الفرع الثاني: نشأة الإنسان واللغة

تمهيد:

عندما بلغ البشر مرحلة متقدمة من التطور العضوي والنضج، أصبح مؤهلاً لنفخة الروح وهذا التأهيل كان في ظاهرتين رئيسيتين هما:

1 – انتصاب الإنسان على قدميه وتحرير اليدين وذلك في قوله تعالى: {يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسويك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك} (الانفطار 6، 7، 8). فهنا نرى لفظة عدلك جاءت بعد التسوية، وعدل في اللسان العربي لها أصلان صحيحان لكنهما متقابلان كالمتضادين أحدهما يدل على الاستواء والآخر على الاعوجاج. ونرى هنا معنى عدلك هو معنى فيزيائي وليس اجتماعياً لأنه جاء في آية واحدة مع الخلق والتسوية، والخلق والتسوية هنا لهما معان مادية وليست اجتماعية بمعنى العدل ضد الظلم.

ونرى هنا أن المعنى الأول هو الصحيح وهو الاستواء على قدمين، لأن الإنسان الآن مستو على قدميه ومتحرر اليدين. هذه الظاهرة في الاستواء على القدمين أعطت للإنسان بعداً إضافياً وهو تحرير اليدين من أجل ظاهرة العمل الواعي، فإذا نظرنا إلى اليدين في الإنسان رأيناهما من أروع آلات العمل، تمتلكان قدرة هائلة على المناورة في الحركات.

2 – نضوج جهاز صوتي خاص به، وهذا الجهاز قادر على إصدار نغمات مختلفة بعكس بقية المخلوقات التي تصدر نغمة صوتية واحدة. هذا الجهاز الصوتي عبر عنه في سورة الرحمن: {الرحمن * علم القرآن * خلق الإنسان * علمه البيان}، فقوله: {علمه البيان} عن الرحمن فهذا يعني أنه تعلم اللغة بواسطة قوانين مادية موضوعية وليس وحياً أو إلهاماً. وأول هذه القوانين هو وجود الجهاز الصوتي، لاحظ أنه قال “الرحمن” ولم يقل “الله”.

أولاً: آدم وبداية نشأة الكلام الإنساني:

لا يمكن للكلام أن يسمى كلاماً إنسانياً إلا إذا كان مقطعاً إلى مقاطع صوتية متميزة بعضها عن بعض يصدرها الإنسان بشكل واعٍ.

عندما أصبح البشر جاهزاً من الناحية الفيزيولوجية لعملية نفخة الروح “الأنسنة”، وذلك بانتصابه على قدميه وتحرير اليدين وبوجود جهاز صوتي قادر على إصدار النغمات المختلفة. وللدلالة على أنه أصبح جاهزاً قال: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةً قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون} (البقرة 30).

نلاحظ في هذه الآية قوله: {إني جاعل}. والجعل هو عملية التغير في الصيرورة كقوله لإبراهيم {إني جاعلك للناس إماماً}. إذ لم يكن إبراهيم إماماً للناس فأصبح إماماً. واستعمال اسم الفاعل في قوله: {إني جاعل} فيه دلالة على استمرار العملية كقوله: {إني خالق بشراً من طين} (ص 71) ففي مراحل الخلق المختلفة استعمل {إني خالق}.

فعندما قال {إني جاعل} للدلالة على وجود البشر الذي تمت تسويته وأصبح جاهزاً لتغير في الصيرورة ليصبح خليفة الله في الأرض أي لم يكن خليفة فأصبح ولكنه موجود مادياً. لذا سأله الملائكة:. {أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء} لنقارن هذا القول مع قوله: {إني خالق بشراً من طين}.

فعندما قال: {خالق بشراً}. لم يذكر احتجاج الملائكة لأنه لم يستو بعد ولم يكن الإنسان موجوداً في شكله الجاهز لنفخة الروح لذا أتبعها بقوله {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (ص72). ومع ذلك لم تقل الملائكة: {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}. ولكن عندما قال: {إني جاعل في الأرض خليفةً} كان البشر ما يزال في المملكة الحيوانية قبل الأنسنة، ولكنه قائم على رجليه وله جهاز صوتي قادر على التنغيم المختلف وكان تصرفه كالبهائم أي يأكل اللحوم {ويسفك الدماء} للدلالة على التخريب غير الواعي في الغابات كما تفعل بعض فصائل القردة من قطع أغصان الأشجار، وهنا يجب أن لا نفهم {يفسد فيها} على أنه سلوك لا أخلاقي أي مخالفة تعليمات الله سبحانه وتعالى فهذا يسمى فسوق لا فساد.

فعندما يصبح الطعام غير صالح للأكل نقول: فسد الطعام ولا نقول فسق الطعام. فالفساد هو التخريب كقوله تعالى: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} (المائدة 33).

هنا {يسعون في الأرض فساداً} تعني قطع الشجر وتخريب الطرق والجسور وهدم البيوت والمنشآت.

وكقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} (الأعراف 85) وقوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. (البقرة 60) (هود 85) (الشعراء 183) هنا أيضاً أكد بأن الله منع تخريب الأرض بعد إصلاحها وفي قوله: {ولا تعثوا في الأرض مفسدين}. منع أن نفسد الأرض من جراء إقامتنا فيها في {ولا تعثوا}. وكقوله: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس لنذيقهم بعض الذي عملوا} (الروم 41). هذه الآية تعطينا نبأ مسبقاً عن ظاهرة التلوث حيث ذكر الفساد في الأرض وذكر السبب وهو الناس وهم الناس وليس الكافرين فقط. فهنا أعطاها أيضاً مفهوماً مادياً لا مفهوماً أخلاقياً.

وهنا نلاحظ الخطأ في القول بأن {يُفسد فيها ويسفك الدماء} تعني أنه كان هناك مخلوقات عاقلة قبل آدم فسدت وسفكت الدماء فأهلكها الله سبحانه وتعالى، أو علمت الملائكة أن هذا المخلوق سيفسد في الأرض ويسفك الدماء، فالقولان فيهما نظر، والصحيح عندنا أن الملائكة قالت ما شهدت فعلاً عند قوله: {إني جاعل في الأرض خليفةً}. ومن هنا فعلينا أن نعيد النظر في القول الذي يقول إن الله خلق آدم ووضعه في الجنة ثم خلق بعده حواء ثم طردا من الجنة هما وإبليس ونزلا إلى الأرض، وذلك للأسباب التالية:

إن وصف الجنة التي وصفها لآدم لا يشبه وصف جنة المتقين، حيث بينا في بحث الساعة والصور واليوم الآخر بأن الجنة والنار لم توجدا بعد وإنما ستقومان على أنقاض هذا الكون بقوانين مادية جديدة، وأن من صفات جنة المتقين الخلود واختفاء ظاهرة الموت. فكيف يمكن إغراء إنسان بشيء لا يعرفه وغير موجود؟ وقد تم إغراء آدم بقوله: {هل أدلك على شجرة الخلد وملكٍ لا يبلى} (طه 120). وقوله: {ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} (الأعراف 20).

فلولا أن آدم يعرف الموت وأن الأشياء تبلى لما تغرر بذلك القول وهذه الآية تنوه أيضاً بأن غريزة البقاء هي أقوى غريزة لدى المخلوقات كلها. ثم تأتي بعدها شهوة التملك وبقاء الممتلكات بقوله {وملكٍ لا يبلى}.

ثم إن وصف جنة آدم بعيداً جداً عن وصف جنة الخلد وذلك في قوله: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} (طه 118). {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} (طه 119).

هنا نلاحظ أنه يصف جنة أرضية تشبه الغابة التي فيها ثمار طبيعية بحيث يأكل بدون أن يعمل. و”تعرى” هنا من العراء أي الخروج من الغابة إلى الصحراء كقوله: {فنبذناه بالعراء وهو سقيم} (الصافات 145) فإذا خرج إلى العراء فإنه يحتاج إلى ظاهرة العمل ليكسب عيشه لذا قال {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (طه 117).

وكذلك يوجد في الغابات التي عاش فيها الإنسان المياه {لا تظمأ فيها}، وفيها أيضاً الظل {ولا تضحي}

حيث “تضحى” جاءت من فعل “ضحى” وهو في اللسان العربي أصل صحيح يدل على بروز الشيء ويقال ضحى الرجل يضحي، إذا تعرض للشمس، ويقال أضح يا زيد أي أبرز للشمس، ومنه سميت الأضحية لأنها تذبح عند إشراق الشمس، وضاحية كل بلد ناحيتها البارزة.

إن هذا الوصف بعيداً جداً عن وصف جنة الخلد الذي جاء في القرآن ومن أول مواصفاتها اختفاء ظاهر الموت.

من هنا نستنتج:

أ – أن البشر وجد على الأرض نتيجة تطور استمر ملايين السنين “البث” حيث أن المخلوقات الحية بث بعضها من بعض طبقاً للقانون الأول للجدل، وتكيفت مع الطبيعة وبعضها مع بعض طبقاً للقانون الثاني للجدل.

وقد وجد البشر وانتشر في مناطق حارة مغطاة بالغابات حيث يوجد في هذه الغابات مخلوقات حية أخرى كان يفترسها البشر {يسفك الدماء} وكان يسلك سلوك الحيوانات الأخرى أي كان كائناً غير عاقلٍ إذ لم تظهر فيه ظاهرة العمل الواعي وهو بشر.

ب – يجب علينا أن نفهم قوله: {اهبطوا منها}. على أنه انتقال من مرحلةٍ إلى مرحلة أخرى، وليس المعنى “انزلوا منها” ونحن نقول: إن الله أنزل ونزل القرآن ولا نقول أهبط وهبط القرآن وقد استعمل الكتاب فعل في مجال الانتقال المكاني أو الكيفي؛ في مجال الانتقال المكاني أي من مكان إلى آخر على الأرض في قوله {قيل يا نوح اهبط بسلامٍ منا وبركاتٍ عليك وعلى أممٍ ممن معك وأمم سنمتعهم ثم يمسهم منا عذاب أليم} (هود 48). ترى أبين كان نوح عندما قال له {اهبط} هل كان في السماء؟ وفي قوله: {وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعامٍ واحدٍ فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم.. الآية} (البقرة 61).

لاحظ أن الكلام هنا عن بني إسرائيل الذين كانوا في سيناء وليس في السماء فاهبطوا هنا جاءت في المعنيين المكاني والكيفي، فالمكاني الانتقال من سيناء إلى مصر والكيفي أنهم كانوا يأكلون المن والسلوى “طعام واحد” فأرادوا الانتقال إلى كيفية أخرى من الأطعمة.

فهنا يجب أن نفهم {اهبطوا منها} انتقال كيفي أو مكاني أو الاثنين معاً، وكل ذلك حصل على الأرض، وجنة الخلد ليس لها أية علاقة بذلك لأنها أصلاً لم توجد بعد.

ج – مفهوم آدم: لقد جاء آدم “من “آدم” وهذا الفعل في اللسان العربي له أصل واحد وهو الموافقة والملاءمة، ومنها جاءت الأدمة وهي باطن الجلد لأن الأدمة أحسن ملاءمة للحم من البشرة ولذلك سمي آدم عليه السلام لأنه أخذ من أدمة الأرض.

هنا جاء في لفظة آدم المصطلحان معاً فالبشر مؤلف عضوياً م عناصر موجودة في الأرض وبعد انتصابه ووجود الجهاز الصوتي المناسب أصبح موافقاً وملائماً لعملية الأنسنة، أي أن آدم هو المخلوق المتكيف الملائم للأنسنة ومن الخطأ الفاحش أن نقول أن آدم اسم أعجمي بل هو مصطلح عربي صرف وإذا مدحنا إنساناً وقلنا إنه آدمي فهذا يعني أنه دمث متكيف مع الظروف التي يعشها.

وهنا أيضاً يجب أن نفهم أن آدم ليس شخصاً واحداً وإنما هو جنس نقول عنه الجنس الآدمي.

لذا فعندما قال {يا بني آدم}. فإنه يخاطب الجنس الآدمي وقوله: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق}. فإنه يذكر إحدى مراحل تطور الجنس الآدمي وذلك بعد خروجه من المملكة الحيوانية وهذه الحلقة هي تعليمه دفن الموتى. ولا تعني كما يقول البعض قابيل وهابيل.

د – شرح قوله تعالى “الذي علم بالقلم”: “قلم” في اللسان العربي أصل صحيح يدل على تسوية شيء عند بريه وإصلاحه، من ذلك قلمت الظفر ومن هذا الباب سمي القلم قلماً.

لقد جاء قوله تعالى: {الذي علم بالقلم}. في بداية الوحي، وقد شرحنا قوله: {خلق الإنسان من علق} وعندما قال: {الذي علم بالقلم}. أتبعها بقوله: {علم الإنسان ما لم يعلم}. ونلاحظ أيضاً أنهما آيتان منفصلتان بينهما “نجمة”، وكان من الممكن أن يقول “الذي علم الإنسان بالقلم”.

ولقد جاء فصل الآيتين للدلالة على أن التعليم بالقلم مطلق للإنسان ولغيره، ومن جملة المخلوقات التي تم تعليمها بالقلم الإنسان. لقد قال المفسرون عن قوله تعالى: {الذي علم بالقلم}. هي كناية عن تعليم الكتابة لأن آلة الكتابة هي القلم. فإذا سلمنا جدلاً بأن هذا الكلام صحيح، فماذا نقول عن قوله تعالى {وعلم آدم الأسماء كلها}. وقد قال بشكل مطلق أن التعليم لا يكون إلا بالقلم “كما زعموا” فهل كان عند آدم كتابة وقرطاسية؟

إننا نعلم أن الكتابة “الأبجدية” ظهرت في عهد غير بعيد نسبياً.

فإذا كان الأمر كذلك فما هو القلم الذي علم الله به كل المخلوقات بدون استثناء ومن ضمنها الإنسان؟

إذا نظرنا للأصل اللغوي وهو التسوية والإصلاح والتهذيب. فعندما نقص أغصان الشجر فإننا نقلمها، وعند نقص ونهذب طرف العود الصغير فنسميها قلماً. فالقلم هو قص الأشياء بعضها عن بعض وتهذيبها، وهذا ما نقول عنه اليوم التمييز “التعريف”. فحتى يومنا هذا في سوريا عندما نقوم بجرد مستودع أو استلام مواد نضع في قائمة الجرد أو الاستلام مثلاً:

  1. طاولة عدد 6.
  2. كرسي عدد 6.
  3. خزانة عدد 3.
  4. مكتبة عدد 1.

وعندما نغلق الصفحة نقول “فقط أربعة أقلام لا غير” أي أربعة بنود متميزة بعضها عن بعض، وهذه البنود هي طاولة، كرسي، خزانة، مكتبة.

وفي مكتب تسجيل السيارات هناك القلم أي فيه اضبارة كل سيارة، نوعها، سنة الإنتاج، اللون، الرقم، المالك، كحل هذه المعلومات هي لتمييز كل سيارة على حدة. وكذلك هناك في القوات المسلحة “قلم اللواء” أي فيه الأوراق الصادرة والواردة تميز وتوزع حسب العائدية.

فالتقليم هو تمييز الأشياء بعضها عن بعض وهذه العملية هي العمود الفقري للمعرفة الإنسانية، وبدونها لا تتم أية معرفة.

فإذا كان الأمر كذلك فلماذا وضعها بشكل مطلق {الذي علم بالقلم}. ثم علق الإنسان بها بقوله {علم الإنسان ما لم يعلم} أقول لأن التقليم ليس من صفات بالإنسان فقط حتى المعرفة الغريزية تقليم. فنرى أن القطة تميز أولادها، والبقرة تميز وليدها، فإذا جاء غير وليدها ليرضع منها فإنها تصده، أي أن البقرة لها جهاز ما أو مؤشر ما يتناسب مع بنيتها تستطيع أن تميز به وليدها من غيره، وكذلك النحلة تميز خليتها عن باقي الخلايا، والخيل تميز اللحم من الحشائش فلا تأكل اللحم.

والملائكة أيضاً لا تعلم من العلم إلا المعلومات التي تدخل بجهاز التقليم الخاص بخها، فهناك ملائكة تسبح فقط لأن قلمها قائم على التسبيح فقط لأنها لا تميز شيئاً آخر. لذا فما دخل في قلمنا فهو ضمن معلوماتنا “الشهادة” وما لم يدخل في قلمنا فهو خارج معلوماتنا “الغيب”.

وقد خلق الله للتقليم أنواعاً كثيرة وإمكانيات مختلفة حسب الظروف التي يعيشها كل كائن حي. فالأسماك لها قلم الوطواط له قلم.. وهكذا دواليك.

فإذا أخذنا الحواس مثلاً، نرى أن العين تقلم الألوان والأبعاد والأشكال التي تدخل ضمن إمكانياتها البصرية، والأذن تقلم الأصوات التي تدخل في إمكانياتها السمعية، واللسان يقلم المذاق حسب إمكانياته، والشم يقلم الروائح، والجلد يقلم الحرارة والملمس. ولولا هذا التقليم الذي هو صفة الحواس لما كان هناك علم حيث أن الحواس تقلم وهي نفسها مقلمة إلى خمسة حواس.

ثم عندما تنتقل صورة الأشياء عن طريق الحواس يعمل الفكر أيضاً على التقليم حيث يحلل “يقلم” ظاهرة ما إلى عناصرها الأساسية ثم بعد ذلك يركب “يعقل” ويصدر حكماً.

فإذا أخذنا تقدم المعارف الإنسانية رأينا أن التقليم هو أساسها. فعندما اكتشفت الكهرباء في القرن الماضي كانت عبارة عن علم بسيط واحد ثم تطورت بالتقليم فأصبح هناك محطات توليد طاقة، خطوط نقل طاقة، محركات كهربائية، دارات إلكترونية، حتى أصبحت كلية قائمة بذاتها تتألف من عدة مواد منفصلة “مقلمة”. وكذلك الطب كان هناك جسم الإنسان وطب عام ثم قلمناه بالتطور فأصبح هناك طب عظام وطب عيون وطب أنف وأذن وحنجرة وطب نفساني وطب عصبي، وجراحة، وجهاز هضم، وهكذا دواليك.

ثم لنأخذ القلم في معناه المجازي كأداة كتابة للأبجدية فلا يمكن أن نقول إننا نخط رسالة بحبر أبيض على ورق أبيض، فالعين بذلك لا تميز شيئاً، ولكننا نكتب مثلاً بلون أزرق على ورق أبيض، هذا هو التمييز الأول. ثم هناك التميز الثاني للأبجدية، فنرمز لصوت النون بالرمز “ن” ولصوت اللام بالرمز “ل”. بما أن النون واللام صوتان مميزان بعضهما عن بعض رمزنا لهما برمزين مختلفين لتبيان التمييز.

وإذا أخذنا مثلاً الأمراض فنرى أن مرض السرطان موجود موضوعياً فنستطيع أن نقلم “نميز” الخلية السرطانية غير المخلقة عن الخلية العادية “المخلقة” ولكننا لم نستطع أن نقلم إلى اليوم الأسباب الحقيقية للسرطنة، لذا فإن مرض السرطان مقلم كظاهرة مرضية وغير مقلم كأسباب حقيقية لهذه الظاهرة، علماً بأنه قد تم تقليم بعض الأسباب المساعدة على السرطنة وهذا يسمى باللغة الإنجليزية (Identification).

ومبدأ الهوية الشخصية يقوم على التقليم بالاسم والكنية واسم الأب والأم والصورة وتاريخ ومكان الميلاد والعلامات المميزة وذلك لتقليم صاحب الهوية عن غيره.

فإذا رجعنا الآن إلى تعري الكلام الإنساني قلنا إنه يتألف من أصوات مقطعة متميزة، أي أن الكلام الإنساني يقوم على تقليم الأصوات.

وإذا أخذنا الآن قوله تعالى: {خلق الإنسان من علق}. وقوله: {الذي علم بالقلم}. لوجدنا أن بداية الوحي لمحمد صلى الله عليه وسلم هي بداية المعرفة حيث بدأ بفعل الأمر “اقرأ” والقراءة هي العملية التعليمية فجاءه بعدها العمودان الفقريان للمعرفة، الأول أن الوجود خارج الوعي الإنساني مؤلف من علاقات متداخلة بعضها مع بعض ومنها خلق الإنسان والثاني أن وعي هذه العلاقات من قبل الإنسان لا يمكن أن يتم إلا بالتقليم أي تمييز هذه العلاقات بعضها عن بعض، والحواس هي الأدوات المادية للتقليم المشخص المباشر.

نستنتج من هذا التعريف للعلاقات المتداخلة ولتقليمها أساس البحث العلمي والنشاط الاقتصادي والإنتاجي قائم على العلاقات وتقليم هذه العلاقات.

فإذا أخذنا الآيات الواردة في الكتاب والتي ذكر فيها القلم رأيناها كالتالي: {ولو أن ما في الأرض من شجرةٍ والبحر يمده من بعدهِ سبعة أبحرٍ ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}. (لقمان 27).

هنا جاء القلم بالمعنى الثاني وهو آلة

الكتابة “الخط” وقد شرحت مفهوم التقليم في الكتابة”.

{وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم} (آل عمران 44).

هنا جاءت أقلامهم أيضاً للتمييز، فعندما تضرب قرعة بين عدة أشخاص فكل شخص يأخذ علامة مميزة عن الآخر، وقد كانت في الجاهلية تسمى “القِداح” أي كل شخص له قدح خاص ليميزه عن غيره.

{ن والقلم وما يسطرون} (القلم 1). هذه الآية لها بحث خاص بها سيأتي. فمن مفهوم القلم نستنتج الرئيسي وهو:

إن المعرفة الإنسانية صاعدة ومحورها القلم

هـ – الاسم: لقد جاء الاسم من أحد فعلين في اللسان العربي:

1 – من فعل “سوم” وهذا الفعل أصل واحد يدل على أثر ومعلم، ووسمت الشيء وسماً: أثرت فيه بسمة، والوسمي أول المطر لأنه يسم الأرض بالنبات. وسمي موسم الحج موسماً لأنه معلم يجتمع إليه الناس. وقوله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} (الحجر 75). أي الناظرين في السمات الدالة.

2 – من فعل “سمو”: السين والميم والواو أصل يدل على العلو. يقال سموت إذا علوت، وسما بعده علا، وسما لي شخص: ارتفع حتى استثبته، وسماوة كل شيء شخصه، والجمع سماء وسماؤ. والعرب تسمي السحاب سماء، والمطر سماء. والسماء: الشخص. السماء سقف البيت. وكل عالٍ مطلٍ سماء. حتى يقال لظهر الفرس سماء.

ويقال إن أصل “اسم” سمو وهو من العلو لأنه تنويه ودلالة على المعنى.

لنناقش الآن: هل الاسم مشتق من “سوم” أم من “سمو”. فإذا كان الاسم من “سمو” فهو العلو والارتفاع. أي أن الاسم يعلو صاحبه ولو كان هذا الكلام صحيحاً لعرفنا اسم كل شيء دون أن يخبرنا عنه أحد لأنه يعلوه. أما إذا كان الاسم من “سوم” فهو سمة لصاحبه، أي شيء يميزه عن غيره. ونحن نسمي الأشياء لنميزها عن بعضها أي لنعطيها سمات مميزة. ولكل شيء سمة خاصة به، فنقول “تفاح جميل” فالتفاح اسم لثمرة أطلقنا عليها هذا الاسم لنميزها عن بقية الثمار، وجميل أيضاً اسم وهو سمة “صفة” مميزة للموصوف وهو التفاح.

وقد قال “الفراء” واضع أسس المدرسة الكوفية إن أصل الاسم من وسم وليس من سمو. حتى ان ابن فارس وضعها بصيغة غير مؤكدة في “سمو” حيث ذكره بصيغة ممرضة “يقال بأن أصل اسم من سمو”.

فإذا أخذنا بالرأي القائل إن أصل الاسم من “وسم” فيتضح لنا معانٍ واقعية لآيات في الكتاب ذكر فيها لفظة “الاسم”.

لنأخذ الآيات التي فيها لفظ “اسم”:

1 – (بسم الله الرحمن الرحيم): هنا ذكرك الصفة المميزة “لله”، والله هو لفظ الجلالة ولا نقول اسم. وإن من سماته أنه الرحمن الرحيم وكذلك قوله: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (الأعراف 180). فالسمات المميزة لله هي الأسماء الحسنى وقد جاء ذكرها في الكتاب.

2 – {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} (النجم 23). هنا يذكر في هذه الآية أنه في زمن هود كان تعدد الآلهة مع التخصص فهناك إلاه الحرب وإلاه الغضب وإلاه الخصوبة وإلاه الحب وهكذا دواليك. لذا قال: {إن هي إلا أسماء}. لذ لذا أجاب قومه: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء} (هود 54). هنا ذكر “بعض” كجزء من كل أي أن آلهة السوء اعترت هوداً وذلك لوجود آلهة أخرى لها سمات أخرى.

3 – {إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمةٍ منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم} (آل عمران 45). إن المسيح هو سمة عيسى بن مريم وقد ذك هذه السمة بقوله: {وجيهاً في الدنيا والآخرة ومن المقربين} (آل عمران 45). ولا نرى في الكتاب أبداً صيغة “اسمه” مع عيسى بن مريم إلا وقرنها بالمسيح “اسمه المسيح”. لأن المسيح هي سمة خاصة لعيسى بن مريم وقد ذكر هذه السمة في الآيات (46، 48، 49) في سورة آل عمران. أي أن لفظة “المسيح” وردت بدون “اسمه” ولكن لا يوجد “اسمه” بدون المسيح”.

4 – {يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سمياً} (مريم 7). هنا أعطى الله اسماً لابن زكريا، وسمة هذا الاسم أنه أكثر اسم حي من أسماء أهل الأرض لذا سماه “يحيى” وهو أول تسمية فهو في العربي يحيى، حنا، يوحنا، وفي الروسية ايفان، وفي الإنجليزية والفرنسية جون، وفي الإيطالية جيوفاني، وفي الإسبانية خوان، وفي الألمانية ايوهان.

5 – {ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} (الصف 6). إن أحمد هو السمة المميزة لمحمد بن عبد الله وهذه الصفة هي على وزن أفعل وهي للتفضيل. فبدأ الله الكتاب بالحمد {الحمد لله رب العالمين} (الفاتحة 1). وبدأ خلق الوجود بالحمد: {الحمد لله الذي خلق السموات والأرض} (الأنعام 1). وبدأ الإنزال بالحمد: {الحمد له الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً}. (الكهف 1).

وأنهى الحساب بالحمد {وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين} (الزمر 75) وأنهى دخول الجنة بالحمد {وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين} (يونس 10) وقال {له الحمد في الأولى والآخرة}. (القصص 70).

لذا فقد أعطى الله لمحمد صلى الله عليه وسلم سمة الحمد المميزة بالتفضيل له على كل الرسل والأنبياء، فسماه أحمد. وقد فهم العرب الأوائل هذه الصفة على أنها خاصة بمحمد صلى الله عليه وسلم لذا فقد امتنعوا عن تسمية أبنائهم باسم أحمد. فلا نرى في صدر الإسلام أو في العهد الأموي من سمى ابنه “أحمد” وإن أول اسم صادفناه تاريخياً باسم أحمد هو الإمام أحمد بن حنبل في العهد العباسي. علماً بأن كثيراً من الصحابة سموا أبناءهم باسم محمد. أي أنهم فهموا أن اسم أحمد خاص بمحمد صلى الله عليه وسلم. كما أن اسم المسيح خاص بعيسى بن مريم.

ثانياً: نشأة اللغة وارتباطها بالفكر “نفخة الروح”

لقد تطور الإنسان من البشر وتميز من “بقية البهائم” بالربط الذهني بين الشيء وصورته وذلك من خلال صيغة لغوية. حيث إن الحيوانات تربط بين الشيء وصورة الشيء بربط انعكاسي (reflection) فالكلب عندما يشم رائحة اللحم يسيل لعابه بربط انعكاسي بحت أي أن هناك الشيء “اللحم” وصورة الشيء “في مخ الكلب عن طري حاستي البصر والشم” حيث أدى الانعكاسي بينهما إلى سيلان اللعاب.

هذا الشيء موجود عند الإنسان في سلوكه الغريزي “البهيمي البحت”. أي أن الكلب له سمع وبصر وذوق والإنسان كبشر له سمع وبصر وذوق. فماذا يزيد الإنسان عن ذلك حتى نقول إنه بداية الأنسنة.

فحتى نعرف بداية الأنسنة ونفخة الروح وظهور الفكر فما علينا إلا أن نبحث في نشأة الكلام الإنساني، والسبب الجوهري أن الربط الانعكاسي عند الحيوانات يتم بدون قالب لغوي “أي بدون أسماء”. ونحن نعلم بشكل قاطع أن الفكر الإنساني مهما كان بدائياً لا يتم بدون قالب لغوي – “صوتي” لأنه يوجد تلازم لا ينفصم بين الفكر واللغة منذ بداية الأنسنة. ونرى الآن أن أهل الأرض جميعاً تفكر بقالب لغوي. أي أن اللغة لها وظيفتان الأولى هي حامل الفكر والوظيفة الثانية هي التواصل بين متكلم ومخاطب في صيغة خبر أو أمر ونهي أو تعجب واستفهام. فإذا نظرنا إلى الكلام الإنساني بين متكلم ومخاطب رأينا أن صيغة الخبر هي أكثر تردداً تليها صيغة الأمر والنهي تليها صيغة التعجب والاستفهام. فلكي نميز الإنسان عن الحيوان “البشر” نضع الصيغتين التاليتين:

p1-299-1 p1-299-2

فبدأ الإنسان بمرحلة الإدراك القائم على المشخص المحدد بحاستي السمع والبصر. وقلنا إن الفؤاد هو بمثابة المحمي أو الصاعق لمرحلة الفكر والذي ليه وهو “القلب”. لذا عندما قال {وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً إن كادت لتبدي به}. أي عندما فرغ فؤاد أم موسى “بلا فؤاد” كاد أن يصبح سلوكها بهيمياً انعكاسياً غير مسيطر عليه لذا قال: {إن كادت لتبدي به}. ولكن ذكر مرحلة الفكر المجرد “القلب” وهو المرحلة الأكثر تقدماً والأكثر وعياً حيث سيطرت على سلوكها بقوله: {لولا أن ربطنا على قلبها} (القصص 10).

فمهمة الفؤاد هي الإدراك بالمشخص الذي تنقله الحواس والربط بين الأشياء وأسمائها، أي هل يفيد هذا الاسم هذا الشيء حصراً ولا يفيد؟ وهذه هي عملية التقليم والتي بدأت بالربط بين الأصوات اللغوية “الأسماء” ومدلولاتها العينية “المشخصة” وهذا الربط ذهني لا انعكاسي. وبعد ذلك تصبح الأسماء جاهزة للعلاقات المجردة في الفكر والعقل.

إن الفؤاد الإنساني الذي يربط بين الشيء المشخص واسمه هو بداية نفخة الروح حيث قلنا إن الله سبحانه وتعالى وجود أحادي من صفاته عدم التناقض فبدأ بإعطاء هذه الصفة الخاصة إلى البشر بالفؤاد. وابتداء من هذه الخاصية بدأ النقيضان بالعمل في الدماغ الإنساني وهما “الرحمن والشيطان” التصديق والتكذيب “الحقيقة والوهم” وهنا نرى الصيغة الأولية للفكر الإنساني. هذه هي الحلقة المفقودة التي بحث عنها العلماء والتي ربطت بين البشر والإنسان وهي السر في بداية الأنسنة أي السر في جدل النقيضين غير الماديين الحقيقة والوهم “الرحمن والشيطان” والتي تم ربطهما بقانون عدم التناقض وهنا يكمن سر بداية نفخة الروح لذا قال عن آدم {فوسوس إليه الشيطان}.

وهنا يكمن السر لماذا تقدم البشر وتطور إلى إنسان وأصبح كائناً عاقلاً “عالماً ومشرعاً، ولم تتطور بقية الحيوانات العليا من فصيلة القردة علماً بأنها وجدت بنفس الشروط الطبيعية ولها نفس النشأة البيولوجية؟ فالبش خضع لنفخة الروح فأصبح إنساناً والقردة لم تخضع لنفخة الروح فبقيت على ما هي عليه قردة، وعلى هذا يجب أن نزيل الأوهام العالقة في أذهاننا بأن الروح هي سر الحياة وإنما هي سر الأنسنة فالإنسان له روح وبقية الحيوانات لها روح.

وبما أن الكتاب يحتوي معلومات وتشريعات سمي روحاً. {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان.. الآية} (الشورى 52).

ونحن نرى إلى يومنا هذا أن محلة الإدراك الفؤادي هي المرحلة التي يبدأ بها تعليم الأطفال، وذلك بالربط القائم على حاستي السمع والبصر بين الشيء المشخص واسمه وهي المرحلة التي يبدأ بها أي علم جديد، أي عندما يكتشف الإنسان شيئاً جديداً فأول شيء يفعله هو أن يضع له اسماً أو تعريفاً. قد يقول البعض إن عدم التناقض والذي هو أساس الفكر الإنساني نتج عن ظاهرة العمل فهذا غير صحيح للأسباب التالية:

1 – لم يذكر أصحاب النظرية المادية الانعكاسية ما هما النقيضان اللذان يعملان في الدماغ الإنساني، وإذا كان هناك نظرية انعكاسية فكيف ظهر التصديق والتكذيب والحقيقة والهم في الدماغ الإنساني.

النظرية القرآنية تقول إن النقيضين غير الماديين اللذين يعملان في الدماغ “الرحمن والشيطان”، “الحقيقة والوهم” مربوطان بقانون عدم التناقض. وعندما يفك هذا الربط فإن الإنسان يتحول إلى شخصيتين متناقضتين تماماً. فدائماً هناك موقف رحماني “صادق حقيقي” في أمر ما وموقف آخر شيطاني “كاذب وهمي” في الأمر نفسه.

2 – حتى يعمل الإنسان بشكل واع “العمل الواعي” يجب أن يكون عنده صيغة أولية بين المخاطب والمتكلم أي أن وعي الشخص الثالث فقط لا يكفي لكي يعمل الإنسان بشكل واع بل يجب أن يكون هناك بالإضافة إلى وعي الشخص الثالث وعي الشخص الثاني “المخاطب” ووعي الشخص الأول “المتكلم”.

3 – إن عدم التناقض ليس من صفات المادة الثنائية القائمة على المتناقضات بل هي صفة لوجود موضوعي آخر غير الوجود المادي المعروف من قبلنا وهو الوجود المشيأ “الأشياء”. وذلك الوجود الآخر هو وجود أحادي منزه عن صراع المتناقضات الداخلية في ذاته {ليس كمثله شيء}. وهو الله سبحانه وتعالى لذا قال: {ونفخت فيه من روحي}.

الرحمن والشيطان في الفكر:

عند الربط الذهني بين الشيء واسمه من قبل الفؤاد، يبرز شيء هام وهو الصراع بين نقيضين هما الرحمن والشيطان، فالرحمن هو اسم الله الذي يمثل قوانين الربوبية لهذا الكون المادي، وهو الذي يعطي الصور الحقيقية للأشياء. فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن: كيف ظهر مفهوم الوهم عند الإنسان ومفهوم الخطأ؟ فالفؤاد الرحماني هو الذي يثبت الصورة الحقيقية للأشياء مع مسمياتها والفؤاد الشيطاني “الفعلاني” هو الذي يعطي صورة وهمية للمسميات. ولولا هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات في الفكر الإنساني لما كان هناك شيء اسمه وهم ومثالية ولما كان هناك تخيل.

وهذا هو جدل الفكر الإنساني كظاهرة، حيث إن الطبيعة تقوم على القانون الأول للجدل وهو صراع المتناقضات في الشيء، والقانون الثاني التأثير والتأثر المتبادل بين شيئين مختلفين في مستويات مختلفة. أما جدل ظواهر الطبيعة فيقوم على الأضداد كالليل والنهار في اليوم والشهيق والزفير في التنفس “والتي تكون اليوم والتنفس”. وكذلك الإدراك الإنساني قام على صراع المتناقضات الحقيقية والوهم والمربوط بقانون عدم التناقض. هذه العلاقة الجدلية بين المتناقضات جاءت في مصطلح الرحمن والشيطان الفعلاني {يا أبتِ لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصياً} (مريم).

وقد قلت إن الشيطان الفعلاني هو أحد أطراف العملية الجدلية في الفكر الإنساني وهو الطرف الوهمي المثالي. أما الرحمن فهو الطرف المادي الحقيقي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن “هل الوهم من نتاج المادة التي لها وجود حقيقي”؟

لا يوجد خارج الفكر الإنساني شيء اسمه أوهام، فالأوهام فقط في الفكر الإنساني وهكذا نفهم قوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} (النحل 98). وهنا “قرأت” تعني التعلم والفهم، ولا تعني التلاوة، فالشيطان يحول فهم آيات القرآن من فهم مادي رحماني إلى فهم وهمي مثالي شيطاني وفي هذا المجال نجح الشيطان نجاحاً باهراً مع المسلمين وغيرهم، ونفهم أنه لا يوجد إنسان في العالم إلا وله شيطانه الخاص لأن أي موقف مثالي أو خطأ مهما كان نوعه فهو موقف شيطاني.

هنا يجب أن نضيف إلى المخطط مفهوم الرحمن والشيطان اللذين يمثلان جدل النقيضين بين الحقيقة والوهم في الفكر الإنساني.

ثالثاً: كيف عبر القرآن عن مراحل نشأة الكلام الإنساني ونفخة الروح:

قلنا إنه لا يمكن أن يكون هناك تفكير إنساني بدون نمط لغوي لذا فقد ارتبطت نشأة الفكر بنشأة الكلام الإنساني ارتباطاً لا انفصام فيه وقد عبر القرآن عن مراحل نشأة الفكر ونفخة الروح بنشأة الكلام الإنساني كالتالي:

المرحلة الأولى – مرحلة تقليد أصوات الحيوانات والطبيعة:

وهي التي عبر عنها بقوله: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} (البقرة 31).

هنا نرى قوله “علم” والتعليم هو التمييز “التقليم” وهنا يجب أن لا نفهم أن التعليم وحي “إلهام” لأن الوحي يحتاج إلى لغة مجردة، ويجب أن لا نفهم أن الله جلس مع آدم وعلمه كما نعلم الأطفال، بل يجب أن نفهمها فهماً مادياً رحمانياً، أي أنه أصبح يميز بواسطة الحواس “السمع والبصر” ويقلد بواسطة الصوت “السمع”. أما قوله “آدم” فقد جاء هنا اسم جنس للدلالة على أن البشر أصبح متكيفاً متلائماً بوجود جهاز صوتي وبانتصابه على قدميه ومتلائماً لعملية الأنسنة.

أما قوله “الأسماء” فهي من فعل وسم وهي السمات المميزة للأشياء المشخصة والسمات الأساسية المميزة للأشياء المشخصة هي الصوت والصورة وقد بدأ بملاحظة الذي يصدر صوتاً ويتحرك “معاً” “الحيوانات” قبل ملاحظة الذي يصدر صوتاً بدون ملاحظة الحركة “الشجرة” لذا قال {كلها} أي السمات الصوتية المميزة لكل الأشياء المشخصة الموجودة حوله. أما قوله {ثم عرضهم}. فللدلالة على أن السمات هي للمشخصات حصراً لأن عرضهم تعود على المسميات لا على الأسماء وهل يعرض إلا المشخص. وهنا يجب أن نصحح أمرين اثنين:

1 – أن “الأسماء” هي السمات وليس كما يقول البعض بأنه علمه أسماء الأشياء كلها بمعنى اللغات.

ولو عنى هذا لقال “علم آدم الألسن كلها” حيث إنه عند استمال الألسن في شكلها البسيط “استعمال التجريد من أبسط صورة” بدأ الوحي للإنسان من نوح وعندها قال: {وما أرسلنا من رسولٍ إلا بلسان قومه} (إبراهيم 4).

2 – يجب علينا أن نفهم قوله: {ثم عرضهم على الملائكة}. بأن آدم “الجنس” كان في الأرض، ولم يعلم ماذا قالت الملائكة، ولا علاقة لآدم بهذا الحديث وفي هذا المجال قال: {قل هو نبأ عظيم} (ص67). {أنتم عنه معرضون} (ص68)، {ما كان لي من علمٍ بالملأ إذ يختصمون}. (ص69). وقد قلنا إن العلم لا يكون إلا بالقلم للإنسان وغير الإنسان لذا فإن ما علمه آدم لم يدخل في علم الملائكة لأن الملائكة لها قلمها الخاص “تمييزاتها الخاصة” لذا أجابت الملائكة بقوله: {قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم}. (البقرة 32).

هذه المرحلة هي مرحلة التقليد أو المحاكاة “أي مرحلة آدم الأول وفيها ظهر وعي الشخص الثالث هذه المرحلة هي مرحلة ما قبل الكلام الإنساني وهي التمهيد الضروري التي تليها وهي مرحلة بداية الكلام الإنساني القائم على التقطيع بفعل الأمر “أي مرحلة آدم الثاني”.

المرحلة الثانية – “مرحلة آدم الثاني”:

مرحلة فعل الأمر وقد جاءت في قوله: {قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} (البقرة 33).

فقوله: {يا آدم أنبئهم}. والنبأ جاء من النبأة وهي الصوت ومنه سمى النبأ لأنه ينتقل من شخص لآخر كما أن الصوت ينتقل من مكان إلى آخر. وقوله: {بأسمائهم}. أي أن واسطة النبأ هو التمييز الصوتي لذا استعمل حرف الجر “الباء” والباء فيها الواسطة أي أن النبأ “الصوت” هو واسطة الدلالة على الاسم فربط بين الصوت والاسم، وبالتالي الشيء والسمة الصوتية للشيء.

وهذه المرحلة ظهر فيها التقطيع الصوتي بواسطة فعل الأمر فمثلاً “لفظة الطلب” للشخص الثاني بواسطة التقطيع الإرادي.

تكرار خرخر ـــ فعل الأمر خرخر.

تكرار زق زق ـــ فعل الأم زق زق

في هاتين المرحلتين نرى مرحلة الإدراك الفؤادي وهي مرحلة الشيء المشخص وصورة الشيء عن طريق حاستي السمع والبصر واسم الشيء.

نلاحظ في هذه المرحلة أن الله تعالى قال: {وإذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} (البقرة 34).

لنقارن تسلسل الآيات “30، 31، 32، 33، 34). في سورة البقرة مع تسلسل مراحل الخلق في قوله تعالى: {إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين} (ص 71). {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}. (ص72). {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (ص73). {إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين}. (ص 74).

نلاحظ في الآية 30 في سورة البقرة قوله: {إني جاعل في الأرض خليفةً} للدلالة على استكمال التسوية وفي الآية 34 في سورة البقرة طلب السجود ومنه يتبين أن الآيات (31، 32، 33) كانت للتعبير عن بداية نفخة الروح “بداية الأنسنة”.

وفي هذه المرحلة بدأ البش يصبح إنساناً بظهور الشيطان الفعلاني ولكنه كان غير قادر على ظاهرة العمل الواعي، لذا قال له: {اسكن أنت وزوجك الجنة} وقد شرحت في مكان آخر جنة آدم وهي عبارة عن غابات استوائية فيها أشجار مثمرة “متوفر فيها الطعام والماء والظل”، كانت هذه الفترة لتعميم فعل الأمر والتقطيع الصوتي على الأصوات المخزونة لديه من المرحلة الأولى. لذا قال {ولا تقربا}. (صيغة الطلب). وكان هذا الطلب أول ظاهرة من ظواهر التشيع البدائي. هنا يجب أن نفهم الشجرة على أنها ذات معنى رمزي فقط حيث جاءت صيغة التشريع البدائي في صيغة تتعلق بمظاهر الطبيعة الشائعة والبارزة لدى الإنسان.

وقد مثل الشيطان الفعلاني الجانب الجدلي في العملية الفكرية حيث دخل الوهم إلى الإنسان بأن هذه الشجرة فيها الخلود “الباطل” حيث كان لدى الإنسان غريزة البقاء فلعب الشيطان بهذه الغريزة حتى أدخل الوهم إلى الفكر الإنساني. في هذه الحالة التي أخذت فترة من الزمن أصبح الإنسان جاهزاً للعمل الواعي فانتقل نقلة نوعية بقوله: {فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعضٍ عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} (البقرة 36).

هذه النقلة هي نقلة {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} (طه 117) حيث مثلت هذه النقلة بقوله {اهبطوا بعضكم لبعض عدو}. حيث كانت الحياة الاجتماعية والتشريعية لم تبدأ بعد وبقوله {فتشقى}. بدأت ظاهرة العمل والتواصل بين اثنين مع البقاء على استعمال الأصوات المقطعة المكتسبة من تقليد أصوات الحيوان وظواهر الطبيعة، لذا اعتبرها القرآن فترة انتقالية مؤقتة بقوله {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين}.

مرحلة – آدم الثالث:

هذه المرحلة تعتبر القفزة الهائلة في نفخة كقفزة قانون ربط النقيضين بعدم التناقض، وهي قفزة التجريد حين إن الإدراك الفؤاد يقوم بربط الأسماء بالأشياء كلٍ على حدة ربطاً قائماً على الحواس وعلى رأسها حاستي السمع والبصر. انتقل الإنسان بعدها إلى مرحلة أخرى من مراحل تطور اللغة وبالتالي الفكر وهي مرحلة التجريد أي الانتقال من العلاقة الطبيعية بين الصوت والمدلول القائمة على الحواس “السمع والبصر” إلى علاقة اصطلاحية قائمة على الاسم والشيء فقط هذا ما يسمى بالتجريد. وبما أن الطبيعة المعروفة كلها قائمة على المشخصات فكان الإنسان بحاجة إلى قفزة نوعية للانتقال من المشخص إلى المجرد.

وبما أننا ننطلق من النظرة الرحمانية (المادية) في المعرفة الإنسانية أي أن المعلومات تأتي من الخارج القائم على قوله: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون} (النحل 78).

فالسؤال الذي يطرح نفسه كيف بدأ التجريد عند الإنسان لأول مرة علماً أن الطبيعة خالية من التجريد أي أنه لم يأت تقليداً لظاهرة ما في الطبيعة؟

هنا جاءت مرحلة آدم الثالث لتغطي هذه القفزة. في قوله تعالى: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ فتات عليهِ إنه هو التواب الرحيم}. (البقرة 37). لقد جاءت قفزة التجريد من الله مباشرة أي أنه سمع أصواتاً مجردة لها معنى التوبة، والتوبة من المفاهيم المجردة وليست من المشخصات أي أنه سمع فعل أمر من صوتين أو ثلاثة أصوات مقطعة كقوله تب فتات عليه. وهنا بدأ التجريد. وقد أعطى الكتاب مثالاً رائعاً على التجريد والعلاقة الاصطلاحية بين الصوت والمدلول في الآية {وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغداً وادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين} (البقرة 58). هنا لاحظ العلاقة الاصطلاحية بين لفظة “حطة” وبين نغفر لكم خطاياكم أي:

حِطَّةٌ “علاقة اصطلاحية بصيغة الطلب” – – – > تعني المغفرة.

قارن بهذه العلاقة الاصطلاحية بقوله تعالى:

{فتقلى آدم من ربه كلمات فتاب عليه} والكلمات كما قلنا من الناحية اللسانية تعني مجموعة الأصوات المقطعة أي تلقى مجموعة من الأصوات المقطعة بصيغة الطلب تعني التوبة بعلاقة اصطلاحية غي طبيعية. وعليه فإنه ليس بالغريب أبداً أن نرى أن أول كلمة بدأ بها الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم هي صيغة الطلب بفعل الأمر “اقرأ”. بعد هذه القفزة الربانية الهائلة أي قفزة التجريد بدأ القانون الثاني للجدل يعمل مع القانون الأول.

فالقانون الأول للجدل يعمل على ربط النقيضين بعدم التناقض. أما القانون الثاني فبدأ منذ التجريد يعمل بربط الأشياء بعضها مع بعض عن طريق أسمائها المجردة كقولنا “القط جميل”. وهذا هو بط أسماء الأشياء والمفاهيم بعضها ببعض “تأثير وتأثر متبادل قانون الزوجية” برباط يسمى الرباط المنطقي “المسند والمسند إليه” أي ببداية الفكر المجرد بدأت العلاقات بالمنطقية بين أسماء الأشياء والمفاهيم وباكتمال التجريد الذي بدأ بقوله: {فتلقى آدم من ربه كلماتٍ}.

والذي أخذ وقتاً طويلاً اكتمل الرباط المنطقي للغة بظاهرتي الصرف والنحو، فظاهرة الصرف تعني إعطاء أسماء جديدة للأشياء أي عندما يكتشف الإنسان جديداً غير معروف سابقاً فإن أول شيء يفعله دون شك هو أن يضع له اسماً “مصطلح” وفي الوقت الحاضر تستعمل قواعد الصرف “الاشتقاق” في اللسان الواحد أو يستعار من لسان آخر. وفي ظاهرة النحو تظهر بشكل جلي العلاقة المنطقية بين البنية اللفظية النحوية وبين مدلولاتها.

وكذلك ظهر القانون الثالث وهو قانون الأضداد في الظواهر “صفات الأشياء والمفاهيم”. وقد ظهر مفهوم العقل وهو الربط المجرد بين المقدمات والنتائج بقانون عدم التناقض الذي ربط بين الرحمن والشيطان، وبه يستنتج الإنسان المجهول من معلوم وهو القانون الأساسي للتفكير المنطقي المجرد عند الإنسان فإذا كانت النتائج وهمية فهي شيطانية، وإذا كانت حقيقية فهي رحمانية وفي كلتا الحالتين يعمل قانون عدم التناقض.

والآن ما علينا إلا أن نؤكد الحقائق التالية في أذهاننا:

1 – إن القانون المنطقي موجود عن كل الناس العاقلين على حد سواء، لأنهم يمتلكون لساناً، ولكن مستويات استعمال هذا القانون تختلف من إنسان لآخر، وهذا القانون يعمل على حد سواء.. سواء كانت المقدمات حقيقية “رحمانية” أم وهمية “شيطانية” لأنه لا يمكن أن نقول: إن العلماء عاقلين والدجالين مجانين حيث كلاهما عاقل. ولكن العالم يستعمل المقدمات الرحمانية، والدجال يستعمل المقدمات الشيطانية وكلاهما يستعمل قانون عدم التناقض.

2 – إن القانون المنطقي الذي هو ربط مجرد بين أسماء الأشياء بعضها ببعض لاستنتاج المجهول من معلوم إلى مبدأ عدم التناقض. هذا القانون هو الذي نسميه المنطق الصوري.

3 – إن قانون الربط بين النقيضين بقانون عدم التناقض والربط المنطقي بين المقدمات والنتائج القائم على عدم التناقض هو القانون الذي لا يخضع للتطور أبداً وهنا تكمن نفخة الروح. حيث أن التطور جاء منهما وهذا القانون لم يتولد من علاقة إنتاجية أو من طبقة أو من علاقة اقتصادية، بل به تميز الإنسان كجنس وقفز من المملكة الحيوانية وهو الحلقة المفقودة عند داروين.

وهنا لا بد من التنويه لإزالة الالتباس، بطرح اسمين للمنطق: الأول المنطق الصوري. والثاني: المنطق الجدلي. وهذا خطأ فادح حيث لا يوجد منطق جدلي، بل يوجد قوانين الجدل. أما المنطق فهو قانون التفكير الإنساني المجرد والقائم على عدم التناقض.

الآن يمكن أن نضع المخطط الثاني للمرحلة الثانية “مرحلة التفكير المجرد الذي ينتهي بالتعقل”:

مرحلة الهبوط الثاني:

بعد أن تلقى آدم الثالث القفزة الأساسية وهي بداية التجريد حصل الهبوط الثاني وهو الانتقال إلى مرحلة اكتمال التجريد واكتمال العلاقة المنطقية. في هذه المرحلة بدأ الإنسان باكتساب المعارف وبداية العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والتشريعية في أشكالها البدائية. لذا قال {قلنا اهبطوا منها جميعاً}. وأتبعها بقوله: {فإما يأتينكم مني هدىً فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (البقرة 38).

لاحظ الفرق بين التعقيب على الهبوط الأول بقوله: {ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين} (البقرة 36). وبين التعقيب على الهبوط الثاني {فإما يأتينكم مني هدىً}. وقد جاءت هذه الصيغة للمستقبل، وقد أرسل الله رسلاً للهدى بواسطة الوحي. وهل يمكن أن يكون هناك وحي من الله لإنسان دون أن يملك الإنسان لغة مجردة “لسان” لكي يوحي له بها.

الاصطفاء:

{إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين} (آل عمران 33).

لقد حصل الاصطفاء في مرحلة آدم الثالث: أي أن الذي تلقى التجريد والعلاقة الاصطلاحية شخص واحد وعن طريق السمع وقد علمها هذا الشخص للآخرين.

لذا جاءت صيغة الهبوط “الانتقال” في الجمع في قوله: {اهبطوا منها جميعاً}. أي هو ومن كان معه وعلمهم هو تعليماً. وهذا يؤكد قوله تعالى: {قال اهبطا منها جميعاً بعضكم لبعض عدو فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى} (طه 123).

هنا لاحظ التعليق على قوله “جميعاً” بعد “اهبطا منها” حصل القول لمثنى والتنفيذ للجمع لأنه لو حصل الهبوط لاثنين فقط فإن كلمة جميعاً لا معنى لها لأنه لو كان الخطاب موجهاً إلى جزء من كل لقال “أجمعون” كقوله: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (الحجر 30) أي أن السجود ليس من كل الملائكة وإنما حصل من الذين وجه إليهم القول: ولو قال: “فسجد الملائكة جميعاً” لعنى بذلك جنس الملائكة كلهم، وكقولك “فجاء الناس كلهم أجمعون” أي جاء الناس الذين وجهت إليهم الدعوة فقط. ولو قلت “فجاء الناس كلهم جميعاً” لكان معنى ذلك مجيء الناس بدون استثناء. وهنا قوله جميعاً هي للكل، لذا أتبعها بقوله: {فإما يأتينكم مني هدىً}.

وهذا ما نراه حتى يومنا هذا عند كل أهل الأرض أن العلاقة الاصطلاحية بين الصوت والمدلول “الاسم والمسمى” لا تأتي إلا تعليماً أي أن الشخص الذي يعرف العلاقة الاصطلاحية يعلمها للشخص الذي لا يعرفها. وهذا ما يحصل عند تعليم الأطفال الكلام من قبل الوالدين والمجتمع، فالطفل يمكن أن يقلد صوت الهرة والكلب دون أن يعلمه أحد، ولكن لا يمكن له أن يعلم لوحده كلمة الهرة أو الكلب.

ولو ولد إنسان وعاش لوحده في غابة فإنه يستطيع أن يمر بمراحل آدم الأول والثاني ولكنه لا يبلغ مرحلة التجريد أي بإعطاء علاقة اصطلاحية بين الصوت والمدلول كما حصل عند آدم الثالث إلا إذا علمه إياها أحد. وهنا يكمن الاصطفاء لآدم الثالث. والذي هو أبو الإنسان وأبو الجود التاريخي وليس أبا البشر. وعندما نقول عن أنفسنا إننا نحن بنو آدم فهذا لا يعني أننا نحن أبناءه بشكل فيزيولوجي مباشر ولكنه يعني أولاً: أننا نحن من الجنس الآدمي المتكيف المتلائم. وثانياً أن آدم المصطفى والدنا، فنحن أبناؤه من حيث الأنسنة، حيث نقول في اللسان العربي إن فلاناً ابن المدينة أي ولد في المدينة وأخذ طباعها. ونقول إن فلانا ابن أبيه ونعني بذلك أن أباه علمه وأخذ طباعه فكان نسخة عنه أما نوح وآل إبراهيم وآل عمران فهم من أبناء آدم بالمصطفى من صلبه أي من أبنائه لقوله: {ذريةً بعضها من بعض}.

لذا فإن الإنسان الذي تعلم التجريد ومشى فيه استمر إلى يومنا هذا والذي لم يجرد وبقي على العلاقة الطبيعية فقد انقرض، وهذا ما يسمى بالإنسان الحديث فهو الإنسان الذي اكتمل عنده حد أدنى من العلاقات المجردة أي أصبح له لغة ولو في أدنى مستوى تجريدي.

إبليس:

لقد شرحنا سابقاً مفهوم الشيطان وقلنا إن هناك نوعين من الشيطان: الشيطان الفعلاني من “شاط، شيط” وهو أحد أطراف العملية في جدل الأضداد في الفكر الإنساني، والشيطان الفيعالي من “ِشطن” وهو وجود مادي خارج الوعي.

أما إبليس فقد جاء من “بلس” وتعني في اللسان العربي اليأس والقنوط كقوله: {فإذا هم مبلسون} (الأنعام 44).

وهنا يجب أن نميز بين الملائكة وإبليس، فإبليس كان من الجن وهي مخلوقات عاقلة مكلفة وجدت قبل الإنسان عندما كانت الأرض ما زالت ملتهبة وقبل أن تبرد لذا قال: {وخلق الجان من مارجٍ من نار} (الرحمن 15}. وقال: {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} (الحجر 27). والجان لها بنية مادية تختلف عن البنية المادية للإنسان بحيث تأخذ هذه البنية أشكالاً مختلفة، ويمكن أن تكون هذه البنية موجية لذا قال: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرساً شديداً وشهباً} (الجن 8). {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} (الجن 9).

هذا الكلام لا ينطبق إلا على مخلوقات يمكن أن تأخذ بنية موجية. ومنه نفهم أن إبليس ليس له علاقة بالملائكة لا من قريب ولا من بعيد وإنما وجد على الأرض كآدم ولكنه قبله.

ثم قال الله للملائكة أن يسجدوا لآدم، ونحن علم أن {قوله الحق} فإذا تفحصنا الآيات حول هذا الموضوع رأيناها كما يلي:

{ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس لم يكن من الساجدين} (الأعراف 11). هنا لاحظ كيف وضع إبليس في محل خبر بقوله: {لم يكن من الساجدين}. ثم ليبين بشكل قاطع أن الله قال للملائكة قولاً وأمر إبليس أمراً اتبعها بآية منفصلة بقوله: {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نارٍ وخلقته من طين} (الأعراف 12). ثم لاحظ أن إبليس ليس له علاقة بالملائكة ولم يخرج من الأرض كآدم لذا قال له كقوله لآدم: {قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين} (الأعراف 13).

ولكي يؤكد أن إبليس عصى الأمر ولم يخالف القول قال: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس الظالمين بدلاً} (الكهف 50).

أما قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى} (طه 116). {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فشقى} (طه 117). هنا تعبير {إن هذا} اسم إشارة للدلالة على أن أحد الشياطين الفيعالية هو إبليس لأنه وجود مادي خارج الوعي فهنا يجب أن نميز بين مهمة الشيطان الفعلاني التي هي تحويل الحقيقة إلى وهم وهو الذي قال عنه: {فوسوس إليه الشيطان}. ومهمة إبليس “الشيطان الفيعالي” التي هي مخالفة الأمر لذا قال عنه: {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون} (الأعراف 27).

لاحظ كيف جاءت “الشياطين” بصيغة الجمع. وبما أن أوامر الله ونواهيه بدأت من عهد آدم بأبسط الأمور {لا تقربا}. وأن أهم أوامر رب العالمين بدأت بموسى وانتهت بمحمد صلى الله عليه وسلم وهي الصراط المستقيم “الوصايا والحدود جزئياً أو كلياً لم تكن قد جاءت بعد قال: {قال أنظرني إلى يوم يبعثون}. (الأعراف 14). {قال إنك من المنظرين}. (الأعراف 15). {قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم} (الأعراف 16). {ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين} (الأعراف 17).

هنا نلاحظ قوله: {لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} والصراط المستقيم بدأت بالتوحيد {لا تشركوا به شيئاً}. وانتهى بالوصايا العشر والحدود لذا قال: {أنظرني إلى يوم يبعثون} ولكي يبين أن الشيطان الفيعالي “هو وجود خارج الوعي الإنساني” قال: {لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم} (الأعراف 17).

لذا فان مهمة الشيطان الفعلاني هي مهمة تحويل الحقيقة إلى وهم في الفكر وزرع الفكر بالأوهام “المثالية” فهي مهمة معرفية بحتة ليس لها علاقة بالحلال والحرام، أما مهمة “إبليس” الشيطان الفيعالي فهي خارج الوعي الإنساني وهي خلق ظروف موضوعية لحض الناس على مخالفة الصراط المستقيم الذي له علاقة بالحلال والحرام فقط “الأخلاق والحدود”.

أما قوله: {فدلاهما بمغرور فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سواتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين} (الأعراف 22).

هنا تصف الآية التصرف الطفولي البدائي للإنسان عندما يشعر أنه اقترف ذنباً إذ نرى الأطفال الآن عندما يقترفون ذنباً فإنه بإدراكهم الطفولي يحاولون الاختباء والاختفاء عن الأعين أي {بدت لهما سواتهما}. لا تعني ظهرت الأعضاء التناسلية ولكن بدا لهما أن هذا العمل سيء ومنها جاءت السيئة والسيئات وهنا بين مرحلة بدائية من مراحل وجود الضمير الذي يؤنب الإنسان والتصرف البدائي الطفولي لردة الفعل للضمير الإنساني الذي بدأ بالتشكل.

علماً بأن جنس آدم عند نفخه الروح كان عارياً لا يعرف الملابس وكان يعيش في منطقة ذات مناخ حار حيث قال: {لا تظما فيها ولا تضحى} (طه 119).

رابعاً: مرحلة الإنسان القديم من آدم إلى نوح

لقد بدأ القصص بعد آدم بنوح مباشرة، ولم يغط الفترة الطويلة بين آدم ونوح حيث أن البش التي تعلمت التجريد من آدم المصطفى في كل منطقة وجد فيها البشر استمرت عملية الأنسنة. حيث قلنا إن البشر انتشرت قبل الأنسنة وأن آدم كان في أكثر من منطقة أي أن آدم المصطفى كان أكثر من واحد في أكثر من منطقة. وإن البشر التي لم تتعلم التجريد منه انقرضت وهذا ما يسمى بالإنسان القديم الذي انقرض لأنه لم تتم عنده عملية الأنسنة بالتجريد.

أي أن الإنسان القديم هو الإنسان الذي بقيت عنده العلاقة الطبيعية بين الصوت والمدلول دون القفزة إلى العلاقة الاصطلاحي. لقد بدأ القصص القرآني بنوح لأنه يعتقد بأن نوحاً يمثل بداية التاريخ الإنساني الحديث في منطقة الشرق الأوسط على الأقل، ومرحلة نوح تمثل اكتمال لغة مجردة بأبسط أشكالها حتى حصل الوحي للجنس البشري من الله، لأنه لا يمكن أن يكون هناك وحي بدون لغة تقوم على علاقات مجردة، هذا الوحي بدأ بنوح بأبسط صورة مجردة وانتهى بمحمد صلى الله عليه وسلم فأصبح القرآن قمة التجريد اللغوي عندما وصل اللسان العربي إلى طور “اللسان العربي المبين” واعتبرت لغة القرآن قمة العلاقات المنطقية المجردة. ولكن ماذا يخبرنا القرآن عن الفترة الواقعة بين آدم ونوح.

لقد اعتمد التعليم بعد آدم على المشخص، وذلك بأن أرسل الله من الملائكة رسلاً ترى بالعين المجردة وتسمع بالأذن، لذا عندما بعث نوحاً وكان هنا لغة مجردة في شكلها الأولى قال له قومه: {فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكةً ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولي} (المؤمنون 24).

إذا حللنا هذه الآية نرى ما يلي:

أ – الاستغراب بأن بشراً جاءه وحي من الله ليدعي بذلك الزعامة على قومه علماً بأن قومه تعودوا على أن الاتصال من الله بالبشر كان عن طريق الملائكة لذا قالوا: {ولو شاء الله لأنزل ملائكة}. هنا لاحظ {لأنزل ملائكة}. أي وضع صيغة الإنزال أي أن الملائكة التي بعثها لتتصل بالناس مشخصة وترى بالحواس “قابلة للإدراك” أما عندما ينزل الملائكة ولا ترى بالحواس يستعمل صيغة “نزل” كقوله: {تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمرٍ} (القدر 4).

ولكي يؤكد أن هذه أول مرة يأتي بها الوحي إلى جنس البشر عندهم قالوا: {ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين}.

ب – لقد أكد لهم نوح من طرفه ما يلي: {ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيراً الله أعلم بما في أنفسهم إني إذاً لمن الظالمين} (هود 31).

ج – لقد أكد أن اللغة التي يتكلم بها نوح وقومه هي لغة مجردة مقطعة إلى مقاطع صوتية متميزة وذلك ليبين أن الإنسان أصبح جاهزاً لوحي وذلك في قوله. {حم}. (الشورى 1). {عسق}. (الشورى 2). {كذلك يوحي إليك وإلى الذي من قبلك الله العزيز الحكيم} (الشورى 3).

هنا نلاحظ أن “حم” عبارة عن مقطعين صوتيين متميزين وأن “عسق” عبارة عن ثلاثة مقاطع صوتية مقطعة متميزة. ثم اتبع هاتين الآيتين بقوله “كذلك” وكذلك في اللسان العربي تستعمل في خبر غير ابتدائي للتعليق على خبر ابتدائي والخبر الابتدائي هو (حم –عسق) حيث شرحها بقوله: {كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم}. هنا وضع المفعول به قبل الفاعل لأهمية الخبر، والخبر هو أنه عندما وجد القطعان الصوتيان المتميزان والثلاثة مقاطع الصوتية المتميزة بدأ الوحي وعلى هذا الغرار كان الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم وللذين من قبله لذا أضاف إليها الآية {وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً} (الشورى 7).

ولكي يبين أن نوحاً هو أول من أوحي إليه من البشر قاطبة، وأن به بدأ تاريخ الإنسان الحديث في الشرق الأوسط على الأقل قال: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده.. الآية} (النساء 163).

والآن ما هي الأشياء التي جاءت للإنسان في الفترة بين آدم المصطفى ونوح؟ أي في فترة الانتقال من العلاقة الطبيعية بين الصوت والمدلول إلى العلاقة الاصطلاحية؟

ممارسة الإنسان لدفن الموتى عن طريق التعليم المشخص المباشر “التقليد” حيث أكد الكتاب بأن الإنسان تعلم دفن الموتى تعليماً “فؤادياً” مرتبطاً بحاستي السمع والبصر {فبعث الله غراباً يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال يا ويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين} (المائدة 31).

لقد ذكر هذه الحاثة ليؤكد أن الإنسان كان لا يعلم دفن الموتى، وقبل ذلك كان يترك الموتى في العراء كالبهائم، وهذا يؤكد مرة أخرى قوله تعالى: {وعلم آدم الأسماء كلها}. بأن الأسماء لا تعني الألسن واللغات، لأن الإنسان لا يمكن أن يكون عنده دلالات دون أن يكون لها مدلولات في ذهنه. فكيف يمكن أن يتعلم آدم فعل “دفن” مثلاً باللسان العربي وهذا الفعل ليس له مدلول في ذهنه. لذا فتفسير {الأسماء}. على أنها أسماء الأشياء كلها ولا ندري بأية لغة؟ هل هي بالعربية أو الإنجليزية؟ وأنها جاءته إلهاماً، هذا التفسير هو تفسير خاطئ.

ولقد أكد أن هذه الحادثة حصلت بعد آدم بقوله: {واتل عليهم نبأ ابن آدم بالحق} (المائدة 26). هنا يجب أن نفهم أن ابني آدم لا تعن أولاد آدم المباشرين من صلبه، ولكن نفهمهما كقولنا نحن أبناء آدم بأي نحن أبناؤه بالأنسنة وليس بالبشرية. كقولنا عن الذي تخرج من جامعة دمشق “ابن جامعة دمشق”.

وهكذا نرى أن الإنسان تعلم في هذه الفترة تعليماً مشخصاً فقط وذلك عن طريقين: أولهما عن طريق الملائكة فكانت مشخصة يراها الإنسان ويسمعها وقد سماها النذر، لذا قال: {وإن من أمةٍ إلا خلا فيها نذير} (فاطر 24). لقد أرسل الله هذه النذر إلى كل التجمعات التي بدأت بالأنسنة في كل أنحاء الأرض، هذه الملائكة أعطتهم فكرة أولية عن الله والتوحيد بأبسط صورة البدائية وعن التقرب والعبادة لله بأبسط الصور البدائية المشخصة، وهي تقديم القرابين لله. لذا لا نرى تجمعاً إنسانياً مهما كان بدائياً إلا ولديه فكرة ما عن الله، ولديه مفهوم ما للتضحية والتقرب من الله أولاً والتي تشوهت فيما بعد وأصبحت التقرب من الآلهة.

هذا المفهوم في أبسط صورة بقي عندنا نحن المسلمين في الذبح في عيد الأضحى المبارك وفي هذا قال: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين} (المائدة 27).

هنا نلاحظ أن مفهوم التقوى لم يكن مجرداً بل كان تقبل الله للقربان تقبلاً مادياً محسوساً. ونلاحظ أيضاً نمو مفهوم الضمير الإنساني بالتقوى وظهور المفهوم الاجتماعي لرفض قتل النفس بقوله: {لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} (المائدة 28).

علماً قتل النفس لم يحرمه الله سبحانه وتعالى إلا في رسالة موسى لذا قال: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فسادٍ في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً} (المائدة 32). أي أن الناس قبل موسى كانت تتصرف حسب أعرافها في عقوبة قتل النفس أو في العقوبة التي تستحق قتل النفس.

وهكذا نفهم فقط قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} (الشعراء 105) فنوح إنسان واحد وهو رسول فلما قال: {المرسلين) بالجمع؟ هنا نفهم بأنه قبل نوح كان المرسلون من الملائكة فكذبوهم وكذبوا نوحاً معهم فقال. {المرسلين}.

بهاتين الطريقتين: التعليم المشخص المباشر “التقليد” أو إرسال ملائكة مشخصة تعلم ما يلي بالإضافة إلى دفن الموتى والقرابين:

عن طريق الملائكة المشخصة: تعلم اللباس بأبسط صوره بقوله بعد ذكر آدم الثالث والانتقال إلى مرحلة الأنسنة مباشرة: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يواري سواتكم وريشاً ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون} (الأعراف 26). هنا نلاحظ كيف ذكر عن اللباس الإنزال ولم يذكر التنزيل أي أن الإنسان أدرك اللباس عن طريق شيء ما قلده. ولو ذكر التنزيل للباس لعنى بذلك أنه أرسل ملابس مخيطة من عنده، أي جاءت الملابس بعينها من عند الله وليس فكرة الملابس. أي أن بدايات الإنسان الحديث كان الإنسان يلبس شيئاً ما، وهذا الشيء شرحه في سورة النحل “انظر فصل المفاهيم الجمالية في الباب الرابع”.

وعن طريق التعليم المباشر التقليد اكتشف الإنسان النار واستعملها. لقد ذكر الكتاب أن الإنسان عاش في مناطق لها غطاء نباتي “غابات” ونحن نعلم إلى يومنا هذا أن الغابات يمكن أن تشب فيها الحرائق الطبيعية بدون تدخل الإنسان، وقد تدوم هذه الحرائق مدة طويلة وتلتهم النار مساحات كبيرة كبيرة، وهذه الحرائق، إذا رآها الإنسان فهي ملفتة للنظر، لأنها تصدر حرارة وتضيء في الليل وتنتقل وتتوسع من شجرة إلى أخرى وتسبب خوفاً وذعراً له وللحيوانات التي تعيش معه. فمن تكرار ملاحظة الإنسان لهذه الحرائق، وكيف أنها تنتقل من فرع شجرة إلى فرع آخر، وكيف تسبب الخوف للحيوانات كلها وتصدر حرارة وتضيء في الليل. فعند ذلك أوقد النار منها لنفسه لذا قال تعالى: {الذي جعل لكم من الشج الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون} (يس 80).

هنا ذكر بأن النار التي جعلت من الشجر الأخضر “الغابات” هي التي أوقد منها الإنسان بعد أن رآها مرات عديدة لذا قال {فإذا} ولو أوقد الإنسان النار من أول مرة رآها لقال “فإذا أنتم منه توقدون”.

هنا يعطينا القرآن حقيقة تاريخية كبرى وهي أن الإنسان أوقد النار ممن حرائق الغابات، وعندما أشعل الإنسان النار بواسطة الاحتكاك كان يعرف النار وفوائدها ومضارها وكان بحاجة إليها ومن الاحتكاك اكتشف كيف يشعلها بنفسه.

هذه النواحي التي أعطاها القرآن تعتبر قفزات نوعية هائلة في تقدم الإنسان نحو الأنسنة وابتعاده عن المملكة الحيوانية.

ففي ظاهرة دفن الموتى ظهر مفهوم اجتماعي وذلك بالقيام بعمل ما يتعلق بغيره وله فيه وللآخرين مصلحة.

وفي ظاهرة القرابين ظهر مفهوم التضحية والإيثار، وهو مفهوم التقوى بأبسط صوره والذي جاء فيما بعد بمفهوم العبادات والإيثار.

وفي ظاهرة الامتناع عن قتل النفس تعبير مباشر عن بداية ظهور الضمير الاجتماعي وظهور الأخلاق التي كانت الوصايا العشر “الفرقان” قمتها.

وفي ظاهرة اشعال النار قفز الإنسان قفزة معرفية كبرى حيث أن إشعالها أولاً من حرائق الغابات ثم من الاحتكام مكنته من الدفاع عن النفس والرؤيا في الليل وظهور ظاهرة أكل اللحم مشوياً. ونرى أن الفترة الزمنية الكبرى ابتداء من إشعال الإنسان النار بالاحتكاك “توليد الحرارة من قوة ميكانيكية” إلى توليد القوة الميكانيكية من الحرارة بالمحرك البخاري أخذت الآلاف من السنين.

الإنسان الحديث:

لقد قلنا إن الإنسان الحديث الذي بدأ بنوح كان يملك لغة مجردة في أبسط بصورها حيث سمحت هذه اللغة بظاهرة الوحي علماً بأنه كان هناك مرحلة انتقالية اشترك فيها الوحي المجرد مع الملائكة المشخصين. فعن مرحلة نوح قال: {كذبت قوم نوح المرسلين} (الشعراء 105) وعن مرحلة عادٍ قال: {كذبت عاد المرسلين} (الشعراء 123) ولكن هناك ناحية هامة في مرحلة عاد إذ إنه جاءت الملائكة “النذر” قبل هود ومع هود لذا قال: {واذكر أخا عادٍ إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم} (الأحقاف 21).

هنا لاحظ قوله: {وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه} (الأحقاف 21). لذا كانت هداية هود على أيدي النذر التي عاصرته: {ومن بين يديه}. حيث لم يأت قومه بالبينات المادية التي طالبوه بها: {قالوا يا هود ما جئتنا ببينةٍ وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين} (هود 53). هنا نلاحظ طلب الناس للبينة حيث يعلمنا الله أن لا نتبع كلام أي شخص بمجرد أنه قال كذا وكذا بدون بينات وقد كانت بينة النبي صلى الله عليه وسلم هي القرآن “النبوة” الذي هو تصديق بالذي بين يديه “الرسالة”.

وكذلك قال في ثمود {كذبت ثمود المرسلين} (الشعراء 141). وكذلك قال في لوط: {كذبت قوم لوط المرسلين} (الشعراء 160). وقوله: {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب} (هود 77). ولإبراهيم أيضاً جاءت الملائكة المشخصة بالإضافة إلى الوحي في قوله: {ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاماً قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حينئذٍ}. (هود 69). وقد انقطعت الملائكة عند موسى حيث بعث الله معه أخاه هارون، وعند عيسى، وعند محمد صلى الله عليه وسلم.

ولكن بينات موسى وعيسى كانت خارج النبوة والرسالة وكانت مادية مشخصة. أما بينة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت نبوته (القرآن) وفيها قمة العلاقات المجردة أي أن المعقولات سبقت المحسوسات وعند هذا نضجت الإنسانية مهيأة لتتم مسيرة التطور والأنسنة لوحدها إلى قيام الساعة.

إن القصص في الكتاب يعطينا تطور التشريعات في الرسالات والمعلومات في النبوات بالنسبة للإنسان الحديث ابتداء من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم. وهنا يكمن سر القصص. وهكذا يجب أن يدرس القصص في الكتاب. أما من يقول إن القصص جاء لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم فهذا نوع من العبث. وإن من يقول عن قوله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين} بأن تكذيب نوح هو بمثابة تكذيب للرسل التي جاءت من بعده فهذا عبث أيضاً لأن الإنسان يمكن أن يكذب من معه ومن قبله ولكنه لا يكذب من هو بعده. فتكذيب قوم نوح له ولمن قبله لا يعني تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم إذ ليس لهم آية علاقة بمحمد صلى الله عليه وسلم وإلا فإنهم شركاء لله في معرفة سياق التاريخ الذي هو غيب بالنسبة لهم. والله أعلم.

 

7 تعليقات

  1. محمدالهادي أرناؤوط

    هناك بعض الأخطاء المطبعية

  2. إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ……..
    كيف الفساد فى الاية هذه جزاؤه فظيع بالشكل ده و حضرتك بتقول انه غير مقصود؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟


    الأخ مصطفى
    هذه العقوبات الجسدية كلها حدية وليست عينية، أي حد أعلى يمكن تخفيفه وفق قوانين المجتمع، والمفسدون هنا من حاربوا الله ورسوله، أي من خطف وسرق وأرهب الناس بالسلاح فعقوبته الإعدام، وهذه عقوبة جنائية وليس لها بعد سياسي، أي هي عقوبة البغي بغير الحق باستعمال العنف كالسطو المسلح وأخذ الرهائن … إلخ.
    أما البغي بغير الحق بدون استعمال العنف (السرقة بأنواعها) عقوبتها السجن، وحدَّها الأعلى المؤبد يمكن تخفيفه .

  3. السلام عليكم د.محمد شحرور

    بصراحة أستفدت الكثير من شروحك و أظن ربما لم أفهم ما أعنيه من سؤالي ولكن سألقيه و أتمنى أن تجيب عليه :

    أظن إنك ذكرت أن الجنة (الفردوس) لم يخلق قبل آدم.
    إذا هذا ما قلته إذن بحسب معلوماتي البسيطة أن الجن [مخلوقات قبل آدم] و إنهم مكلفون, هل كان لهم عذاب أم لا و هم مكلفون ؟

    وبصراحة يا دكتور لم أستوعب جيدا عن قصة [آدم], فأنت قلت انه لم يكن شخصا واحداً [وأن آدم كان في أكثر من منطقة أي أن آدم المصطفى كان أكثر من واحد في أكثر من منطقة], وهل هذا يعني ان الشجرة لم تكن واحدة ؟ و مالفرق بين آدم و إنسان و بشر ؟

  4. ما قلته عن آدم وان هناك اكثر من آدم وانه آيس ابو البشر جميعاً ..الخ كل ذلك مردود بقوله تعالى في سورة الإسراء : { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ( ٦١ ) قَالَ أَرَءيْتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً ( ٦٢ ) قَالَ ٱذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوفُورًا ( ٦٣ ) وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى ٱلأَمْوٰلِ وَٱلأَوْلَٰدِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ ٱلشَّيْطَٰنُ إِلاَّ غُرُوراً ( ٦٤ )
    إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٌ وَكَفَىٰ بِرَبّكَ وَكِيلاً ( ٦٥ ) }صدق الله العظيم
    فقوله : { قَالَ أَرَءيْتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً }
    دليل قاطع على ان آدم واحد وان الشيطان توعد بغواية ذريته آي ذرت آدم

  5. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    أخي الكريم للآسف الشديد أصبت بالغثيان من بداية قراتي لكلامك وتحليك للآيات القرآنيه وللآسف الشديد أصبحنا نفسر القرآن بشكل صريح وقطعي وكأننا قد حوينا كل العلم من الـتأصيل اللغوي والمنطقي والعلمي و و ….. لنتكلم بهذا الشكل القطعي الحاسم .للآسف ظهر زمان ان يتكلم كل أحد بشكل لا يستطيع فيه إلا العالم المتبحر وفي ما يخص علمه فقط .أنت أصبحت عالم لغوي ومفسر نحرير وعالم طبيعه وعالم فسيلوجي وعالم أنثرلوجي وعالم تحليل خطير كله في شخصك الكريم .

    لو تكلم الأنسان بقدر علمه المتخصص فيه لما وجدنا هذ اللغط الكبير .أرجو ان نتكلم بصوره متخصصه في ما نعرفه في موضوع واحد فقط (ورحم الله عبدا عرف قدر نفسه ).

    فأين غابت عنك قاعدة وضوابط المفسر للقرآن الكريم .فأي ارضا تقلك وأي سماء تظلك وقد تجرأت على تفسير آيات القرآن الكريم بشكل تفصيلي مطول عن نشأة الانسان وهو أعظم خلق الله في الكون .وتكلمت عن سيدنا آدم عليه السلام بهذه الوقاحه .
    للآسف يتضح لي انك مؤمن بنظرية التطور السخيفه التي هي أصل وأساس الذي يبنى عليه الألحاد نظريته الغبيه .فكل شئ يتطور وأصل الكون وكل شئ هو التطور الذي يبنى على سخافة ان هناك أنفجار عظيم وبدأ يحدث كل هذا الخلق.وأنا كمتخصص في علم الفيزياء أؤمن بوجود بدايه للخلق كما وصفه المولي (الأنبياء – الآية 30)أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُو) فكانت شئ واحد ملتصق ولكن لا نعرف كيف حدث ولماذا وهل هو أنفجار أعظم بالعلم القطعي ولكن كلها نظريات تحاول أن تجيب عن أصل الكون .وأنا مع ضرورة ان يبحث الانسان ولا يعطل عقله ولكن ضد الحكم بشكل قطعي لان معظم نظرياتنا في هذا الشأن مبنيه على أفتراضات فقط .فعلينا أن نؤمن بعظمة من يدير هذا الأنفجار الأعظم ليصنع منه هذا الكون البديع بهذا النظام الدقيق .فأي أنفجار عندنا لا يصنع إلا الدمار والفوضى والعشوائيه

    أعز الله تعالى آدم عليه السلام من وصفك الحيواني وجعله خليفة للأرض بعد أن عاث فيها الجن ذرية أبليس فيها فسادا وسفكا للدماء وليس الحيوانات بوصفك (وهي لا تسفك الدماء بل تتغذي بما سخره الله لها ) وجعل كل خلقه من ملائكتهم وجنهم (أبوهم أبليس لعنه الله وأخزاه ) أن يسجدوا له (ولم يأمر الله تعالى أحدا أن يسجد لأحد إلا له ) كله لتكريم آدم عليه السلام الذي جعلت منه حيوانا .والآيه واضحه بوجوب السجود بمجرد نفخ الروح (فقعوا له ساجدين تفيد المسارعه)

    أنا اؤمن بالعلم وأهميته ولكن لا يغرك علم الإنسان فهو قاصر وقليل جدا (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) فينبغي عليه ان لا يصيبه الغرور بعلمه السخيف ليفسر كل شئ على ما يسمى علم التطور فعلمنا لا يبلغ إلا كأبره أدخلت في بحر واسع عميق فأنظر بما ترجع به من هذه المياه .أنا ضد كل أحد يغترف من هذا العلم القليل جدا ليفسر به كل آيات القرآن في موضوع معين .

    فبالله عليك هل ما زلت تتطور ؟أم توقف التطور لانك بلغت غايته ؟يقول لك المولى (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم على البر والبحر وفضلناهم على كثيرا ممن خلقنا تفضيلا ) .بعثك ربي في جنة الغابه التى تؤمن بها .

    للآسف الشديد أننا أصبحنا ننشر أي شئ كحرية فكر ولو كان على حساب ديننا وقرآن رب العزه .

    انا اؤمن بحرية الفكر ولكن اؤمن بشئ أعظم وهو أن لكل شئ قدره وحده .الحجر – الآية 21وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ

    القمر – الآية 49إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

    فان لم يكن عندنا حدود وقدر لكل شئ لضاع كل شئ

  6. أخي عبدالله، أنت إنتقدت الدكتور الشحرور بأنه خاض في كل علم حياتي وكانه علم كل شيء، وسلك أنت أيضا نفس الطريق حين فسرت الآيات على طريقتك.

    لا يجوز لأحد أن يحتكر علم الأشياء لأنه لايمكن لأحد أن يدعي أنه يملك الحقيقة، فالعلم عند الله وحده الخالق العظيم الجبار

    تحياتي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .