الفصل التاسع: الجهاد

لقد قرر التنزيل الحكيم حرية الاختيار، وقرر قيام علاقة جدلية بين الكفر والإيمان، وأنه لا يمكن لأحد أن يلغي الآخر، بمعنى أنه لا يمكن إلغاء الكفر، وجعل أهل الأرض كلهم مؤمنين، وذلك في قوله تعالى: {ولو أن قرآناً سُيرت به الجبال أو قطّعت به الأرض أو كلم به الموتى، بل لله الأمر جميعاً، أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً، ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعةٌ أو تحل قريباً من دارهم حتى يأتي وعد الله، إن الله لا يخلف الميعاد} الرعد 31.

حيث تبين لنا الآية بشكل قاطع أن القرآن يعالج المواضيع الكونية لا المواضيع التعبدية أو التشريعية، فذر تسيير الجبال، وتقطيع الأرض، وتكليم الموتى، كما تبين لنا أن جدل الكفر والإيمان، الذي هو من جدل الإنسان، لا ينتهي بهداية الناس أجمعين، لكن الله شاء وتركهم أحراراً في اختيارهم. لهذا، فعلينا نحن المؤمنين، من الناحية العقائدية، أن نسلم بوجود الكفر كطرف آخر، وان لا مجال لإلغائه، بل بإقامة علاقة جدلية معه، وهذه العلاقة حددها التنزيل بمستويين:

المستوى الأول – المستوى العقائدي: وهو حق كل إنسان في أن يختار الإيمان أو الكفر بملء حريته وإرادته وبدون إكراه وفي هذا المستوى جعل الله عقوبة الكفر أخروية بحتة. وأعفانا بل منعنا من إكراه الناس على الإيمان، والضغط عليهم كي يؤمنوا، وفي هذا المستوى العقائدي قال تعالى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، إنا اعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها، وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه، بئس الشراب وساءت مرتفقا} الكهف 29.

وأعطى القرآن ملء الحرية للناس في اختيارهم بين الكفر والإيمان. وبما أن الكفر ظلم للنفس من الناحية العقائدية، وقد يرتكب الظلم من غير الكافر أيضاً، فقد وسع العقوبة الآخروية وقال: {.. إنا أعتدنا للظالمين ناراً ..}.

في هذا المستوى العقائدي لا يعتبر الكفر أو ما يسمونه الالحاد معيبة دنيوية، بل هو معيبة أخروية حسابها على الله سبحانه، الذي منع الناس من أن يحاسبوا بعضهم بعضاً على المستوى العقائدي، لأنه لو سمح لما استقامت المجتمعات الإنسانية، لأن الحرية غاية الخلق. وبما أن المجتمعات الإنسانية، بالمفهوم المعاصر، شعوب تتألف من أمم، وقوميات تعيش في دول، والدول لها قوانين ناظمة تنظم المؤمن والملحد على حد سواء، فقد سمح الله سبحانه بأن يتعايش المؤمن والملحد ضمن الدولة الواحدة في تسيير أمورهم الدنيوية، دون أن يضطهد بعضهم بعضاً.

ومنع سبحانه بصريح القول أي إنسان على نطاق المجتمع، أو أية دولة على نطاق الدول، من أن تتهم أحداً بإيمانه، أو أن تقول له أنه ملحد، أو هذه دولة ملحدة، ولا سبيل إلى الصداقة والتعايش معها في مجال الحياة الدنيا، وذلك في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا، إن الله كان بما تعملون خبيراً} النساء 94.

فجاءت هذه الآية لتبين أنه لا يجوز، حتى في القتال، أن نتهم من ألقى إلينا السلام بأنه غير مؤمن، حتى لو كان غير مؤمن فعلاً، فإذا كان ذلك كذلك في القتال، فما بالكم بالأمور التي لا تتعلق بالقتال. وهذه الآية من سورة النساء جاءت ناسخة لتشريع معاملات الأعداء في كتاب موسى، وينطبق عليها مصطلح (خير منها) أو (ويعفو عن كثير).

المستوى الثاني – المستوى السلوكي العدائي: وهو الذي يتم فيه فرض الكفر على المؤمنين ويضطهدهم، أي عندما يأخذ الكافر موقفاً من المؤمن، ويحاول أن يفرض عليه هذا الموقف. فالمؤمن إنسان يعترف بالآخر عن طواعية وقناعة، وعندما يعترف الكافر بالآخر عن طواعية وقناعة، فلا سبيل إلى القتال بينهما، ولكن عندما يحاول الكافر أن يلغي الآخر المؤمن، ولا يعترف بوجوده أصلاً، بعند ذلك يصبح القتال مشروعاً، لا لإلغاء الكفر، ولكن لتأسيس حرية الاختيار للناس، وحرية العقيدة والتعبير عن الرأي بدون خوف.

وفي هذا المستوى الثاني قال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم، ومأواهم جهنم وبئس المصير} التوبة 73. هنا نلاحظ كيف أضاف أمر القتال الدنيوي إلى العقوبة الأخروية.

لقد بدأ سبحانه الآية بقوله: {يا أيها النبي} ليبين لنا أنها تعليم لا تشريع، وقرن المنافقين بالكفار. وكلنا يعلم من السيرة النبوية الشريفة، أن النبي (ص) لم يتخذ بحق المنافقين، وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول، أية عقوبة دنيوية، لأن العقوبات في الإسلام على الأعمال لا على النوايا. وهذه قاعدة من أهم القواعد التي أسسها الرسول (ص) لبني الإنسان، بأن النوايا لله سبحانه، يجزي بها أو يعاقب عليها، أما العقوبات عند الناس فهي على الأعمال.

هنا يتبين لنا أن الخطوط الأساسية للجهاد (العنف) في الإسلام، هي محاربة الاستبداد ونفي الآخر، أي يجب في أي مجتمع أن يسمح بحرية العقيدة بدون أي إكراه، ويسمح بالإيمان والالحاد على حد سواء، وأن يكون حق المؤمن في إيمانه، وعباداته، والتعبير عن رأيه بصراحة، كحق الملحد تماماً في إلحاده، وفي التعبير عن رأيه بصراحة. فإذا ما تحقق ذلك، أصبح العنف العقائدي غير مبرر، والاستبداد، كما شرحنا سابقاً، مستويات غير المستوى العقائدي، منها السياسي، والاقتصادي، والاجتماع، والعرفي، لكنه بكل مستوياته على نوعين: داخلي وخارجي.

ويأخذ في الحالتين نفس التعريف، وهو إلغاء الآخر، وعدم الاعتراف به. وأعتقد أن هذه الناحية تشرح لنا كيف ظهرت العبودية منذ فجر التاريخ. فظهور العبودية يحمل شقين. الشق الأول، إلغاء الآخر وعدم الاعتراف به كند مكافئ من الناحية الإنسانية، ولكن هذا الشق غير كاف للعبودية بدون الشق الثاني، وهو أن هذا الآخر قبل هذا الوضع. أو بتعبير آخر، غلبت عنده الأنا البشرية على الأنا الإنسانية. أي أن:

العبودية = عدم اعتراف الآخر بالأنا كند + الأنا البشرية > الأنا الإنسانية

فمع تحقق هذين الشقين نشأت العبودية منذ فجر التاريخ، وما زالا كذلك حتى يومنا هذا، في العبودية بكل ظواهرها ابتداء من العبودية المنزلية بين الرجل والمرأة، وانتهاء بالعبودية في أعلى مستوياتها بين الدول.

من هذا المنظار سنحلل آيات الحوار بين ابني آدم، كما وردت في سورة المائدة {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قرباناً فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين} المائدة 27 و28 {فطوعت بله نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} المائدة 30. ونتبين ما يلي:

1 – كان التقرب من الله مشخصاً (القرابين) ولم يصل إلى مرحلة التجريد (الصلاة والصوم والزكاة) إلا في عصور متأخرة.

2 – أرادت أنا الثاني، أن تلغي أنا الأول بالقتل.

3 – تغلبت الأنا الإنسانية عند الأول على الأنا البشرية، أي تغلب الشعور الإنساني عنده على غريزة البقاء وغريزة التملك، فوصل إلى موقف اللامعقول، وقبل أن يضحي بنفسه، ولو لم يفعل ذلك لأصبح عبداً للأول.

وبعبارة أخرى، كلما تغلبت غريزة البقاء وغريزة التملك عند الإنسان على الأنا الإنسانية عنده (الحرية والكرامة – اعتراف الآخر به كند) يصبح الإنسان عبداً، وقد حصل ذلك منذ قدم التاريخ حتى اليوم، على مستوى الأفراد وعلى مستوى الدول.

وتعتبر هذه المتراجحة من أصعب المتراجحات إذا عكسناها، أي كانت الأنا الإنسانية فيها أكبر من الأنا البشرية (غريزة البقاء والتملك والشهوات الدنيوية). فإذا ما انعكست هذه المتراجحة بالشكل الذي أشرنا إليه، يصل الإنسان إلى موقف اللامعقول. أي إذا هدرت كرامة الإنسان من أجل الطعام، وأراد أن يدافع عن كرامته (الأنا الإنسانية لديه) كان موقفه هذا في التضحية بحياته لا معقولاً، عندما يتم تحليله بالمقاييس المادية المعقولة.

لذا عوض الله سبحانه هؤلاء الناس تعويضاً مادياً من جنس التضحية، وهو الحياة والشهوات الدنيوية، فاعتبرهم شهداء ووصفهم بقوله: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم ..} آل عمران 169 و170. هنا نلاحظ أن التعويض الإلهي من نفس جنس التضحية (الحياة + الرزق) في قوله: {أحياء عند ربهم يرزقون}.

من خلال استعراض أحداث التاريخ، نجد أن موقف اللامعقول هذا (التضحية بالأنا البشرية وبالرزق) صدر عن أناس مؤمنين، وعن أناس غير مؤمنين. إذ المهم في الأمر هو القضية التي تكافح من أجلها الحرية يأخذ مستويات مختلفة (عقائدي، اقتصادي، اجتماعي، سياسي) لكنها كلها لا تخرج عن الكفاح للحصول على اعتراف الآخر كند، أي اعتراف أنا الآخر بأنا الذات كند في البشرية والإنسانية. وعندما يتم ذلك، فلن تبقى أية مبررات لشيء اسمه عنف أو كفاح، ويبقى شيء اسمه الحوار والتعايش وطرح الأفكار. فرأس الكفاح هو الحصول على اعتراف الآخر بحرية الفكر والتعبير عن الرأي بالوسائل السلمية المتاحة.

يبقى لدينا أنه لا يمكن أن يصل الإنسان إلى موقف اللامعقول (التضحية) بدون عقيدة شمولية للحياة والكون والإنسان، مبنية بكل أسسها على المعقول. فإذا حللنا نظرية العقيدة في الإسلام كما وردت في التنزيل الحكيم، رأيناها كلها تقوم على المعقول، لارتباطها موضوعياً ومنطقياً مع قوانين الطبيعة. هذا الطرح المعقول كبداية، يصل بالإنسان إلى اللامعقول في النهاية، من أجل الحرية واعتراف الآخر.

وهؤلاء هم المؤمنون الذين قال عنهم تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ..} التوبة 111، هذه الآية تضع سنة من سنن الله في خلقه، بأن الذي يكافح من أجل الحرية واعتراف الآخر، وحرية الاختيار لدى الناس، لا من أجل فرض آرائه تحت أي شعار، ثم يقاتل ويقتل فإن له الجنة كقانون حتمي لإراد له إذا كان مؤمناً.

أما إذا كان الطرح الفكري بالأصل لا يقوم على العقل والمعقول، فلا يمكن أن يصل إلى موقف اللامعقول المجدي، بل يصل إلى طريق مسدود، وإذا وقع اللامعقول، فهو لا معقول انتحاري، لا يمت إلى عالم الحقيقة بصلة. لهذا فإن تحليلنا لقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} يجب أن يقوم على تحليل الآية نفسها.

  • {لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها، والله سميع عليم} البقرة 256.
  • {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات، أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} البقرة 257.
  • {ألم تر إلى الذي جاح إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأتِ بها من المغرب فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين} البقرة 208.
  • {أو كالذي مرّ على قريةٍ وهي خاويةٌ على عروشها قال أنّى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثتَ قال لبثتُ يوماً أو بعض يومٍ قال بل لبثت مائة عامٍ فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً، فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير} البقرة 259.
  • {وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً، واعلم أن الله عزيز حكيم} البقرة 260.
  • {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً} النساء 51.
  • {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً} النساء 60.
  • {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} النساء 76.
  • {قل هل أنبئكم بشرٍ من ذلك مثوبة عند الله، من لعنة الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت، أولئك شرٌ مكاناً وأضل عن سواء السبيل} المائدة 60.
  • {ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} النحل 36.
  • {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنا إلى الله لهم البشرى، فبشر عباد} الزمر 17.

ونبدأ بفعل {طغى}، فهو أصل صحيح يعني مجاوزة الحد في العصيان. يقال هو طاغ، وطغى السيل، إذ جاء بماء كثير، كقوله تعالى: {إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية) الحاقة 11، قال الخليل: الغضبان والطغوان لغة (ابن فارس) والفعل منه طغيت وطغوت. أما الجبت فتعني الساحر أو الكاهن (رجل الدين).

فالطغيان هو مجاوزة الحد في كل شيء (كطغيان الماء) وهي دائماً تأخذ معنى سلبياً دون أن يكون لها معان إيجابية كقوله تعالى: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} الحاقة 5. والطاغية عند قوم ثمود، الصيحة والرجفة، فالصيحة موجة صوتية تجاوزت حدود تحمل الأذن البشرية، والرجفة الزلزال الذي تجاوز حدود الهزة التي لا تحدث دماراً.

تبدأ الآية 256 من سورة البقرة بقوله تعالى: {لا إكراه في الدين} أي أن الإنسان لا يكره على اعتناق دين، حتى لو كان الإسلام نفسه، ولا يتحقق هذا الشرط إلا بزوال الطغيان وسياسة الإكراه، لأن حرية الاختيار وحرية التعبير عن الرأي هما قدس الأقداس، وهبة الله إلى الناس وليسا هبة أحد كائناً من كان، فرداً أو مجموعة.

هنا نلاحظ الدقة في التعبير، فعندما أخذ حالة خاصة كحالة ثمود قال: {فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية} ولكن عندما وضع سنة عامة لكل أهل الأرض وهي (لا إكراه في الدين} استعمل صيغة (ومن يكفر بالطاغوت}. فصياغة الطاغوت على وزن فاعول للدلالة على استمرارية {لا إكراه في الدين} وأنها ليست حالة خاصة مؤقتة، ومثلها في ذلك الحاسوب والساطور، فالحاسوب هو الجهاز الذي يقوم بعمليات الحساب بشكل مستمر، وليس لمرة واحدة، وكذلك الساطور.

ثم نرى أنه تعالى قدم صيغة {ومن يكفر بالطاغوت} على صيغة {ويؤمن بالله} لأن الإيمان بالله يتطلب الكفر بالطاغوت أولاً (الظاهرة الفرعونية) ثم الكفر بالجبت (الظاهرة الهامانية)، فالإيمان بحرية الناس أحد أسس العقيدة الإسلامية التي تصدق بأن حاملها مؤمن بالله، لذا فقد جعل سبحانه الإيمان بالحرية ونبذ الإكراه أساساً عقائدياً عند المؤمن، لا أساساً سلوكياً شرعياً، تماماً كما دمج الإيمان بالشورى في الممارسة الاجتماعية والسياسية مع العبادات، فجعله كالعبادات غير قابل للتغيير، وجعله من الثوابت مهما تغيرت وتطورت بنية الدول. فإذا نظرنا إلى القاعدتين التاليتين:

لا إكراه في الدين >>> يكفر بالطاغوت >>> يؤمن بالله على نطاق عقائدي

وأمرهم شورى بينهم >>> زوال الطاغوت >>> الإيمان بالله على نطاق اجتماعي سياسي

ثم لاحظنا كيف اتبع ذلك بقوله: {فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} لرأينا كيف تكمن في هذين الأمرين الوحدة الأساسية العامة لكل المؤمنين على الأرض، فمن يتمسك بـ {لا إكراه في الدين} وبالشورى (الحرية والديموقراطية) يصل إلى حالة تسمح له بالتضامن مع جميع المؤمنين، ومع جميع الذين يكافحون من أجل الحرية وإلغاء الطغيان. فإذا اخذنا قوله تعالى: {قد تبين الرشد من الغي} نجده يحتوي على متضادين، الرشد والغي، وينتج لدينا :

لا إكراه في الدين >>> الرشد >>> يكفر بالطاغوت >>> يؤمن بالله (العروة الوثقى)

إكراه في الدين >>> الغي >>> يؤمن بالطاغوت >>> يكفر بالله (انفصام العروة الوثقى)

ولكي يطمئن الله المؤمنين بأنه وليهم، وأن الذي يؤمن بالطغيان له أولياء من دون الله، فقد استعمل مصطلح الكافرين في قوله: {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت} والكفر هنا، كفر بالحرية.

ثم أتبع ذلك بمثال مهم جداً، جاء بعد قوله تعالى: {ألم تر ..} الذي يربط المثال بالموضوعين قبله، الطغيان والإكراه في الدين، وذلك ليؤكد أن أشد أنواع الطغيان وأبرزها وضوحاً هو الطغيان السلطوي، الذي تمارس فيه السلطة الطغيان العقائدي، فيقود بالضرورة إلى إلغاء حرية الاختيار، الذي يؤدي بالضرورة أيضاً إلى إلغاء الشورى، وأعلى مستوى لهذه الظاهرة هو المستوى السلطوي السياسي، لذا جاء المثال سلطوياً بحتاً. في قوله تعالى: {أن آته الله الملك ..} فالطغيان السلطوي، كما عند فرعون، يقود بالضرورة إلى:

  1. طلب الطاعة المطلقة {ما علمت لكم من إله غيري}.
  2. الملكية المطلقة لمقدرات البلد والناس {أنا ربكم الأعلى}.
  3. الفردية المطلقة {لا يشرك في حكمه أحداً}.
  4. التصرف المطلق {فعال لما يريد}.
  5. علوه عن المحاسبة والمساءلة {لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون}.

فقد نسب تعالى هذه الصفات إلى نفسه، ونفاها عن غيره نفياً قاطعاً، ليعلمنا أن معنى (لا إله إلا الله) ليست حاكمية الله في كل صغيرة وكبيرة من حياة الناس، التي تؤدي بالضرورة إلى الطغيان الفردي أو الجماعي، ولكنها تعني أنه لا طاعة مطلقة لغير الله كائناً من كان، وأنه لا ملكية مطلقة لمقدرات العباد والبلاد لغير الله كائناً من كان، وتعني أن الذي يفعل ما يريد هو الله حصراً، أما غير الله فيخضع للحساب والمساءلة كائناً من كان.

وبما أن فرعون تجاوز حده فادعى لنفسه هذه الصفات التي تخص الله تعالى وحده، والتي أطلقت عليه اسم الظاهرة الفرعونية، فقد قال الله لموسى عندما أرسله إلى فرعون {اذهب إلى فرعون إنه طغى} طه 24، النازعات 17، {قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} طه 45، وجاء الطغيان في الخطاب إلى موسى، وإلى موسى وهارون معاً، ليبين أن مكافحة الطغيان من مهمات الرسالة، ومن مهمات النبوة أيضاً، وأن السكوت عن الطغيان كفر بالحرية، وكفر بـ {لا إكراه في الدين}.

أما رد فعل الطغاة في الحياة الدنيا، عندما يتم تحديهم في ربوبيتهم وألوهيتهم، فهو زيادة الطغيان، كما في قوله تعالى: {.. وليزيدن كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربك طغياناً وكفراً، فلا تأس على القوم الكافرين} المائدة 68، ولهذا فإن الله لا يهديهم، ويستزئ بهم، ويمدهم في طغيانهم، لأنهم نسبوا صفات الله الخمس المذكورة أعلاه إلى أنفسهم، وأكروا الإيمان بالله واليوم الآخر.

  • {الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون} البقرة 15.
  • {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} الأنعام 110.
  • {من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} الأعراف 186.

وقد أكد سبحانه أن الطغيان يؤدي بالضرورة إلى زيادة الفساد وانتشاره {الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد} أي أن قانون “الطغيان إلى الفساد” هو من سنن الله في المجتمعات الإنسانية بغض النظر أكان الطاغية مؤمناً أم كافراً. وعلينا ألا ننخدع بانجازات الطاغية المادية، كشق الطرق وإقامة الجسور والسدود، فالطغيان يؤدي بالضرورة إلى تدمير الإنسان، الذي هو أغلى وأهم ما في الوجود.

فإذا فهمنا أن حاكمية الله، هي في عدم نسب هذه الصفات الخمس لغير الله كائناً من كان، نكون قد وضعنا أيدينا على النقطة الجوهر في الطروحات السياسية، أما إذا فهمنا أن حاكمية الله تعني حجاب المرأة، والسواك، ولبس الجلابية، ومنع الموسيقى والغناء، وعمل المرأة، وأمرنا أو منعنا هذه الأمور تحت شعار حاكمية الله، وفرضناها على الناس بحجة أن الله سخرنا لذلك، وأننا نفعله ابتغاء مرضاته، نكون قد وقعنا في فخ الطاغوت. فحاكمية الله هذه، تقود بالضرورة إلى الإكراه، وإلى سلب حرية الاختيار من الناس.

فإذا كانت هذه الحرية هبة الله إلى الناس، حتى في الاختيار بين الكفر والإيمان، فكيف لا تكون في اختيار اللباس؟ والشرع الإسلامي المتمثل في حدود الله يتناسب مع قوانين الطبيعة وفطرة الإنسان، ولو لم يكن كذلك، فلا حاجة لأحد به، ولأصبح عبئاً ثقيلاً على الناس يحملونه مخالفاً لفطرتهم ولقوانين الطبيعة، ظانين أن هذا هو طريق الجنة. ونعود إلى قوله تعالى في البقرة 258:

أن آتاه الله الملك >>> السلطة السياسية وهي أعلى سلطة

إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت >>> نفي الربوبية عن أية سلطة مهما علت

قال أنا أحيي وأميت >>> ادعاء الربوبية عن طريق العفو والإعدام

إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب >>> ربوبية الله في قانون دوران الأرض حول الشمس

فبهت الذي كفر >>> عجز الإنسان عن تغيير قوانين الربوبية

ثم تأتي الآيتان 259 و260 لتشير الأولى إلى قانون آخر من قوانين الزمن، وكيف سرى على الحمار، وتوقف عن الطعام. ولتشرح الثانية قانوناً ثالثاً هو قانون البعث بإحياء الموتى، والخلق الجديد الذي لا علاقة له بالخلود، لأن الذي مر على القرية فأماته الله مائة عام ثم بعثه، قد مات بعد ذلك، وكذلك الحمار. كل هذا ليمنح الله الناس الاطمئنان إلى أن الذي يدعو إلى الحق بالحجة، يستطيع أن يواجه أية قوة، مهما كانت غاشمة، وأن هذه الكلمة تؤتي أكلها ولو بعد حين، وأن الحق سيظهر. وحتى لو قتل إبراهيم على يد الطاغوت، فإن الذي سيبقى هو حجة إبراهيم، وأن الذي سيفنى هو الطاغوت، فحجة إبراهيم وموقفه في المثل الأول، يقابلها الطعام الذي لم يتسنه في المثل الثاني، والطاغوت في المثل الأول يقابله الحمار الذي أصبح عظاماً في المثل الثاني.

ثم أعطانا الله بعد ذلك قاعدة يقبلها كل العالم المتحضر المتقدم اليوم، هي الشك للوصول إلى اليقين، ومبدأ الاختبار والتجربة. فإبراهيم يؤمن بأن الله يحيي ويميت، لكنه لم يشاهد إحياء الموتى مشاهدة مشخصة عينية، فطلب إجراء اختبار عملي لهذه القناعة، وتم له ذلك، وبهذا أصبح إماماً للناس وليس للمتقين فقط، ونحن نرى الآن أن مليارات الدولارات تصرف على المخابز والتجهيزات، وإجراء التجارب المخبرية، من أجل تأكيد قناعات علمية نظرية، ومطابقتها مع عالم الحقيقة، وهكذا تتقدم الإنسانية وإبراهيم إمامها، ويقف المسلمون خلال أربعة عشر قرناً عند إبراهيم نفسه، هل كان مؤمناً أم كان متشككاً، وينبرون للدفاع عن إيمان إبراهيم، وهو ليس بحاجة إلى دفاعهم، ولو أنهم ساروا على منهجه، ووصلوا إلى القمر، وغاصوا في أعماق البحار، لوفروا على أنفسهم وعلينا، وعلى الإنسانية، الكثير.

نلخص ما سبق فنقول، إنه لا يجوز من الناحية العقائدية إكراه الناس على شيء، إبتداء من الخيارين بين الكفر والإيمان إلى غيره من أشياء دون ذلك. أما من ناحية الممارسة الاجتماعية والسياسية، فالشورى أساس الحياة في الإسلام، وهي نمط أساسي ثابت لا يتغير كالعبادات، ولا يخضع لشروط التطور التاريخي، والذي يخضع للتطور هو طرق التعبير عن الشورى تطبيقاً.

فأين إذن يكمن العنف، الذي سميته بالعنف الداخلي، بنوعيه الفكري والسياسي؟ في هذه الناحية نتبع قوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} الأحزاب 21، أي أن أساس الكفاح الإسلامي يقوم على محاربة الطغيان، المتمثل بالأسس الخمسة سالفة الذكر، بغض النظر عن صاحبها، وعن الألقاب التي يطلقها على نفسه. وتبدأ هذه المحاربة بالمطالبة بشكل سلمي بحرية الكلمة وحرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل المتاحة، وأن الناس متكافئة في التعبير عن رأيها، وهذا هو الجهاد في سبيل الله، كما في قوله تعالى : {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ومن قاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً * وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيرا * والذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} النساء 74، 75، 76.

فالقتال في سبيل {لا إكراه في الدين} هو القتال في سبيل الله، والقتال لإكراه الناس هو في سبيل الطاغوت، حتى لو جاء هذا الإكراه تحت شعار حاكمية الله. إن حاكمية الله بالشكل المطروح الآن، تؤدي إلى حكم رجال الدين (الجبت) وإلى الإكراه (الطاغوت) بنوعيه السياسي والمالي. والطغيان يؤدي إلى العمه، أي إلى الحيرة والتخبط وقلة الإهتداء.

لقد كانت خطة النبي (ص) في كل المرحلة المكية تقوم على جملة واحدة (خلو بيني وبين الناس) أي أن المشكلة كانت في طغيان سياسي ومالي وكهنوتي، منع النبي (ص) من أن يوصل كلمته إلى الناس {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} أي أن نضاله (ص) كله في مكة كان في سبيل حرية الاختيار وحرية التعبير عن الرأي، ولا أحد من مؤمني الأرض يشك في أن نضال النبي (ص) في مكة لم يكن في سبيل الله، وأنه تحمل في سبيل الله كل أنواع الأذى، وكان سلاحه الصبر على هذا الأذى، واحتمل العنف بدون عنف مضاد، وأن كل الذين أوذوا في مكة واستشهدوا، كان إيذاؤهم في سبيل اللهن وكانوا شهداء، علماً أنهم لم يردوا على العنف بالعنف المضاد، فالعنف المضاد يعطي الآخر مبرراً لكل أنواع التصفية الجسدية، فكانت هذه المرحلة، مرحلة احتمال أذى مع قول الحق بكل جرأة للحصول على اعتراف الآخر، وعندما حصل النبي (ص) على اعتراف الآخر (صلح الحديبية) قبل به واعتبره نصراً مبيناً.

هذا هو العمود الفقري للنضال الداخلي في الإسلام، متمثلاً بالحصول على اعتراف الآخر كند، مع التأكيد على أن حرية الاختيار والشورى وحرية التعبير عن الرأي هي من أساسيات العقيدة الإسلامية، وليست مجرد شعارات مرحلية تكتيكية، الهدف منها الوصول إلى السلطة، ثم الضرب بها عر الحائط تحت شعارات أخرى كحاكمية الله، أو الإكراه تحت شعار حكم الشرع الإسلامي أو غير ذلك.

تتمثل حاكمية الله في البنود الخمسة التي تم طرحها، والشرع الإسلامي يتمثل في حدود الله التي تتناسب تماماً مع الفطرة الإنسانية وقوانين الطبيعة، والحركة ضمن الحدود تحددها الأحزاب والمنظمات حسب سياق التطور التاريخي، دون أن يتهم أحد أحداً بالكفر أو بالزندقة، وتحددها المجالس التشريعية المنتخبة (الشورى) أي أكثرية الناس التي يقوم التشريع من أجلها.

إن طرح حاكمية الله بالشكل الذي أوردته، وطرح الشرع الإسلامي كحدود لله، وكتشريع مدني إنساني ضمن حدود الله، سيقبل به حتى الملحد، وسيشعر بحرج شديد في الوقوف ضده، وسيخلق المناخ النظري العقائدي الإسلامي للديموقراطية والتعددية الحزبية وحرية التعبير عن الرأي. لهذا فإن المهمة الأساسية لكل المسلمين، هي خلق تيار من الناس يؤمن بهذه الطروحات، مستعد لتحمل كل أنواع الأذى، فإذا وقع بالعنف الفعلي، كان بمثابة طلقة الخلاص من الطغيان، وأشبه ما يكون بفتح مكة، التي لم يذهب فيها سوى عدد يعد على الأصابع من الضحايا (معركة سلمية بحتة).

أما معارك النبي (ص) بعد الهجرة، فكانت كلها معارك سياسية لتأسيس دولة موحدة في شبه جزيرة العرب، والذي شرحناه بشكل كافٍ في القصاص والعقوبات أي تلازم الشكل والمضمون بين العنف والعنف المضاد، وعندما يضرب المستبد بالعنف فعلى الطرف الآخر الصبر وعدم الرد إذا كان لا يستطيع ذلك، تطبيقاً لآيات الجهاد وعدم إلقاء النفس بالتهلكة (البقرة 195، 88، 20 التوبة 41، الحجرات 15).

إن خلق مثل هذا التيار سيقتضي عدداً من الضحايا (الشهداء) وكثيراً من التضحيات، ثم يأتي بعد ذلك العنف السياسي لتأسيس دولة تقوم على الشورى وحرية الإختيار. والمجموعة التي ستخلق هذا التيار، وتتحمل التضحيات، هي الطليعة، التي ستتحول مع تطور النضال والعمل إلى أحزاب. لهذا، لا يمكننا أن نطلق صفة الثورية على أي حزب أو طليعة، بالمفهوم المطروح أعلاه، إلا عندما تكون خارج السلطة، إذ لا يوجد في السلطة شيء اسمه حزب ثوري أو طليعة ثورية.

وإذا وجد، كان فيه مقتل السلطة ذاتها، لأن الثورة والثورية ستحل محل الدستور والقانون، وسيحكمان الناس بدون استثناء. فالهدف الأساسي من الثورة أصلاً، ترسيخ دستور يضمن البنية الديموقراطية، وحرية التعبير، وحرية الأحزاب. والقانون يتم تشريعه من خلال المجالس الشورية، مع وجود سلطة أساسية رابعة مضمونه في الدستور، هي سلطة الصحافة (الرأي والرأي الآخر)، بالإضافة إلى السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وبما أن الدولة الإسلامية تمثل حاكمية الله في البنود المذكورة أعلاه، وفي حدود الله كتشريع، وفي الفرقان كمبدأ تربوي أخلاقي، فإنها تستوعب في هذه الحالة، حتى غير المؤمنين، لأن الدولة تمثل كل الناس (الشعب) ضمن حدود هي الوطن، ولا تمثل قومية بعينها أو طائفة دينية بعينها، وبما أن الدولة تقوم بالأمور الدنيوية الصرفة، فعلينا عندما نطرح برامج الدولة والحكم، أن نعي أن الدولة تمثل: الاقتصاد والبنية الاقتصادية والسياسية الزراعية والأمن الغذائي، والسياسة الصناعية وزيادة الإنتاج، وخدمات الصحة والتعليم والإسكان، في بنود تنعكس من خلال قوانين تصدرها المجالس التشريعية، وعلينا أن نأخذ هذه البنود بعين الاعتبار، عند انتخاب ممثلين يستطيعون قيادة الدولة والتشريع لها.

إذ لا علاقة للإلحاد والإيمان بذلك، فقانون السير، وقانون الجمارك وقانون تنظيم الجامعات، قانون ناظم للمؤمن والملحد على حد سواء، ولا يوجد قانون سير أو جمارك خاص بالمؤمن، وآخر خاص بالملحد. ولهذا، فإن على الأحزاب الإسلامية حين تطرح برامجها، أن تطرح البرامج الخاصة بالدولة، والتي تهم الجميع، وتنظيم كل أفراد المجتمع، لتأخذ في هذه الحالة فقط دوراً فعالاً.

إن النضال من أجل حرية التعبير عن الرأي والديموقراطية، يتم من خلال الجرأة في قول الحق، بطريقة سلمية، وذلك من خلال المشاكل التي يعاني منها الناس في حياتهم اليومية، بدءاً من رغيف الخبز وانتهاء بأزمة الإسكان والبطالة ومروراً بأزمة الكهرباء. ومن العبث طرح أمور أخروية، لها علاقة باليوم الأخر، من أجل بناء الدولة، لأن المسلم يمكن أن يدخل الجنة وهو في دولة متخلفة، ويمكن أن يدخلها وهو في دولة متقدمة، فالدولة ظاهرة دنيوية صرفة. والدعوة من أجل الحرية دعوة سياسية مفصولة تماماً عن العبادات وعن إطلاق اللحية، وعن لباس الرجل والمرأة، وطرح هذه الأمور تحت شعار حاكمية الله مضيعة للوقت.

كانت الزكاة، بعد وفاة النبي (ص) هي الدخل الوحيد للدولة في عهد أبي بكر (رض)، ولهذا حارب مانعي دفع الزكاة إلى الدولة، وعارضه عمر (رض)، فهم لم يمتنعوا عن دفع الزكاة مطلقاً، بمعنى إخراجها بنصابها أصولاً من الأموال، بل أمتنعوا عن دفعها لصندوق الدولة، فكان موقف أبي بكر صحيحاً من الناحية الإدارية والسياسية، وكان موقف عمر صحيحاً أيضاً من الناحية العرفية البحتة.

ولما أصبح للدول دخل غير الزكاة، كالضرائب وخيرات الأرض من معادن ونفط وغاز، فقد وجب حين نطرح مشكلة الدولة والاقتصاد، ألا ندخل الزكاة في الدورة الاقتصادية وفي الموازنة، لكونها ظاهرة اجتماعية تعبدية، يمارسها الناس بدون تدخل الدولة بشكل فعال أكثر من ممارسة الدولة ذاتها.

أما العنف الخارجي، فهو يأخذ الأشكال التالية:

  1. تهديد عدو خارجي غير مسلم للدولة، أو احتلال أراضيها (الجهاد الخارجي).
  2. تهديد عدو خارجي مسلم للدولة المسلمة ومحاربتها.

لقد أمرنا التنزيل الحكيم بأن نفي بالعهود والمواثيق حتى ولو كانت مع غير المسلمين، وأمرنا بإلغائها إذا كانت مضرة بمصالحنا، وهذا يفتح آفاقاً واسعة للتعاون بين شعوب الأرض قاطبة، المؤمنة وغير المؤمنة، العرب وغير العرب، لذا قال تعالى (براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين} التوبة 1. وقوله تعالى: {.. ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمناً تبتغون عرض الحياة الدنيا ..} النساء 94.

هاتان الآيتان هما أساس العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم، أما الحرب فهي العرض، وليست الأساس في العلاقات الدولية. وقد تكون هذه الحرب رداً على عدوان أو تهديد خارجي يستهدف أرض الوطن وخيراته، وفي هذه الحالة يعتبر التقاعس عن الجهاد جريمة كبرى لا مغفرة لها، وقد جاءنا هذا المثال فيما سمي بغزوة العسرة (غزوة تبوك) عندما شعر النبي (ص) بعد غزوة مؤتة، بأن الروم قد يدخلون شبه جزيرة العرب، فأسرع في حملة احتياطية، لإفهام الروم أنه لا مجال لهم لدخول أرض شبه جزيرة العرب.

عندما يقرأ أحدنا سورة التوبة يعلم مدى التعنيف الذي وجه للمتقاعسين في هذه الحملة، حتى أن الله سبحانه وجه اللوم للنبي (ص) لأنه أذن لبعضهم {عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} التوبة 43.

  1. {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رؤوف رحيم} التوبة 117.
  2. {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم} التوبة 118.
  3. {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبون بأنفسهم عن نفسه، ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصبٌ ولا مخصمةٌ في سبيل الله ولا يطؤون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدوٍ نيلاً إلا كتب لهم به عملٌ صالحٌ، إن الله لا يضيع أجر المحسنين} التوبة 120.

وهذا ما أقرته كل دول العالم، عندما تتعرض دولة لعدوان خارجي، فلها كل الحق بأن ترد على هذا العدوان {والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه}، ولكن عليها أن تمتلك مع هذا الرد أسباب النصر، وأن تتوكل على الله بالعزائم. وهذا يقودنا إلى أن نشرح الفرق بين الرغبة والعزيمة والإرادة.

عندما تحصل المعرفة بالعالم الموضوعي عن طريق البنى الطبيعية (عالم الوجود) أو الاجتماعية (عالم السلوك الإنساني) تتولد الرغبة. والرغبة في اللسان العربي من رغب، وله أصلان، أحدهما طلب للشيء، والجمع منه رغبات، والآخر سعة في الشيء، والجمع منه رغائب (ابن فارس).

والرغبة نوعان، الأول رغبة غير واعية، وهي غريزة في طلب الشيء نتيجة بنية فيزيولوجية كالطعام والجنس، والثاني رغبة واعية، وهي إدراك الشيء ووعيه ثم طلبه. ومنها جاءت الشهوات كرغبات واعية، لا يمكن أن تتولد إلا كنتاج معرفي معين، فالإنسان يرغب في الأشياء حسب مستوى معارفه، فإنسان القرن التاسع عشر لم يرغب إطلاقاً في اقتناء جهاز تلفزيون، لأنه لا يعرفه. لذا نقول أن المستوى المعرفي يولد الرغبات. ولذلك، ولتخفيف رغبات الشعوب يجب ابقاؤها في حالة معرفية متدنية، وهذا شأن الاستعمار والاستبداد السياسي، الذي تعتبر ظاهرة حجب المعلومات عن الناس من سماته الأساسية.

في هذا المعنى جاء قوله تعالى: {ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ..} البقرة 130. أي ترك ملة إبراهيم الحنيفية (التطور والتغير) عن إدراك ووعي، ففي هذه الحالة يسفه الإنسان نفسه عن قصد.

بعد الرغبة تأتي العزيمة، من فعل عزم. وهو أصل واحد يدل على اليقين والقطع. قال الخليل: العزم ما عقد عليه القلب من أمر أنت متيقنة. ويقال ما لفلان عزيمة أي ما يعزم عليه، كأنه لا يعدم الأمر بل يختلط فيه ويتردد.

فالعزيمة هي التيقن من فعل الأمر، وهذا لا يتأتى إلا بمعرفة الأسباب في الظواهر، وتطبيق قانون السببية عملياً، فالعزم يأتي بعد الرغبة، لأنه تطبيق عملي مباشر لقوانين السببية. وهذا ما فعله ذو القرنين عندما عرف الأسباب في الظواهر التي سئل عنها في قوله تعالى: {إنّا مكّنا له في الأرض وآتيناه من كل شيءٍ سبباً * فأتبع سبباً} الكهف 84 و85، فالتمكين في الأرض لا يتأتى إلا من خلال الأسباب (لاحظ مواقع النجوم) فالآية 84 هي معرفة الأسباب، والآية 85 هي تطبيقها العملي الذي تم شرحه في الآيات التي تلتها.

وقانون السببية هو سنة الله في خلقه، أي قوانين الطبيعة، وقوانين التاريخ، وقوانين المجتمع (.. فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً} فاطر 43. وبدون معرفة هذه السنن أولاً، وتطبيقها ثانياً (أي استثمارها) لا يمكن أن تكون هناك عزيمة أو أي كلام عن عزيمة. وبالتالي يلغي مفهوم التوكل على الله، لأنه اشترط في التوكل العزم لا الرغبة {.. فإذا عزمت فتوكل على الله، إن الله يحب المتوكلين} آل عمران 159.

وعندما أراد الله إهلاك القرى، أهلكها من خلال الأسباب، التي هي سننه سبحانه، فهل خلق الله الطوفان من أجل قوم نوح فقط، أم أن الطوفان كان من سنن الله قبل قوم نوح وبعدهم، وكذلك الصيحة، وكذلك الرجفة.

فالمتوكل على الله هو من عرف سنن الله (الأسباب) أولاً، واستثمرها ولو لم يلفظ عبارة “توكلت على الله” حتى لو لم يعرف أن ما يفعله هو عين التوكل على الله.

ثم تأتي درجة ما بعد العزم، وهي الإرادة. فالإرادة نتائج استثمار الأسباب في الحقيقة، أي عندما تتحول الرغبات إلى حقيقة عن طريق العزم، فلا تقل عن عمل أو إنجاز أنه إرادة إلا إذا تم هذا العمل فعلاً، وأصبح في عالم الحقيقة. فالإرادة جاءت من فعل (رود) وهو مجيء وذهاب وانطلاق من جهة واحدة.

أراد الله >>> كن فيكون

أراد الناس >>> من خلال الأسباب

من هنا نقول أن مطلب الوحدة العربية هو رغبة العرب، وعملية تطبيقها هي عزيمة العرب، وبعد إنجازها وتحقيقها هي إرادة العرب، وأينما وجدت الشورى (الديموقراطية) أصبح الطريق إلى الوحدة معبداً فالتناقض الرئيسي عند العرب الآن هو الديموقراطية والاستبداد. ولهذا قال تعالى عن الجدار {فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه} أي أن انقضاض الجدار أصبح حقيقة قائمة، لذا أتبعها بقوله: {فأقامه}. كما قال سبحانه (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ..} (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً} الإسراء 18 و19.

ولهذا، فنحن لا نجد في التنزيل الحكيم كله صيغة “رغب الله” أو صيغة “عزم الله”، لأن إرادة الله مرتبطة بقوله. كما في قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون} يس 82. ولأن قوله الحق.

فالرغبة عند الله تعالى هي كمال المعرفة {وهو بكل خلق عليم} {عالم الغيب والشهادة}. والعزيمة عنده هي في أنه خالق الأسباب. وقد أعطانا الله الإطمئنان بأن معرفة الأسباب من قبل الناس مهمة، وأنها غير خاضعة لمزاج أحد، فقال: {.. فلن تجد لسنة الله تبديلاً، ولن تجد لسنة الله تحويلاً} ويتضح ما قلناه في المتتالية الآتية:

بالنسبة لله سبحانه وتعالى:

الرغبة >>> العزم >>> الإرادة

كمال المعرفة الحقيقي >>> السببية الصارمة >>> الوجود

وهو بكل خلق عليم >>> خالق الأسباب >>> كن فيكون

عالم الغيب والشهادة >>> لن تجد لسنة الله تبديلاً >>> قوله الحق

بالنسبة للإنسان:

المستوى المعرفي للرغبات >>> الرغبة النسبية

استثمار السنن وتطبيقها >>> العزم (التوكل على الله)

الإنجاز الفعلي >>> الإرادة

لهذا، علنيا أن نكون أصحاب عزائم لتحقيق إرادتنا في النصر، وعند ذلك فقط يكون الله معنا. ولهذا، لا مجال لقبول إسرائيل في الوطن العربي على المدى الطويل، لأنها مغتصبة للأرض وللشعب، ومن يقبل وجودها على المدى الطويل فعليه لعنة الله والناس. لكن ذلك لا يمنع أبداً من خطوات مرحلية تكتيكية، وخاصة فيما يتعلق بتصرفات الشعب العربي الفلسطيني ومؤسساته. فالمكر من صفات السياسية، حتى تتوفر لنا العزائم (الأسباب).

لقد تم طمس عزيمة الجهاد من الناحية التاريخية، وتم ربطها بالسلطة، فكلما تهددت السلطة داخلياً، لجأت إلى حل تناقضاتها، بإيجاد يعدو خارجي، حتى لو كان وهمياً. ونلاحظ أن ذلك، بدأ تاريخياً بالأمويين. الذين لجأوا إلى حل تناقضاتهم الداخلية، إثر تحويلهم الخلافة إلى سلطان موروث، عن طريق توجيه الطاقات المتصارعة باتجاه الجهاد بالغزو الخارجي، ليقطفوا في زعمهم حسنة الجهاد و حسنة امتصاص المعارضة، كما نلاحظ أن ذلك تواكب مع بدء تأطير مفهوم دار الحرب ودار الكفر ودار الإسلام في الفكر الإسلامي، مما اقتضى بالضرورة، رسوخ مفهوم النسخ في الآيات، بعد أن وجد أصحاب المذاهب أنفسهم أمام تناقض في آيات الجهاد(1).

مما اضطرهم، لتوليف ذلك كله، إلى القول بنسخ أكثر من 120 آية من آيات الجهاد بحجة أنها مرحلية، تتعلق بجهاد النبي (ص) أول أيام الدعوة، ثم تم نسخها بانقضاء مرحلتها. وقاد ذلك كله إلى أحكام فقهية شرعية طبعت الفكر الإسلامي بطابعها حول دار الكفر ودار الحرب، وحول جواز أو عدم جواز الاستيطان في دار الفكر بالهجرة، مبنية على فهم الجهاد في ظل العنف والسياسة، وما زال بعض المستشرقين من أصحاب الهوى حتى يومنا هذا يعتمدون عليها في النيل من الإسلام.

لقد سئل الإمام المحدث سفيان الثوري، عن المشاركة في حملات الغزو والجهاد فأجاب، إن الذين يجاهدون يهملون واجبات دينية أخرى( ).

وسئل الإمام مالك بن أنس، سيد الفتوى في المدينة المنورة، عن جواز دفع فرسان المسلمين، إلى مزيد من الجهاد في القتال مقابل مال، فقال، الجهاد استحثاث الناس للاقبال على الإسلام، فكيف يجوز القيام بما من شأنه إعراضهم عن ذلك ودفعهم إلى الإمعان في الكفر والهلاك(2).

لقد طبق النبي (ص) أحكام آيات الجهاد كلها، ولم يصلنا عنه أنه قال بنسخ أي من هذه الآيات. فحصر جهاده الداخلي في (خلو بيني وبين الناس)، ووقع الصحيفة مع يهود يثرب، وعقد مع قريش صلح الحديبية، وفتح مكة، وقاتل بعدها الذين قاتلوه أو نكثوا عقودهم معه، لكنه خلال ذلك كله لم يجعل من الجهاد عنفاً يحتكم فيه إلى السيف، ويبادئ به.

نأتي الآن إلى الحرب بين المؤمن والمؤمن، وإلى الحرب بين العربي والعربي، ونبدأ بقوله تعالى:

  • {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالةٍ فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} الحجرات 6.
  • {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} الحجرات 9.

إن آية اقتتال المؤمنين رقم 9 مربوطة ربطاً مباشراً بالآية رقم 6. أي أن الاقتتال بين المؤمنين، والعرب منهم بشكل خاص، يمكن أن يقوم للأسباب التالية:

1 – الظلم، وهو أن يوجد حكم طاغوتي هاماني في بلدين متجاورين، له صفة أساسية هي تفريق الأهالي إلى شيع، يستضعف طائفة منهم ويقوي طائفة، ليذيق بعضهم بأس بعض، وهذه الظاهرة استعملها الاستعمار وما زال، وأخذها حكام الطاغوتية الدكتاتورية. فبوجود هذه الظاهرة في البلدين المتجاورين، تتناقض مصالح الطواغيت أحياناً، إضافة إلى أن الحكم الطاغوتي قوي داخلياً، هش ضعيف خارجياً، قابل للوقوع في الأفخاخ الخارجية بسهولة، للحفاظ على ملكه، ولو أدى ذلك إلى إفساد المجتمع بأكمله. وهذا ما يفعله الأمريكان في دول العالم الثالث {المستضعفون في الأرض} إذ من خواص الظاهرة الفرعونية أن تجعل أهل الأرض شيعاً.

والخلافات بين الطواغيت لا علاقة لها بالمؤمنين ولا بالعرب، فالمعارك تخص الطواغيت الطواغيت وحدهم، وما الناس إلا وقود لا أكثر، وما رفع الشعارات إلا من باب التعمية والتغرير بالناس. هذا النوع من الاقتتال يجب أن نكون حريصين على تجنب الوقوع فيه، لأن حياة الناس ومقدرات الوطن بأكمله ستكون تحت سيطرة الطواغيت الذين يستنجدون بالأجنبي الغريب لحماية أنفسهم، تحت شعارات براقة خادعة، يعلنون شيئاً ويخفون في أنفسهم أشياء أخرى، لأن الطاغوت والوطن اندمجا عندهم في شعار واحد هو (وطن الطاغوت).

وفي هذا يقول تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فإنه منهم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة، فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين} المائدة 51 و52.

نحن هنا أمام مصطلح اليهود والنصارى، وإذا أردنا أن نفهمه فهماً معاصراً فهو الصهيونية والصليبية العالمية. ولا علاقة لهما البتة بأصحاب الديانة اليهودية أو النصرانية الذين يعيشون مع العرب والمسلمين، وتجمعهم معهم رابطة الشعب، ويعيشون ضمن وطن واحد، ولكن الاسقاط هنا هو إسقاط على شعوب مختلفة ودول مختلفة.

لهذا لا يجوز لنا الاستعانة بهذه الدول بعضنا على بعض، لأن من يتولهم فهو مهم، ولو صام وصلى وحج وأدى الزكاة ونطق بالشهادتين وتكلم العربية. ولقد أكدّ سبحانه في الآية 52، أن المسارعة إليهم تأتي خوفاً منهم أو من شعوبهم، كي لا تدور الدائرة على من تسارع إليهم، وهذا يختلف تماماً عن العهود والمواثيق المتكافئة، التي تقوم على أسس تجارية وعلى منافع متبادلة، أكدها سبحانه في قوله: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود..} المائدة 1. وأما الذي لا يوفي بالعقود فقد أمرنا سبحانه أن نفسخ عقودنا معه، على أن نعطيه مهلة، وذلك في قوله تعالى: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين * فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين} التوبة 1 و2.

2 – أما الاقتتال بنوعه الثاني، فهو بين طائفتين من المؤمنين (العرب) لا يوجد عندهم حكم طاغوتي، ويوجد حرية الأحزاب ومجالس العشب وحرية الصحافة واستقلال القضاء. وفي هذه الحالة، يمكن أن يقع بعض الناس في فخ الاقتتال، كما في الآية 6 الحجرات. وهذا يعني أن للدول الخارجية مصالح حقيقية في بث الأنباء الكاذبة والإشاعات بين المؤمنين، ليحرضوا بعضهم على بعض، فيقع أحد الأطراف في هذا الفخ. لذا، خاطب الله المجتمع كله بأن يتدخل للإصلاح بين الطائفتين. وهذا المجتمع قد يكون مؤسسة دولية، أو إقليمية، لها سلطة الإصلاح بين الطائفتين.

أما القتال كما ورد في الآية 9 فهو حتى تفيء إلى أمر الله. وأمر الله هنا في قوله أصلحوا {إنما المؤمنون إخوة فاصلحوا بين أخويكم..} الحجرات 10، هو في الإصلاح بين المؤمنين الإخوة.

أما فيما يتعلق بغي المسلمين ممن شملتهم آية الجزية، وعلى ضوء ما تقدم في فصل الاستبداد ونتائجه، نرى ما يلي:

يقول تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرّمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون} التوبة 29.

ولقد شرحنا في كتابنا هذا، كيف أن التنزيل لا يوجد فيه ناسخ ومنسوخ، كما شرحنا أن الظلم هو وضع الشيء في غير محله، وتطبيق الأحكام في إطارات غير الإطارات التي نزلت من أجلها، وأن التاريخ هو الوحيد الذي يحدد شروط تطبيق أحكام الآيات، كما في آيات القصاص والقتل العمد والقتل الخطأ.

فإذا نظرنا في آية التوبة، رأيناها تضع شروطاً محددة للجزية تقع على جزء من الذين أوتوا الكتاب وليس كلهم، تنطبق عليه المواصفات التالية:

  1. أن يبدأوا بقتال المسلمين، ثم ينتهي هذا القتال بهزيمتهم، بدلالة قوله تعالى: {صاغرين}.
  2. ألا يكونوا من المؤمنين بالله ولا باليوم الآخر.
  3. ألا يحرموا ما حرم الله ورسوله، من قتل وشهادة زور وفواحش.

وإذا نظرنا في ضوء ذلك إلى المواطنين المسيحيين الذين يعيشون معنا جنباً إلى جنب، لهم مالنا، وعليهم ما علينا، فهل تنطبق عليهم الشروط المذكورة أعلاه؟ أنا أراها تنطبق على الذين يقاتلون ويقتلون المسلمين في البوسنة والهرسك، وعلى الذين يقاتلون ويقتلون المسلمين والمسيحيين في الأرض المحتلة، لكنها لا تنطبق نهائياً على المسيحيين الذين يعيشون معنا في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي. بل بالعكس، فالمسلمون العرب والمسيحيون العرب يتعرضون معاً في الأرض المحتلة للقتل، دون نظر إلى عقيدتهم ودينهم.

أما عندما تنطبق هذه الشروط، فتظهر لدينا السماحة في الإسلام، ضمن مفهوم هو أنه إذا بدأ طرف من أهل الكتاب القتال، وهو غير مؤمن بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، ثم قاتلته وانتصرت عليه، استحق حداً أدنى من عقوبة عليه أن يدفعها وهو مذعن، لأنه هو الذي بدأ القتال، وهذا الحد الأدنى هو الجزية، بالمصطلح الذي نعرفه اليوم باسم (التعويضات)، كما نراه في الممارسات الدولية، والذي تندرج تحته عقوبات أخرى كالحصار الاقتصادي.

هنا نفهم السماحة في الإسلام، في وضع كان يمكن أن تكون العقوبات فيه أشد، كالقتل مثلاً أو النفي، حين تأخذ من خصمك اقل من استحقاقك. أما أن نقصر مفهوم السماحة الإسلامية، على جانب السماح لأصحاب الأديان الأخرى بممارسة عباداتهم، وبالحياة جنباً إلى جنب مع المسلمين، فهذا مسخ لا معنى له، وفيه إجحاف بالإسلام والآخرين، الذين هم أناس مثلنا، وحقهم بالحياة معنا مثل حقنا بالحياة معهم تماماً.

لقد تم أخذ الجزية في صدر الإسلام، هذا صحيح، لكن الشروط التاريخية وقتها كانت تختلف عما هي عليه اليوم، والمواصفات المنصوص عليها في الآية كانت متحققة ومجسدة، على غير ما هي عليه اليوم، والصدقات وجزء الغنيمة والفيء، هي المصدر الوحيد لدخل الدولة آنئذٍ، ولهذا فقد تم أخذ ضريبة من المسيحيين بدل الصدقات، من حيث أنهم مواطنين، فكان هذا الإجراء فنياً بحتاً، الهدف منه تأمين دخل لتغطية أعمال الدولة، وعلى رأس هذه الأعمال، أن المسلمين كانوا يقاتلون ملزمين في سبيل “لا إكراه في الدين” ولم يلزموا الآخرين بالقتال معهم، فكانت أشبه ما تكون بالبدل النقدي للخدمة الإلزامية، فاندمج مفهوم الضريبة، مع مفهوم بدل القتال النقدي، وهذه حالة تعاقدية بحتة، وليست حالة إذعان، بدليل إرجاع الجزية في حال الإخلال بالعقد(3).

أما الآن فقد تغيرت آلية الدولة، وتغيرت مصادر الدخل، وأصبح المسيحيون مواطنين كالمسلمين تماماً، في نظام واحد عليه الالتزام بالمثل العليا الواحدة عند المسيحيين والمسلمين على السواء، والالتزام بحدود ما أنزل الله، هذه الحدود التي تنسجم مع الفطرة البشرية الإنسانية، مسيحية كانت أم مسلمة، والالتزام بحقوق الإنسان وكرامته، والحفاظ على حرية الرأي والعقيدة، وحرية التعبير عن الرأي والعبادات، مما يهم كل إنسان مهما كان دينه.

من هنا، فإن من يطرح مفهوم الجزية الآن، دون تحديد لشروطها الواردة في الآية، ويطرح القول بتطبيق هذا المفهوم على المسيحيين العرب، هو إنسان يسيء إلى الإسلام أولاً وآخراً، لعدم توفر الشروط وانطباقها. والمشكلة في هذا الطرح، أن أصحابه أخذوا نموذجاً تاريخياً بعينه، في زمن بعينه، وقالوا هذا هو الإسلام، ثم راحوا ينسخون من هذا النموذج صوراً طبق الأصل، يجهدون في لصقها على جميع مراحل الزمن والتاريخ والحياة، ناسين أو الزمن والتاريخ والحياة هي التي تحدد حصراً شروط تطبيق الأحكام في الآيات، وليس إجماع الفقهاء أو الجمهور أو العلماء.

P2-369

(1) يجدر التنويه هنا، إلى أن التناقض المشار إليه ليس في الآيات ذاتها، بل في طريقة فهمها، ومحاولة توليفها مع مفهوم العنف والسيف الذي ساد ظاهرة الجهاد، والذي فرضته أسباب سياسية أموية كما قلنا.

(2) انظر “اختلاف الفقهاء” لابن جرير الطبري، ص44 و194.

(3) انظر كتاب “العرب والنصارى” لحسين العودات، دار الأهالي.

2 تعليقان

  1. كذب من قال انه لا يوجد علماء في وقتنا ! هذا هو الدين الذي لا يناقض العقل و الفطرة السليمة. الله يحفظك

  2. وفاء الحزائرية

    بعد أن أنهيت قراءة هذا الكتاب “الدولة و المجتمع” ، أقف عاجزة عن شكرك يا دكتور شحرور لأنك أعطيتني تحليلا عميقا و منطقيا لكل من نعيشه من تخلف و فقر و استبداد ، هذا الكتاب يساعد كل من يريد ان يدخل معترك الحياة المدنية أو السياسية لأنه يعطيه بالتفصيل تحليلا عميقا لعقلية الفرد المسلم و لنظام الاستبداد في الدول العربية . و مازلت اعتبره من اهم الكتب التي كتبتها فاذا كان “الكتاب و القران” هو الكتاب الذي اعطيتنا فيه قراءة معاصرة لكتاب الله فان كتاب الدولة و المجتمع هو الذي اعطيتنا فيه قراءة معاصرة و نقدية و تحليلية للمجتمعات العربية و انظمتها

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*