهذه الحياة بالنسبة لهم ملغاة حيث تستمر مباشرة حين موتهم ووفاتهم –حياتهم المادية الجسدية والنفسية- عند الله سبحانه وتعالى وليس في الجنة.

وقد يقول البعض إن جثث الشهداء تبقى في الأرض أو تحرق. هذا صحيح ولكن جسد الإنسان المادي عبارة عن مجموعة منا لكميات والنسب الماديةا لمؤلفة من عناصر، ولكل إنسان وصفة خاصة به من المواد ونسبها وهندستها، هذه الوصفة موجودة عند الله سبحانه وتعالى ويعاد تركيبها. أما الجسد الذي مات فيبقى في الأرض. لذا قال عن الشهداء: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} (آل عمران 169). هنا قال: “أمواتا” ويعني بذلك الحياة العضوية وأتبعها بوله: {أحياء عند ربهم}. وأضاف إليها أمرا ماديا بحتا في قوله: {يرزقون}. وتلاحظ قوله: {عند ربهم}. ولم يقل في الجنة كقوله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 39).

وقوله: {إن الله عنده علم الساعة} (لقمان 34).

وقد أكد أنه لا بعث للنبيين والشهداء لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون في قوله: {وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون} (الزمر 69). لاحظ قوله: {وجيء بالنبيين والشهداء}. قال هذا لأنهم أصلا موجودون “عند ربهم”.

هنا تتبين لنا المرتبة العالية للشهداء حيث أن مكافأتهم من الله هي من جنس التضحية التي قدموها ولكن تفوقها درجات. فالشهداء قصروا أعمار أنفسهم وآثروا الموت على أن يستمروا في الحياة ويستمتعوا بها أطول مدة ممكنة فكافأهم الله سبحانه وتعال بأن أحياهم ومتعهم ورزقهم من لحظة موتهم إلى يوم يبعثون.

-الوحي المجرد: وهو أرقى أنواع الوحي وهو أن يأتي جبريل بدون أن يدرك بالحواس فيلتبس مع النبي صلى الله عليه وسلم ويسجل الآيات الموحاة بشكل مباشر في الدماغ “القلب”. هذا النوع من الوحي الأساسي الذي كان يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم. هنا يجب أن نناقش الوهم الذي يقع فيهالبعض وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغيب عن الوعي عندما كان يأتيه الوحي المجرد، حيث قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تأتيه نوبات من الصرع وقد حصل هذا الوهم من أنا لنبي صلى الله عليه وسلم كان يغيب عن الوعي ويتفصد عرقا حين كان يأتيه الوحي، وبعد أن يتركه الوحي:ان يصحو ويعود إلى وعيه، ويرتل الآيات التي أوحيت إليه، وأحيانا كانت تأتيه سورة كاملة من السور الطوال على دفعة واحدة كسورة يوسف، ومعظم سورة الأنعام. لنناقش هذه الظاهرة ونرد على هذا الوهم:

1 – إن الإنسان المريض بالصرع وتأتيه نوبات الصرع يصحو بعد النوبة كالمخبول ولا يقول إنه علم شيئا أو زادت معلوماته قيد أنملة أثناء النوبة. وكل العرب الذين عاشوا مع النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن منهم والكافر كانوا يعلمون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغيب عن الوعي أثناء الوحي. وبعد أن يعود إلى وعيه يتلو عليهم الآيات التي أوحيت إليه.

2 – إننا نعلم بشكل قاطع نهلا يمكن للإنسان أن يفكر بشكل متلازم بأمرين اثنين بنفس اللحظة. فهناك طريقتان لاستلام المعلومات: إما عن طريق الحواس التي توصلها إلى المخ “الإدراك الفؤادي” ثم يبدأ المخ بعملية التحليل والتركيب “الفكر والعقل” ويصدر أحكاما. وفي هذه الحالة، الحواس هي واسطة المعرفة والإنسان بحاجة ماسة إليها. وإما أن تأتي المعلومات إلى الدماغ بشكل مباشر متجاوزة الحواس. ولا تتجاوز الحواس موضوعيا إلا إذا غاب الإنسان عن الوعي. والعلم والتجارب العلمية يمكن أن تبرهن على هذا حاليا أو في المستقبل وذلك إن أردنا أن نعطي معلومات وأوامر ونواهي إلى دماغ شخص بشكل مباشر واستطعنا فعل ذلك فهذا يعني أننا بالضرورة نحتاج إلى أن نعطل حواس الشخص الذي يتلقى المعلومات ونغيبه عن الوعي لأنه لا يمكن أن نعطي للإنسان معلومات مباشرة إلى دماغه وحواسه تعمل، لأن الحواس بحد ذاتها هي مصدر للمعلومات.

وعلى هذا فإنه من الناحية العلمية، لا غرابة أبدا بأن يغيب النبي صلى الله عليه وسلم عن الوعي أثناء الوحي. لذا أطلقت على هذا النوع من الوحي مصطلح الوحي المجرد أي المجرد عن الحواس، وهو أرقى أنواع الوحي. علما بأنه وحي مادي أي كان يأتي من خارج دماغ النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلال قوانين موضوعية “جبريل” وليس من نشاطات الدماغ الذاتية لذا قال: {وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا} (الإسراء 105). أي ترجمة القرآن إلى العربية حدثت خارج وعي محمد صلى الله عليه وسلم. {وبالحق أنزلناه}. وتم نقله موضوعيا إلى قلب محمد صلى الله عليه وسلم. {وبالحق نزل}. لذا كان دور النبي صلى الله عليه وسلم هو البشير والنذير حيث أن التبشير بالجنة والإنذار بالنار هو من القرآن.

-الوحي الصوتي: وهو شكل الوحي الذي جاء إلى موسى عليه السلام فقط بالإضافة إلى أشكال أخرى كالإلهام. لذا فصل الوحي إلى موسى في أية منفصلة وحدها في قوله: {ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما} (النساء 164). حيث نرى في الآية 163 من سورة النساء مجموعة من الأنبياء والرسل ذكرهم الله في آية واحدة وذكر أنه أوحى إليهم، ولم يذكر فيهم موسى، بل خصه وحده بهذه الآية المنفصلة.

هذا الوحي الصوتي جاء لموسى شفاهة “صوتا” ومنسوخا كالوصايا العشر “الفرقان” حيث قال: {وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظةً وتفصيلا لكل شي فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفاسقين} (الأعراف 145). وقوله: {وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره} (الأعراف 150).

  • أنواع الوحي التي أوحيت للنبي محمد صلى الله عليه وسلم:
  1. الوحي المجرد: لقد كان هذا النوع الأساسي للوحي للنبي صلى الله عليه وسلم.
  2. الوحي الفؤادي: كانت بداية الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بداية فؤادية حيث لو بدأ الوحي مجردا لما صدق النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، ولظن نفسه أنه متوهم. لذا كانت البداية الفؤادية للوحي هي ضرورة بشرية، حيث أن الحواس أساس المعرفة، فجاءه جبريل لأول مرة صوتا وصورة، ولم يغب النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحالة عن الوعي. وقد أوحيت له بالطريقة الفؤادية أوائل سورة العلق. ثم أحيانا كان يأتيه جبريل بصورة إنسان يراه هو والآخرون ويخبره ويسأله بمرأى ومسمع من الآخرين دون أن يغيب أحد عن الوعي. في هذا المجال يتبين لنا لماذا لم ينزل عليه القرآن “لا الكتاب” جملة واحدة، بل جاء مرتلا، وكان السبب فؤاديا بحتا لقوله تعالى: {وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} (الفرقان 32).

لذا جاء القرآن على دفعات ببداية فؤادية “مشخصة” لتثبيت فؤاد النبي أي لكيلا يشك ثم جاءه بعد ذلك على أرتال بالطريقة المجردة.

ثانياً – علم الله:

قلنا إن علم الله هو أرقى أنواع العلم. وهو علم تجريدي بحت ويحمل الصفة الرياضية المتصلة والمنفصلة معا: {وأحصى كل شيء عددا} (الجن 28)، {وكل شيء عنده بمقدار} (الرعد 8) وقلنا إن العلم التجريدي هو علم مجرد عن الحواس. فالحواس ضرورية للإدراك الفؤادي المتعلق بالحواس. هذا من ناحية، ومن ناحيةأخرى ضرورية لناقصي المعرفة أي لاكتساب المعارف عن العالم الموضوعي المادي. أما الإدراك المجرد فهو إدراك بمعزل عن الحواس “العقل”، لذا فعلم الله علم مجرد وهو في الوقت نفسه يحمل صفة كمال المعرفة.

فإذا قلنا إن مخلوقا ما يعرف أشكال الموجودات واحتمالاتها، ويعرف كل أصوات الموجودات واحتمالاتها. ففي هذه الحالة يبصر ولكن بدون عين وسمع ولكن بدون أذن فيزيولوجية لذا نقول إن الله سميع بصير أي يسمع بدون أذن ويبصر بدون عين فيزيولوجية حيث أن الحواس ضرورية لناقصي المعرفة. وقد أكد ضرورتها لاكتساب المعرفة وربطها بالفؤاد في قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل 78).

فبالنسبة لناقص المعرفة هناك السمع كوظيفة عضوية للأذن تؤدي إلى المعرفة، وهناك الاستماع كفعل إرادي للإنسان نفسه. لذا فإننا نرى في الكتاب صيغة “قد سمع الله” كقوله: {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} (المجادلة 1). وقوله تعالى: {لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء} (آل عمران 181). ولكننا لا نرى في الكتاب صيغة “استمع الله” وإنما هي لغير الله من العاقل كقوله: {قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن} (الجن 1). وقوله: {قال لمن حوله ألا تستمعون} (الشعراء 25) وقوله: {فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} (الجن 9) وقوله: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (الأعراف 204).

لنناقش الآن: هل كامل المعرفة يحتمل الشريك؟ أي أن الله كاملا لمعرفة، فهل هناك إمكانية بأن يحمل إله آخر أو أي كائن آخر نفسا لصفة؟ هذا مستحيل. وللدلاة على ذلك نقول إن كمال السرعة في حدود ما نعلم، موجود في الضوء، فإذ سار جسم بسرعة أقل من سرعة الضوء لا يصبح ضوءا، ويبقى جسما مغايرا للضوء. ولكنه إذا سار بسرعة الضوء، يصبح ضوءا حيث نه لا يسير بسرعة الضوء إلا الضوء. فالسيارة تصبح ضوءا، والإنسان يصبح ضوءا إذا بلغت سرعتهما سرعته.

وهكذا نرى أن كمال السرعة لا يكون إلا في واحد، وهذا الواحد لا يحتمل الشريك ولا يحتمل معادلة الزمن. وكمال المعرفة لا يكون إلا في واحد ولا يحتمل الشريك ولا يحتمل معادلة الزمن: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (الحديد 3). وكما أن سرعة الضوء هي السرعة التي تنسب إليها كل سرعات الأجسام الأخرى. وكذلك فإننا ننسب إلى علما لله كل علوم المخلوقات الأخرى {ولا يحيطون بشيء نعلمه إلا بما شاء} (البقرة 255).

وبما أن الروح هي سر اكتساب المعرفة فقد أعطاها الله للإنسان ليكون خليفة له: {ونفخت فيه من روحي}. فأصبح البشر إنسانا متعلما متكسبا للمعارف. فكلما زادت معارف الإنسان زاد اقترابا منا لله بالمعرفة. وكلما زاد جهلا بعد عن الله. وهكذا فإننا نرى أن الإنسان ككل يقترب من الله مع التطور ومرور الزمن، وسيبقى هذا الاقتراب من الله مستمرا حتى يأتي يوم يظن فيه الإنسان أنه أصبح إلاها. فعند ذلك تقوم الساعة {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا} (يونس 24).

والآن نسأل السؤال التالي: هل علم الله يقيني أم احتمالي؟ نقول هو الاثنين معا. فعلم الله يقيني كامل بالأشياء والأحداث القائمة والموجودة فعلا كقوله: {وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} (الأنعام 80) وقوله: {وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا} (الأعراف 89). وقوله: {إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما} (طه 98). وقوله: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما} (غافر 7). وقوله: {وأن الله قد أحاط بكل شيء علما} (الطلاق 12). وقوله: {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} (فاطر 11، فصلت 47) وقوله: {والله يعلم ما في السموات وما في الأرض والله بكل شيء عليم} (الحجرات 16). وقوله: {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} (الحديد 3). وقوله: {ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم} (المجادلة 7). وقوله: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} (التغابن 11). وقوله: {ألم تعلم أن الله يعلم ما فيا لسماء والأرض} (الحج 70).

نلاحظ في الآيات السابقة قوله: {بكل شيء}. والأشياء هي الموجودات فعلا وقد أجمل علمه بقوله: {وسع كرسيه السموات والأرض}. وقد شرحت معنى الكرسي في الباب الأول. أما عن حركة الأشياء ووظائفها فقال: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها} (سبأ2، الحديد 4). وقوله: {وما تسقط من ورقة إلا يعلمها} (الأنعام 59).

وعلينا هنا أن نميز بين نوعين من علم الله:

أ‌ – النوع الأول: علم الله بالأشياء وظواهرها وحركاتها وهو الذي شرحناه.

ب‌ – النوع الثاني: علم الله بالسلوك الإنساني الواعي وبالاختيار الإنساني.

لقد حصل لغط كثير وجدل طويل وأخذ ورد والتباس في النوع الثاني من علم الله حول السلوك الإنساني والاختيار. ومرد هذا الالتباس إلى أنهم أدخلوا في علم الله حول الاختيار الإنساني ما لا يدخل فيه، ولم يرد له ذكر في الكتاب.

فحول علم الله بالاختيار الإنساني قال:

  • {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} (النمل 25).
  • {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} (النمل 74).
  • {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} (القصص 69).
  • {والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما} (الأحزاب 51).
  • {يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور} (غافر 19).
  • {ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون} (الشورى 25).
  • {والله يعلم متقلبكم ومثواكم} (محمد 19).
  • {والله يعلم إسرارهم} (محمد 26).
  • {والله بصير بما تعملون} (الحجرات 18).
  • {ويعلم ما تسرون وما تعلنون} (التغابن 4).
  • {إنه يعلم الجهر وما يخفى} (الأعلى 7).
  • {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} (البقرة 270).
  • {قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله} (آل عمران 29).
  • {يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون} (آل عمران 167).
  • {وما تنفقوا من شيء فإن الله به عليم} (آل عمران 92).
  • {قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين} (القصص 85).
  • {علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم} (البقرة 187).
  • {فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم} (الفتح 18).
  • {فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا} (الفتح 27).
  • {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} (المزمل 20).
  • {علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض} (المزمل 20).
  • {علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا} (البقرة 235).
  • {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم} (الأنفال 23).
  • {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} (الأنفال 66).

إن الآيات الواردة أعلاه كلها تتحدث عن سلوك إنساني واع، فلنأخذ مثلا قوله: {يعلم ما تخفون وما تعلنون} فقد جاءت في صيغة المضارع للدلالة على استمرارية المعرفة أولاً، وجاءت المعرفة لأمر مخفي فعلا. فإذا كان زيد في لحظة ما لا يخفي شيئا فالله يعلم أن زيدا لا يخفي شيئا في هذه اللحظة. وفي لحظة تالية إذا أخفى زيد شيئا فإن الله يعلم أن زيدا قد أخفى شيئا. وكذلك الإعلان والإسرار. وبما أن السر والعلن متغير عند الإنسان بتغير نواياه، فجاء العلم بصيغة المضارع للدلالة على استمرارية المعرفة. فأين يكمن الالتباس إذا؟

إن الالتباس يكمن في أنه إذا نوى زيد غدا القيام بأمر ما فإن الله منذ الأزل يعلم أن زيدا في يوم كذا وساعة كذا وثانية كذا سينوي القيام بهذا الأمر. إننا ننظر إلى الأمر نظرة مغايرة ولتبيانها نقول:

أولاً لنناقش أنه لو كان يدخل في علم الله منذ الأزل ماذا سيفعل زيد في حياته الواعية وما هي الخيارات التي سيختارها زيد منذ أن يصبح قادرا على الاختيار إلى أن يموت. فالسؤال لماذا تركه إذا كان يعلم ذلك؟ هنا من أجل تبرير هذا الأمر ندخل في اللف والدوران فنقول إن الله علم منذ الأزل أن أبا لهب سيكون كافرا، وأن أبا بكر الصديق سيكون مؤمنا. ثم نقول إن أبا لهب اختار لنفسه الكفر وأبو بكر اختار لنفسه الإيمان. إن هذا الطرح لا يترك للخيار الإنساني الواعي معنى، وإنما يجعله ضربا من الكوميديا الإلهية مهما حاولنا تبرير ذلك. فإن كان الأمر كذلك فماذا نعني بقولنا: إن الله كامل المعرفة؟

إننا نعني أن الله كامل المعرفة بالأشياء وأحداثها “الطبيعة وظواهرها” لأن علمه رياضي {وأحصى كل شيء عددا} {وكل شيء عنده بمقدار} (الرعد 8). وعلمه رياضي، لأن الرياضيات اليوم هي أرقى أنواع العلوم، ولو توصل العقل الإنساني “المصوغ من روح الله” إلى علم هو أرقى منا لرياضيات وسميناه العلم س ثم وجدنا في القرآن إشارة لذلك كانت تخفى علينا أو كنا نؤولها تأويلا آخر لجهلنا بالعلم س لقلنا إن علمه جل وعلا علم سيني… وما دمنا لا نعرف علما أرقى منا لرياضيات فإننا نذهب ولا نتحرج إلى أن علمه رياضي “دلنا على ذلك العقل المصوغ من روح الله”… إن الرياضيات تتصف بالدقة والتنبؤ، فنحن إذا علمنا القانون الرياضي لظاهرة ما فيا لطبيعة، يصبح من السهل علينا أن نتنبأ سلفا عن سلوك هذه الظاهرة.

وهذا ما نفعله الآن في الاختراعات الكبيرة في الطب والعلوم. إذ يمكننا أن نحكم سلفا عن موعد وصول الصاروخ إلى القمر إذا عرفنا قدرته وسرعته… الخ. وبما أن الوجود هو كلمات الله، فقد أعطانا الله الاطمئنان بأنه لا مبدل لقوانينه: {لا مبدل لكلماته}. وإن عين الأشياء هي كلماته. إن ظواهر الأشياء في كلماته لذا قال: {سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (مريم 35)، {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس 82). وقال عن ظواهر الطبيعة إنها في كتاب مبين فلا يوجد شيء في الطبيعة صغيرا كان أم كبيرا إلا يعلمه الله ويسيطر عليه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير} (لقمان 16). لذا فإن معرفة الإنسان بكلمات الله هي مفتاح خلافته لله في الوجود وهي مفتاح رقيه.

فعلم الله بالطبيعة إما علم مبرمج سلفا في اللوح المحفوظ “القرآن المجيد” والذي يحوي قوانين جدل الطبيعة الأول والثاني والخلق والتطور والساعة والبعث واليوم الآخر والجنة والنار، أي قوانين الجدل المادي لهذا الكون والكون الذي يليه. وإما علم في كلية الاحتمالات لظواهر الطبيعة الجزئية القائمة على الأضداد واليت نفهمها من خلال الرياضيات والتي سماها “كتاب مبين”. وبما أن سلوك الإنسان سلوك احتمالي فقد سمى القصص أيضا الكتاب المبين لذا قال: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} (يس 12). أي أن الإمام المبين هو أرشيف الأحداث الجزئية الجارية للأشياء فيا لكون والإنسان لذا جاء القصص من الإمام المبين وهناك معلومات عند الله فقط، غير مؤرشفة وغير مبرمجة سلفا وهي التي قال عنها: {إن الله عنده علم الساعة} (لقمان 34).

أما بالنسبة لسلوك الإنساني الواعي، فحتى نفهم هذا السلوك الواعي يجب علينا أن لا ننسى أن الإنسان خليفة الله في الأرض وأنه يوجد في الإنسان وليس في الكائنات الحية الأخرى شيء من ذات الله وهو الروح وبها أصبح خليفة الله في الأرض واكتسب المعارف وأصبح قادرا على المعرفة والتشريع. هذه النقطة إذا نسيناها فإن السلوك الإنساني سيتحول إلى مجموعة من الصور المتحركة يديرها الذي صممها “أفلام كرتون”. ولكن إذ قلنا إن هناك أمرا مشتركا بين الله والإنسان وهو الروح، أي إذا قلنا إن الصور المتحركة فيها شيء من ذات المصمم لتغير الأمر.

فعلم الله في السلوك الإنساني الواعي يقسم إلى قسمين:

1 – علم الله الكامل بكلية الاحتمالات التي يمكن أن يسلكها الإنسان، فأمام كل إنسان على حدة، ملايين الاحتمالات كل يوم في موعد نومه وفي طعامه وفي لباسه وفي كلامه وفي علاقته مع الآخرين وفي صلاته وفي صومه وإيمانه وكذبه وفي أن يتعلم أو يبقى جاهلا وهكذا دواليك. فلا يمكن لأي إنسان أن يقوم بأي عمل علني أو يخفي أي أمر أو يتبنى أية فكرة سرا أو علنا إلاوتصرفه داخل في هذه الاحتمالات وبالتالي فهو داخل في علم الله الكلي، أي لا يمكن لأي إنسان مهما عمل أن يقوم بعمل ما سرا أو علنا ويفاجئ الله به ولا يدخل في كلية احتمالات علمه وهذه هي عين كمال المعرفة كسرعة الضوء فإنها تحوي كل احتمالات السرعات الممكنة للأشياء. فأبوبكر لم يفاجئ الله بإيمانه وأبو لهب لم يفاجئ الله بكفره، لأن الكفر والإيمان كليهما معا يدخل في علم الله. ألا ترى إلى قوله: {لمن شاء منكم أن يستقيم} (التكوير 28).

حيث ذكر الاستقامة في حيز التبعيض، فالذي لا يشاء الاستقامة ينحرف، فعلم الله ومشيئته أن يكون هناك استقامة وانحراف معا، لذا قال في مجال الكلية وليس في مجال التبعيض: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} (الإنسان 30). ففي علم الله ومشيئته الاستقامة والانحراف معا، وفي مشيئتنا نحن أن نستقيم أو ننحرف. بيد أن من يستقم فإنه لا يفاجئ الله باستقامته، ومن ينحرف لا يفاجئ الله بانحرافه. وفي هذا يصبح الخيار الإنساني الواعي خيارا حرا يستلزم الثواب والعقاب، وتصبح خيارات الإنسان غير مكتوبة عليه سلفا. وفي هذا قال: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف 29). وإذا قلنا الآن إن الله منذ الأزل علم أن أبا بكر سيؤمن وأن أبا جهل سيكفر فهذا عين نقصان المعرفة وليس كمالها. أي أن علم الله يحمل صفة الاحتمال الواحد. ولو كفر أبو بكر وآمن أبو جهل لكانت هذه مفاجأة كبيرة لله تعالى، علما بأن باب الكفر والإيمان كان مفتوحا أمام الاثنين على حد سواء.

2 – علم الله الكامل بأحداث مسبقة بكلياتها وجزئياتها أو بأحداث جارية بكلياتها وجزئياتها: وذلك أنه في لحظة أن نوى أبو بكر الإيمان قبل أن يفضي بهذه النية لأحد وهي مازالت سرا في نفسه علمها الله أولا وفي نفس اللحظة التي نوى فيها أبو بكر الإيمان. وثانيا هذه المعرفة داخلة في احتمالات علمه الكامل أي لم يفاجأ بها. وهنا تكمن الصفة “الصورة” المشتركة بين الله والناس. فقد خلقنا الله أحرارا في اختيارنا ونحن بالنسبة له لسنا لهوا يلهو بنا. والفرق هو أنه كامل المعرفة “عليم” ونحن ناقصي المعرفة “متعلمين” لذا فهو حر وله تمام الحرية ونحن متحررون. وقد جاءت صيغ الآيات السابقة في صيغة الماضي وفي صيغة المضارع “الحاضر” للدلالة على علمه بأحداث مسبقة بكلياتها وجزئياتها أو بأحداث جارية بكلياتها وجزئياتها.

ولكي يبين حرية الاختيار للإنسان “وأن الإنسان الفرد لحظة اختياره لأمر ما، ينتقل هذا الأمر من علم الله الكلي “كمال المعرفة” إلى علمه المصنف الذي سيسجله على الإنسان” لذا قال {يهدي من يشاء ويضل من يشاء}. وقال: {لا يهدي القوم الفاسقين}. فإذا اختار الإنسان الفسق بملء اختياره لم يهده الله. ومن هنا فقد وضع الله تعالى صيغا بالنسبة للاختيار الإنساني على الشكل التالي:

{ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين} (العنكبوت 3). وقوله: {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء} (آل عمران 140). وقوله: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} (آل عمران 142). وقوله: {يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم} (المائدة 94) وقوله: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} (التوبة 16). وقوله: {وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا عل الذين هدى الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرؤوف رحيم} (البقرة 143) وقوله تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين} (محمد 31). وقوله: {ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} (الكهف 12).

في هذه الآيات قد يظن البعض أنا لله ناقص المعرفة، علما بأن هذه الآيات ليس لها علاقة بكمال المعرفة حيث أن كمال المعرفة كلي. وهذه الآيات تدخل تحت باب المعرفة الجزئية والتي هي جزء من المعرفة الكلية أي لا تحتوي على عنصر المفاجأة ولكن تدخل تحت باب التصنيف الجزئي. فالإنسان مثلا يختار الجهاد والإيمان، فهذا الاختيار يصنف في كتاب هذا الإنسان حصرا أي ينتقل من باب المعرفة الجزئية والتي هي جزء من المعرفة الكلية أي لا تحتوي على عنصر المفاجأة ولكن تدخل تحت باب التصنيف الجزئي. فالإنسان مثلا يختار الجهاد والإيمان، فهذا الاختيار يصنف في كتاب هذا الإنسان حصرا أي ينتقل من باب المعرفة الكلية للاحتمالات جميعها، إلى باب التصنيف الشخصي لأعمال الإنسان التي يختارها أصلا من ضمن المعرفة الكلية لله.

وهكذا نفهم الآيات التالية: {إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} (يونس 21)، {كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا} (مريم 79). هنا نلاحظ من مفهوم الكتابة أنه تصنيف أعمال الإنسان وأفعاله عليه. وقوله تعالى: {ونكتب ما قدموا وآثارهم} (يس 12)، {والله يكتب ما يبيتون فأعرض عنهم} (النساء 81)، {بلى ورسلنا لديهم يكتبون} (الزخرف 80).

ويجب علينا هنا أن نشرح مفهوم الإكراه. فالإكراه هو انخفاض الاحتمالات الممكنة للخيار الإنساني إلى الاحتمال الواحد فقط، فإذا كان يوجد خمر وماء للشرب فأصبح هناك خيار للإنسان في الشراب. ولكن إذا كان لا يوجد إلا الخمر وشربه الإنسان فهنا يدخل مفهوم الإكراه حيث أنا لإكراه موضوعيا هو وجود احتمال واحد للاختيار بغض النظر أذكر الإكراه علنا أم لم يذكر. وعندما ينخفض عدد احتمالات الاختيار الإنساني للاحتمال الواحد فقط فالعقيدة لإسلامية تقول لا ثواب ولا عقاب فإذا وضعتم علم الله ضمن الاحتمال الواحد فهذا يعني الإكراه ظاهرا أم مبطنا ويعني نقصان المعرفة لإكمالها.

أما قوله: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم} (المزمل 20). فالطلب الذي طلبه الله من الرسول في قوله: {يا أيها المزمل * قم الليل إلا قليلا * نصفه أو انقص منه قليلا * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل 1-4). هو طلب لا يتعلق بالصلاة أو قيام الليل في العبادات وقد حاولا لنبي فعل ذلك ولكنه لم يستطع علما بأن هذه الآيات جاءت في أوائل التنزيل حيث لا صلاة ولا صوم ولو أخذنا الآية /20/ من سورة المزمل وهي آية مدنية أي نزلت بعد نزول أوائل السورة بأكثر من عشر سنوات وهي: {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار}.

لتبين أن الطلب الذي طلبه غير قابل لأن يعقل ضمن المستوى المعرفي لعصر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لذا قال: {علم أن لن تحصوه فتاب عليكم}. وهنا الهاء في قوله “تحصوه”. تعود على “الليل”. وطلب عوضا عن ذلك فهم ما تيسر من آيات القرآن وليس كل القرآن. هنا القراءة لا تعني التلاوة. وإن إحصاء الليل وتفهمه ودراسته تحتاج إلى تفرغ وإن كثيرا من الناس منهما لمريض، وآخرون يزاولون مهنهم للعيش “العمال”، وآخرون مجندون للقتال “الجند” فاستعاض عن ذلك بفهم شيء من القرآن وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وفعل الخير حيث قال: {علم أن سيكون منكم مرضى…الآية} (المزمل 20).

أما قوله: {علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلا أن تقولوا قولا معروفا} (البقرة 235) فقد وضع صيغة “ستذكرونهن”. بصيغة المستقبل للجمع حيث أن هذه الآية وردت للنساء الأرامل وهن أثناء العدة، وذكرهن أثناء فترة العدة هو أحد الاحتمالات الواردة والمعروفة سلفا.

أما قوله: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} (الأنفال 22)، {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} (الأنفال 23). هنا وصف الله الذي لا يعقل بأنه دابة، بل من شر الدواب وقد ربط العقل بحاسة أساسية من الحواس وهي السمع. وهنا استعمل شر الدواب استعمالا مجازيا، علما بأنه يتكلم عن بعض الناس وقد استعمل السمع استعمالا مجازيا بمعنى الفهم كقوله: {سمعنا وأطعنا}. لذا قال: {ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم}، أي في علم الله المسبق إذا اختار الإنسان الكفر وصم أذنيه عن غير ذلك فلا فائدة من إفهامه لذا أتبعها بقوله: {ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}. وهذه الآية هي علم مسبق على وجه العموم “كمال المعرفة في كلية الاحتمالات” ولا تعني أن أبا جهل منذ الأزل سيكون كافراً. ولكن عندما اتخذ أبو جهل هذا الموقف تم تصنيفه ضمن هذه الزمرة “أي تمت كتابة الكفر عليه”.

وكذلك نفهم قوله تعالى: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا} (الأنفال 66). فقد جاء الآن بصيغة الحاضر و”علم” بصيغة الماضي. أي أن الضعف والقوة هي الاحتمالات الداخلة سلفا في علم الله، فانطبق أحد هذه الاحتمالات على المؤمنين فقال: {وعلم أن فيكم ضعفا}. ووضعها في صيغة الجمع {فيكم ضعفا} إذ لا يمكن أن نفهم أن الله خفف الآن بعد أن علم، وكان قبل ذلك لا يعلم. كما وضع في صيغة الجمع {ستذكرونهن}.

ثالثاً – قضاء الله:

لقد جاء فعل “قضى” في الكتاب في المعاني التالية:

1 – قضى بمعنى “أخبر” كقوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا} (الإسراء 4) وقوله تعالى: {وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين} (الحجر 66). وقوله: {وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر} (القصص 44).

2 – قضى بمعنى “أمر” أي الأمر ضد النهي كقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} (الإسراء 23).

3 – القضاء بمعنى إنهاء الشيء كقوله تعالى: {فوكزه موسى فقضى عليه} (القصص 15). وقوله: {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر} (الأحزاب 23). وقوله: {أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي} (القصص 28).

4 – قضى بمعنى الإرادة الإلهية النافذة وقد جاءت في قوله تعالى:

أ‌ – {سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (مريم 35).

ب‌ – {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} (النحل 40).

ت‌ – {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} (يس 82).

ث‌ – {فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون} (غافر 68).

إن بحثنا هو الحالة الرابعة التي هي قضاء الله حيث صاغه الله بصيغة ثابتة صارمة “يقول: نقول: كن فيكون”. أي أن قضاء الله النافذ لا يأتي إلا من خلال كلماته: {قوله الحق} {يحق الله الحق بكلماته}. وكلماته هي الوجود وقوانينه الموضوعية، {وكل شيء أحصيناه كتابا} (النبأ 29). أي أن قضاءه المبرم لا ينفذ إلا من خلال المقدرات: {وكان أمر الله قدرا مقدورا} (الأحزاب 38).

وعندما أراد الله إهلاك عاد وثمود ومدين أهلكهم بقضائه، ولكن كان إهلاكه لهم عن طريق القوانين الموضوعية “كلماته” لذا قال عن هؤلاء الأقوام: {ولما جاء امرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ} (هود 58). وقوله تعالى: {فلما جاء أمرنا نجينا صالحا والذين آمنوا معه برحمة منا ومن خزي يومئذ إن ربك هو القوي العزيز} (هود 66). وقوله: {قالوا أتعجبين من أمر الله} (هود 73) وقوله: {يا إبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك} (هود 76) وقوله: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود} (هود 82) وقوله: {ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه} (هود 94). وقوله: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} (هود 101).

هنا نلاحظ كيف ارتبط {لما جاء أمرنا}. بظاهرة من ظواهر القانون الموضوعي وهي الريح، الصيحة، الرجفة، الأحجار. أي أن هذا الأمر تم من خلال كلمات الله وهي من قوانين الربوبية بقوله عندما علق على كل القصص: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك} (هود 101).

لنلخص الآن آيات القضاء المبرم الذي هو أمر الله والذي هو كلمات:

“قضى أمرا + قولنا لشيء + إنما أمره + فإذا قضى أمرا” “يقول، نقول له كن فيكون”. لاحظ القاسم المشترك بين هذه الآيات وهو فعل “يقول” وقوله الحق. هنا يجب أن نميز قضاء الله وأمره بإرادة مبرمة أي “قول” وبين أوامر الله والتي هي ضد النواهي والتي تعتبر موعظة ووصية وليست قولا.

فإرادة الله التي هي موعظة وأمر ضد النهي والتي هي علاقات روحية لا مادية أي علاقة تقوى جاءت في قوله تعالى: {أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون} (النحل 1)، {ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده} (النحل 2) فأتبعها بقوله: {أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون} (النحل 2).

هنا نلاحظ كيف دمج أوامر الله التي هي ضد النواهي والتي لا يوجد فيها آية “كن فيكون” كيف دمجها مع الروح ووضع فيها التقوى. فالصلاة أمر ضد النهي لا قول وهي من التقوى لأنها ليست كلمة وكذلك بر الوالدين وبقية التعاليم يحق لا نجد في التعاليم كلمة “قال الله” أو “كن فيكون” لذا ميز الأوامر التي هي ضد النواهي بقوله “يعظكم، يأمركم، يوصيكم، والإرادة النافذة بقوله “قول، يقول، حقت كلمة ربك، فحق عليها القول” فمثال الأوامر ضد النواهي وليست قضاء مبرما “قولاً” أي ليست قانونا موضوعيا يعمل خارج الوعي وليست كلمات الله:

1 – {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون} (النحل 90). لذا جاءت صيغة {يعظكم لعلك تذكرون}.

2 – {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء 16) لاحظ هنا الربط بين {أردنا} وبين {فحق عليها القول}. وقوله: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها} (هود 82). وبدون هذا التمييز بين أمر الله الذي هو ضد النهي “الروح” وبين أمر الله الذي هو قضاء مبرم والذي هو “القول” “الكلمات” “الحق” لا يمكن فهم أساس الأسس في العقيدة الإسلامية. فإذا حكم الناس إنسان ظالم لا نقول هذه إرادة الله وهذا قدر الله، والله قضى علينا بكذا وكذا. إن هذا الكلام مناف لأساس الأسس في العقيدة الإسلامية لأن هذا الأساس يقضي بأن المجتمعات الإنسانية تقوم على قوانين موضوعية هي كلمات الله. وعلى قوانين ذاتية تعتبر مواعظ الله ووصاياه جزءا منها.

فوعي هذه القوانين الموضعية هو الذي يعطينا حرية الحركة والتصرف ويزيل عنا مفهوما لجبرية من خلال فهم العلاقة الموضوعية إذ إن الله عندما أراد أن يهلك قوما أهلكهم من خلال تصرفه بهذه القوانين الموضوعية. والآن عندما تريد دولة أن تهلك دولة أخرى فإنها تفعل ذلك من خلال التصرف بهذه القوانين “الذرة –الصواريخ-الأزمات الاقتصادية”، والتزامنا الواعي بالوصايا والمواعظ هو الذي يحدد العلاقة الاجتماعية من خلال القانون الأخلاقي.

وعلينا أن نعرف أنه إذا تزوج زيد بزينب فهذا يعني أن الله لم يكتب منذ الأزل هذه الزيجة ولو كان الأمر كذلك لما جاء قوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا} (الأحزاب 36).

لو كان الأمر مكتوبا منذ الأزل لما قال: {الخيرة من أمرهم}. ولما قال: {ومن يعص الله ورسوله}. لأن هذا أمر ضد النهي لا أمر على أنه كلمة. وكذلك إذا ضرب زيد عمرا فلا نقول إنه مكتوب عليه لأن الله قدر الضرب على زيد وعمرو معا في وجود اليدين وإمكانية الضرب. فإذا اختار زيد الضرب فما على عمرو إلا أن يرد عليه أو يسامحه.

هكذا يجب أن نفهم معنى كيفية قضاء الله في أعمال الناس وأرزاقهم وأعمارهم وزيجاتهم.

الإذن والمشيئة:

قلنا إن قضاء الله نوعان: أمر ضد نهي جاء في أم الكتاب. وأمر شرطي نافذ جاء في القرآن والذي علق بقوله: {يقول له كن فيكون}. أو {نقول له كن فيكون}. أو {فحق عليها القول}، أو {تمت كلمة ربك}. فقضاء الله النافذ قضاء غير أزلي، أي أن الله لم يقض منذ الأزل بهلاك قوم هود أو قوم صالح أو قوم نوح أو قوم شعيب لذا قال: {من قبل أن يأتيهم عذاب أليم} (نوح 1). أو {عذاب يوم محيط} (هود 84)، وأن الله لم يقض منا لأزل بزواج زينب من زيد لأنها تمنعت علما أن الرسول أخبرها بذلك لذا قال لها: {إذا قضى الله ورسوله أمرا} (الأحزاب 36)، و”إذا” هنا شرطية ولما يستقبل من الزمن لأنه كان لها الخيار ولو كان قضاء أزليا لما سئلت ولما أخبرت، وعندما يقضي الله قضاء نافذا فإن قضاءه ينفذ من خلال كلماته لذا وضع صيغة “القول” دائما، ففي هذا القول جانبان:

الجانب الأول: إطلاق الإرادة بقوله “كن” والثاني إطلاق القدرة بقوله “يكون” ولاحظ الفرق بين “كن” الآنية و”يكون”الزمنية ولوكان قضاء الله مبرما منذ الأزل لقال “فإنما يقول له كن فكان” وإنما جاءت “فيكون”.

وهذا الإطلاق قابل للتغيير والتبديل بالدعاء لأنه ليس أزليا لذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه إن صح “ردوا القضاء بالدعاء” وأما “اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه” فهي صيغة مشكوك فيها لأنها تناقض الصيغة الأولى والأصح أن نقول اللهم إنا لا نسألك رد القدر وإنما نسألك اللطف بنا، ومن هنا نفهم قوله تعالى في قوم يونس لما آمنوا بقوله: {فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين}.

(يونس 98) هنا نلاحظ بشكل قطعي أن قضاء الله غير أزلي ويمكن أن يتغير بتغير أحوال الناس، لذا جاء الأنبياء والمرسلون منذرين للناس، ولو كان قضاء أزليا مبرما لأصبحت الرسالات والنبوات والدعاء ضربا من ضروب العبث حيث أن القضاء الأزلي هو في قوانين اللوح المحفوظ وليس الإمام المبين، وكذلك الآية: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض} (الأعراف 96). وكذلك قوم يونس كفروا فأنذرهم الله بالعذاب ثم آمنوا فرفع عنهم العذاب.

لذا فإن المقولة التي تقول إن قضاء الله النافذ بالنسبة للإنسان هو قضاء أزلي غير صحيحة فقضاء الله النافذ في الإنسان قضاء مشروط بموقف الإنسان ما عدا قوانين اللوح المحفوظ الأزلي وهي قوانين الوجود والتطور، ولكن عندما ينفذ قضاء الله فلا ينفذ إلا من خلال كلماته. أما قضاء الله الذي هو أمر ضد النهي فهو لا يحمل أي صفة من صفات الأزلية ولا يأي صفة من صفات المادية حيث أنه ليس بكلمات الله وإنما هو من الروح حيث جاء من العرش وليس من اللوح المحفوظ أو الإمام المبين.

والآن لنبحث في الإذن والمشيئة حيث جاءت هاتان الصيغتان في الكتاب “شاء الله، أذن الله”:

الإذن:

جاء الإذن من “إذن” وهذا الفعل يعني في اللسان العربي إعلان الشيء وتأكيد الحصول والنفاذ. فعندما يخبرنا الله عن قانون موضوعي يعمل خارج الوعي يستعمل فعل “أذن” كقوله: {وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن اله كتابا مؤجلا} (آل عمران 145) أي أن إذن الله حاصل ونافذ لا محالة وهنا هو الموت. ولكن الإذن يتم موضعيا من خلال “كتاب” وهو كتاب الموت أي مجموعة الشروط الموضوعية التي إذا حصلت واجتمعت بعضها مع بعض حصل الموت لا محالة وهذه الشروط مؤجلة غير موقوتة ومن هنا جاء شرط طول العمر وقصره. أي أن الله أذن إذا بلغت جرارة جسم الإنسان /44/ درجة مئوية فما فوق ن يحصل الموت، وأذن إذا شنق الإنسان أن يحصل الموت، وأذن إذا قطع رأس الإنسان أن يحصل الموت… وهكذا دواليك.

لنأخذ الآن الآيات التالية التي فيها فعل “أذن” على أنه شيء لا محالة حاصل وأنه يجري من خلال قانون موضوعي مادي:

1- {وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله} (غافر 78).

هنا يبين بأن الآيات البينات التي يأتي بها الرسل تنفذ من خلال قوانين مادية لا محالة حاصلة، وأنه لا خرق لأي قانون من قوانين الطبيعة وأن الخرق هو فيا لمعرفة النسبية لدى الناس.

2- {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} (آل عمران 166).

  • {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} (المجادلة 10).
  • {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه} (التغابن 11). هنا يبين كيف أن الضرر والنفع والمصائب والنصر والهزائم لا تحصل إلا من خلال القوانين المادية الموضوعية لذا قال: {بإذن الله}.

3- {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر} (القدر 4).

  • {قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} (البقرة 97).

قال “بإذن ربهم” لأن الملائكة حقيقة موضوعية مادية موجودة خارج الوعي وتنزل من خلال قوانين موضوعية ثم عطف جبريل عليها.

4- {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} (البقرة 255).

  • {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} (يونس 3).
  • {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} (هود 105).
  • {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن} (طه 109).
  • {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} (سبأ 23).
  • {لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} (النبأ 38).

هذه الآيات عن الشفاعة وعن الكلام في غاية الأ÷مية لأنها جاءت مع فعل “أذن” أي أنه إذا أذن الرحمن لأحد بالكلام أو الشفاعة يوم القيامة فهذا يعني أنه يستطيع الكلام والشفاعة فيزيائيا، وإذا لم يأذن فهذا يعني أنه لا يستطيع الكلام فيزيائيا كأن يصبح أبكم أي بمجرد لفظه الكلام فهذا يعني أن الرحمن أذن له وإذا استطاع الكلام بالشفاعة فيزيائيا فهذا يعني أن الرحمن أذن له، لذا قال في سورة (المرسلات 36)، {ولا يؤذن لهم فيعتذرون}. أي انهم موضوعيا لا يستطيعون أصلا الكلام ليعتذروا.

5 – {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} (البقرة 102).

  • {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} (البقرة 249).
  • {فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت} (البقرة 251).
  • {فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله} (آل عمران 49).
  • {وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله} (آل عمران 49).
  • {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه} (الأعراف 58).
  • {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله} (إبراهيم 11).
  • {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها} (إبراهيم 25).
  • {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} (سبأ 12).
  • {ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله} (فاطر 32).

هذه الآيات تبين أن النفع والضرر والنصر والهزيمة للجن والإنس ومعجزات الأنبياء لا تحصل إلا من خلال القوانين الموضوعية المادية كنبات الشجر.

وعندما أراد الله أن يعاقب بني إسرائيل من خلال القوانين التاريخية الموضوعية النافذة قال: {وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم} (الأعراف 167).

وعندما أراد الله أن يبين أن الربا حرام قال في حقه {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله} (البقرة 279). والحرب جاءت من فعل “حرب” وهي تعني السلب والنهب في الأموال والممتلكات أي أن سلب ونهب المال لا محالة حاصل من قبل الله في حال الربا وذلك من خلال قوانين الوجود الموضوعي.

أما المعنى الثاني لفعل “أذن” هو الإعلان والموافقة، فقد جاء في الآيات التالية:

  1. {وأذن في الناس بالحج} (الحج 27).
  2. {وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم} (التوبة 90).
  3. {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} (النور 28).
  4. {فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله} (النور 62).
  5. {فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا} (التوبة 83).
  6. {إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون} (النور 62).
  7. {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر} (التوبة 3).
  8. {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} (النور 58).

هنا نلاحظ كيف ن الإذن بمعنى الموافقة والإعلان جاءت في آيات أما لكتاب وكيف أن الإذن بمعنى القانون الموضوعي النافذ جاءت في القرآن وتفصيل الكتاب.

– المشيئة: “شاء الله”:

إن إذن الله لا محالة حاصل من خلال قانون موضوعي نافذ كالموت والنصر والهزيمة…الخ لذا فهو لا يحتمل إلا وجها واحدا من النفاذ في حال وجوه. أما المشيئة فتحتمل الوجهين الإيجابي والسلبي كقوله:

  • {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} (آل عمران 26).
  • {وترزق من تشاء بغير حساب} (آل عمران 27).
  • {وتهدي من تشاء} (الأعراف 155).
  • {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء} (الأعراف 155).
  • {نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم} (الأنعام 83).
  • {قل إن الفصل بيد الله يؤتيه من يشاء} (آل عمران 73).

هنا نلاحظ الإذن والمشيئة في آية واحدة، فالوحي يحدث من خلال قوانين نافذة أما ما يوحى به لأحد من الناس فشرطي يحتمل عدة أوجه، لذا قال {ما يشاءْ.

  • {ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده} (الأنعام 88).

فعندما قال: {يهدي به من يشاء}. فهذا يحتمل الوجهين: الإيجاب أو النفي لذا وضعها مفتوحة وذلك لأنه جعلها مشروطة بأعمال الإنسان كقوله: {والله لا يهدي القوم الظالمين} (البقرة 258).

لذا قال: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (الرعد 39). فأحكام أم الكتاب حصل فيها تطور بين نفي وإثبات حسب التطور التاريخي لذا قال: {ما يشاء}. فعندما تستعمل كلمة “شاء” يجب أن تفهم أنها تحتمل الوجهين أي أنا لمشيئة ظرفية مرتبطة بموقف الإنسان أو الموقف التاريخي لذا قال:

  • {لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون} (الواقعة 65).
  • {قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} (الأنعام 149). ولكنه لم يشأ ولم يهد الناس أجمعين.
  • {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة} (النحل 93). ولكنه لم يشأ وليس الناس أمة واحدة.
  • {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة} (هود 118).

ولكن لم يشأ ولم يجعل الناس أمة واحدة. لذا فعندما نقول إن زيدا سيذهب غدا إلى الطبيب فإن ذهابه سيحتمل الوجهين: الذهاب أو عدم الذهاب فيقول: إني ذاهب غدا إلى الطبيب إن شاء الله. ولكن إذا أخذ زيد حبة من الإسبرين من أجل الصداع فيقول: فيها الشفاء بإذن الله لأنها تحتمل الوجه الواحد وهوا لتفاعل وتسكين آلام الرأس.

وكذلك قوله: {وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} (الكهف 29). هنا وضع الكفر والإيمان في المشيئة “مشيئة الإنسان” ولم يضعهما في الإذن لأن عقيدة الإنسان تحتمل الوجهين الإيمان والكفر وله الخيار فيهما.

وننتقل الآن إلى:

تأويل قوله تعالى:

{إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} (لقمان 34).

إن تأويل هذه الآية يؤكد بشكل قطعي وجازم أن الأعمال والأرزاق والأعمار غير محددة سلفا وذلك حسب التأويل التالي:

قلنا إن القرآن المجيد في اللوح المحفوظ وهو مجموعة قوانين الطبيعة العامة الصارمة الجازمة ومنها قوانين الجدل المادي “التطور وتغير الصيرورة” وقوانين جدل الإنسان، وإن أي حدث بعد حصوله يتم تسجيله في الإمام المبين، لذا جعل “الكتاب المبين وكتاب مبين” جزءا من القرآن العظيم، ولا يوجد أي استثناءات منها لأحد، ومطلوب منا وعيها ومعرفتها.

ومن خلال وعينا لهذه القوانين تزداد حرية التصرف هذه. ويجدر بنا هنا أن نقارن بين هذين المفهومين: المفهوم الأول: الوجود المادي الموضوعي الصارم. والثاني: حرية التصرف من قبل العاقل بهذه القوانين ومن أجل هذا نضرب المثال التالي:

يوجد في كل من الدولتين العظميين في العالم مجموعة من الأسلحة المدمرة والصواريخ مختلفة الحجوم والمدى. هذه الصواريخ موجودة وكل شيء فيها مبرمج سلفا: الاتجاه، القوة التدميرية، آلية الانطلاق، مكان الوصول. ولكن هناك شيئا واحدا فقط غير مبرمج سلفا هو موعد إطلاق هذه الصواريخ غذ أن هذا الموعد مرتبط بأعلى قيادة سياسية في الدولتين، مثلا الرئيس الأمريكي والأمين العام للحزب الشيوعي السوفييتي. والقيادة السياسية في كلتا الدولتين تتصرف وفق أحد الاحتمالين التاليين:

أ‌ – إما أن تتصرف حسب الأحوال السياسية الدولية وحسب تصرف الدولة الأخرى وتقرر أن تطلق أو لا تطلق.

ب‌ – أن تضع توقيت إطلاق الصواريخ عندها حصرا، ولا تظهر هذا التوقيت إلا بغتة وبشكل مفاجئ.

لقد وضع الله عنده هذين الاحتمالين معا بعد أن خزن قوانين الكون العامة سلفا في اللوح المحفوظ وأبقى لنفسه حرية التصرف في هذه القوانين. هذه الحرية تحتوي على الاحتمالية، إما حرية ظرفية، أي الاحتمال الأول، وإما حرية التصرف مع التوقيت، أي إظهار الحدث بشكل مفاجئ. فعلى هذا الأساس لنحلل هذه الآية بندا بندا:

1 – {إن الله عنده علم الساعة}: لقد برمج الله أحداث الساعة سلفا في اللوح المحفوظ، وقد وصف لنا ما هي أحداث الساعة وماذا سيحصل في هذا الكون لامادي حين تقوم الساعة ولكن لم يضع توقيت قيامها في اللوح المحفوظ، واحتفظ به لنفسه لذا قال: {عنده علم الساعة}. لنقارن هذه الآية مع قوله تعالى: {وعنده أم الكتاب} (الرعد 39). أي أن أم الكتاب هي أمر ظرفي قابل للتبديل وغير محددة سلفا “الاحتمال الأول”. أما الساعة فتخضع للاحتمال الثاني لذا قال: {لا يجليها لوقتها إلا هو} (الأعراف 187). وقال أيضاً: {لا تأتيكم إلا بغتة} (الأعراف 187).

حيث أن توقيتها عنده فقط كأم الكتاب، وقد قلنا إن أم الكتاب هي كتاب الله لذا قال: {ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون} (الروم 55)، {وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوما لبعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون} (الروم 56). هنا نلاحظ الناحية المهمة جدا كيف قال: {لقد لبثتم في كتاب الله}. ولم يقل في القرآن وفي اللوح المحفوظ أو في الكتاب.

هنا يجب علينا أن نفهم تماما ما يلي: يقول علماء الفلك والكوسمولوجيا حسب الدراسات العلمية إن الشمس ظهرت منذ كذا مليار سنة وإنها ستخبو وتنطفئ بعد كذا من الوقتـ، فظن البعض أن انطفاء الشمس وزوالها هو الساعة، وأخذ البعض نظرية الكون النابض بأن هذا الكون آخذ في الاتساع فإنه سيأتي زمن يبدأ فيه بالانقباض ليرجع إلى نقطة الصفر، وظن البعض أن هذه هي الساعة. وهذا كله غير صحيح مع أننا لا نشكك مطلقا بالدراسات الفلكية والكوسمولوجية، ولكننا نشك بربط هذه الأحداث بالساعة، حيث أن الساعة هي حدث كوني مفاجئ تماما “تسارع في تغير الصيرورة”. {نفخ في الصور}. وغير متوقع {لا تأتيكم إلا بغتة}.

ولا يمكن التنبؤ بزمن حدوثه أبدا {لا يجليها لوقتها إلا هو}. وقد أعطى الله سبحانه وتعالى أشراط الساعة في عدة أماكن لذا قال: {إن الساعة آتية أكاد أخفيها} (طه 15). هنا {أكاد أخفيها}. بمعنى “أكاد أظهرها” أي لم يظهرها ولكنه اقترب من إظهارها بقوله: {فقد جاء اشراطها} (محمد 18). ولو أن توقيت الساعة مخزن في اللوح المحفوظ أو إمام مبين “القرآن” لأمكن للعلماء في المستقبل تحديد توقيتها بكل دقة، حتى دقة الثانية، ولكنها ليست كذلك.

2 – {وينزل الغيث}: لقد حدد الله سلفا، القوانين الموضوعية مثل قوانين تشكل البخار وتشكل الغيوم المشكلة للمطر، ولكنه لم يحدد سلفا كمية المياه التي ستنزل على كل كيلومتر مربع من سطحا لأرض، ولو حدده سلفا لأمكن للعلماء في المستقبل تحديد كمية الأمطار التي ستهطل في مساحة ما على سطح الأرض ولو بعد ألف سنة لذا فإن الإنسان يستطيع أن يقلد تشكيل الغيوم من خلال قانون التبخر ويستطيع أن يسوق هذه الغيوم في المستقبل ولو جزئيا لتنزيل المطر في منطقة ما لأنها غير محددة سلفا في اللوح المحفوظ. ومن هنا نعرف معنى صلاة الاستسقاء والدعاء لله سبحانه وتعالى بإرسال الغيث لأنه لو كانت كميات الأمطار التي ستهطل في كل منطقة إلى أن تقوم الساعة محددة سلفا ومبرمجة مسبقا لأصبح الدعاء لله بتنزيل الغيث ضربا من ضروب العبث.

3 – {ويعلم ما في الأرحام}: لقد برمج الله سبحانه وتعالى سلفا في اللوح المحفوظ قانون الزوجية واللقاح وأنه عندما يلقح أي حيوان منوي أية بويضة فسيحصل الحمل ويتشكل الجنين. كل هذا ضمن قوانين صارمة هي قوانين الجينات والوراثة ولكنه لم يبرمج في اللوح المحفوظ سلفا من سيتزوج من. أي أننا نحن البشر غير مبرمجين سلفا في اللوح المحفوظ ولكن المبرمج هو قوانين الحياة والموت والوراثة والجنين البشري أما تحويل البشر إلى إنسان فقد جاء من الله مباشرة، لذا فلا نقول إن فلانة من نصيب فلان منذ الأزل. لذا قال سبحانه وتعالى: {لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور} (الشورى 49)، {أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} (الشورى 50). لاحظ هنا قوله “يشاء”. ولم يقل “يأذن”، لنعلم بشكل جلي أن عدد الذكور والإناث لكل إنسان غير مبرمج سلفا وكذلك الزيجات لذا فالدعاء له معنى كقوله: {الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق} (إبراهيم 39). من هنا نستنتج ما يلي: بما أن نوع الجنين غير محدد سلفا في اللوح المحفوظ أذكر هو أو أنثى، وبالتالي فإن استطاعة الطب تحديد وتوجيه نوع الجنين سلفا أذكر هو أو أنثى ومعرفة نوع الجنين وهو في رحم الأم. ولكن ليس باستطاعة الطب خلق جنين بدون لقاح حيوان منوي مع بويضة.

ولو كان كل شيء مبرمجا سلفا في اللوح المحفوظ لأمكن معرفة من سيتزوج فاطمة لحظة ولادتها وعدد الأولاد الذين ستنجبهم، ولكن هذا مستحيل لأنه غير مبرمج وإنما يحدد من خلال الشروط الظرفية “المشيئة”.

4 – {وما تدري نفس ماذا تكسب غدا}: هنا يؤكد بشكل قاطع أن اختيار الإنسان لأعماله غير محدد سلفا في اللوح المحفوظ، وإلا فإن العلم سيعلم في المستقبل ماذا سيفعل كل إنسان غدا. هذا العمل مفتوح تماما للإنسان، ويمكن لكل إنسان أن يختار أعماله بنفسه لأنها غير محددة له سلفا، والأرزاق غير محددة سلفا لكل إنسان والله يتدخل فيها تدخلا شرطيا غير مسبق “المشيئة”.

5 – {وما تدري نفس بأي أرض تموت}: هذا مجمل للآيات التي تقول إن أعمار البشر غير محددة سلفا في اللوح المحفوظ، ولو كانت أعمارهم محددة سلفا منذ بداية الخلق لأمكن في المستقبل معرفة عمر كل إنسان من لحظة ولادته، وهذا مستحيل لأنه غير مبرمج سلفا، وفي هذا قال الله سبحانه وتعالى عن معركة بدر {فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم} (الأنفال 17) فلو كانت أعمارهم مبرمجة ومحددة سلفا لأصبح قوله “ولكن الله قتلهم” غير ذي معنى. ولكن الله حدد سلفا القوانين الموضوعية التي تحدد الحياة والموت وتحدد قصر العمر وطوله ولنا نحن البشر التصرف بها حسب معرفتنا النسبية لها، والله يتدخل فيها تخلا شرطيا “المشيئة”.

لذا فإني أقول وأدعو لنفسي وللقارئ بأن يطيل الله أعمارنا ويحسن أعمالنا، وأن يتدخل تدخلا شرطيا فيستجيب.

القضاء والقدر والحرية:

قلنا إن قانون الزوجية بين الأشياء وصراع المتناقضات في الشيء الواحد هما القانونان الأساسيان لجدل الأشياء، وغن ظواهر الطبيعة تقوم على الأضداد. إن الفكر الإنساني يقوم على صراع نقيضين هما الرحمن والشيطان “الحق والباطل” والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية هي من الظواهر، فتقوم على الأضداد في مظهرها وعلى التناقضات في محتواها.

وبما أنا لفكر الإنساني عبارة عن ظاهرة تقوم على الأضداد في مظهرها وبالتالي فالحرية الإنسانية ظاهرة تقوم على الأضداد وجدلها والحركة الواعية بين النفي والإثبات بين ضدين، وهذان الضدان متكافئان بين النفي والإثبات كالشهيق والزفير والليل والنهار في ظواهر الطبيعة، ونعم ولا في السلوك الإنساني، والكفر والإيمان في العقيدة، فلا أحد منهما يغلب الآخر وينفيه بشكل مستمر، وفي هذا التكافؤ يكمن سر الحرية الإنسانية، إذ أن الظواهر الموضوعية للطبيعة فيها النفي والإثبات. وظواهر الحرية الإنسانية فيها النفي والإثبات “نعم، لا” بشكل متكافئ، فلا الكفر يغلب الإيمان بشكل مستمر ويسيطر على كل أهل الأرض، ولا الإيمان يغلب الكفر بشكل مستمر ويسيطر على أهل الأرض، وهذه الظاهرة في جدل الإنسان نعمل بها نحن المسلمين على أنها من سنن الله في خلقه في قوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} (يونس 99). ولكي يبين التكافؤ بين النفي والإثبات في جدل الإرادة الإنسانية أورد الكتاب هذا الجدل في الإرادة الإلهية حيث وضعه بشكل متكافئ وذلك في قوله: {ولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب} (آل عمران 27). هنا نلاحظ كيف وضع النفي والإثبات بشكل متكافئ وذكر قبله ظاهرة من ظواهر الطبيعة وهي الليل والنهار حيث استعمل فعل {تخرج} لحالة النفي والإثبات معا أما في جدل الأشياء فقال {إن الله فالق الحب والنوى} (الأنعام 95). فاستعمل صيغتين “يخرج، ومخرج” وذلك لاستبعاد قضاء الإنسان.

حيث أن الموت في جدل الأشياء هو دائما المنتصر النهائي. وكذلك وضع الصيغة المتكافئة للنفي والإثبات في القضاء الإلهي في الظواهر في قوله: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} (يونس 31). هنا نلاحظ كيف أنهى الآية بقوله: {ومن يدبر الأمر}. وذكر فيها عملية الرزق، لا الرزق نفسه، وذكر ظاهرة السمع والبصر وليس الأذن والعين.

وقبل أن ندخل في تعريف الحرية علينا أن نحدد بعض الظواهر التي تدخل في مركبات الحرية الإنسانية بشكل مباشر والتي حصل فيها التباس كبير وهي عمر الإنسان ورزقه وعمله لأن هذه العناصر الثلاثة لها علاقة مباشرة بالحرية الإنسانية، هل هي مكتوبة عليه سلفا “محددة”؟ أي هل مقدر على زيد منذ أن يولد أو منذ الأزل عمره ورزقه وعمله؟ أم أن الأعمار والأرزاق والأعمال مقدرات احتمالية، وبالتالي فالأعمار والأرزاق والأعمال تصبح غير ثابتة ولكنها مقدرة على وجه العموم. كيف تطول الأعمار وتقصر وكيف تتسع الأرزاق وتضيق، وما هي الأعمال التي يمكن أن يقوم بها الإنسان موضوعيا، والإنسان يختار منها حسب معارفه واجتهاداته.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .