الفصل الرابع: الشعب

كيف ارتبط مفهوم الشعب، كمنظومة سياسية، تحتوي بنية اجتماعية اقتصادية، بمفهوم الوطن والوطنية، وكيف أن القومية (القوم) والأممية (الأمة) تختلفان عن مفهوم الوطن، المرتبط بتشكيل الشعوب والقبائل؟ لا بد للإجابة على هذا، من شرح كيف عبرت قوانين الجدل، بما فيها جدل الإنسان، عن نفسها في تشكيل الشعوب.

لقد رأينا كيف بدأ التجمع الإنساني بالابتعاد عن المملكة الحيوانية، بوعي الأولاد بعد النضوج الجنسي للوالدين، وبوعي الوالدين للأولاد، وكان هذا الوعي موجوداً في مجتمع نوح، أي في بداية الإنسان الحديث، وكيف كانت آية محرمات النكاح هي المفتاح في تطور الأسرة وتشكلها، وكيف كانت الأم أول المحرمات، وبها تشكل مجتمع الأمومة، ثم البنت مع الانتقال إلى مجتمع الذكورة، ثم الأخت لتكتمل الحلقة الأساسية للأسرة، ثم تبعتها العمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت، فاتسعت بذلك دائرة الأسرة الأولية، لتشكل العشيرة مع أسر أولية أخرى، ثم اتسع مجال العشيرة بانضمام عدة عشائر لها صلات قربى لتشكل القبلية، ثم انتسب أناس غرباء هاربين من أماكن أخرى إلى القبيلة للحماية، فكانوا الموالي، وكانوا مواطنين من الدرجة الثانية.

كان مكان عيش العشيرة، ومن بعدها القبيلة، هو المجال الحيوي، الذي دفع أفراد القبيلة لتتحد من أجله، وتدافع عنه في أيام الحروب والقحط، كما في جزيرة العرب، وفي أماكن فساد الدورة الزراعية بسبب سوء استعمال الأرض. وكانت الهجرات تحصل بسبب هذين العاملين (الحروب وبوار الأرض)، فتسبب حروباً طاحنة بين السكان الأصليين والمهاجرين، وكان الدفاع عن المجال الحيوي هو السبب الكامن وراء تشكل العبيد والعبودية والإماء، وبيع الناس كالسلع، وكان ذلك بعد تذليل الأنعام واكتشاف الزراعة والبناء، حيث كان الناس بحاجة إلى يد عاملة مجانية لا تقدر أن تدافع عن نفسها، إذ كان الخيار بعد العبودية أو القتل. هكذا تشكلت الشعوب والحضارات القديمة في الأماكن الخصبة (أرض زراعية، مياه، حرارة) كما في وادي النيل وما بين النهرين وحضارات الصين والهند. وذلك حسب الترتيب التالي:

1

القبيلة

(القومية)

الدولة

(نظام سياسي واقتصادي على أرض المجال الحيوي، الوطن)

2

القبيلة

(القومية)

الدولة

(نظام سياسي واقتصادي على أرض المجال الحيوي، الوطن)

3

القبائل + عبيد

(من قوميات أخرى أو من نفس القومية)

الدولة

(نظام سياسي واقتصادي على أرض المجال الحيوي، الوطن)

4

الشعب

(قوميات مختلفة يمكن أن تحوي أمماً مختلفة)

الدولة

(نظام سياسي واقتصادي على أرض الوطن، كالهند وأمريكا)

5

الشعب

(قومية واحدة يمكن أن تحوي أمة أو أمماً مختلفة)

الدولة

(نظام سياسي واقتصادي على أرض المجال الحيوي، كاليابان)

من هذا التطور التاريخي نشأت العبودية والعلاقات الاقتصادية البدائية، وكان الغزو من أسرة إلى أخرى أو عشيرة إلى أخرى أو قبيلة إلى أخرى، لتوسيع المجال الحيوي، أو للاستبدال بمجال حيوي آخر أكثر خصوبة، مما كان يستدعي قتل المهزوم لتوفير الغذاء للمنتصر، ثم انتقل القتل إلى العبودية. أي أن ظهور العبودية كان تطوراً إيجابياً من الناحية التاريخية، حلت فيه العبودية محل القتل الجماعي أو الفردي.

إلا أن القتل بدأ عند ظهور الملامح الأولى للأسرة (وعي الأم) بقتل الأولاد لتوفير الغذاء، وهي ظاهرة بهيمية صرفة، لذا جاءت الوصية الثالثة في الفرقان بعد الوالدين، بعدم قتل الولد بسبب قلة الغذاء، في قوله تعالى: {… ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ..} الأنعام 151 – ولاحظ كيف قال: {.. من إملاق..} أي أن قلة الغذاء موجودة. هذا من الناحية التاريخية الصرفة، أي أن الوصية الثالثة كانت بتحريم القتل المباشر للولد، ثم تطورت مع الزمن حتى أصبحت الآن تعني الإجهاض، فجاء تحريم قتل الولد قبل تحريم قتل النفس، إذ لم يحرم الله قتل النفس إلا في رسالة موسى.

إن أول ما نلاحظه في المجتمعات القديمة، هو خلوها من الثورات الداخلية الفعالة. فالثورات الداخلية لم تكن أبداً سبباً في هلاك هذه الدول، كما لو أن قانون التناقضات الداخلي كان عاطلاً عن العمل، أو غير موجود. أي أن أسباب القضاء على دول المجتمعات القديمة تكاد تكون كلها خارجية. لكن قانون جدل الأضداد يظل يعمل في الظواهر الطبيعية وفي ظواهر المجتمعات القديمة والحديثة، لكونه المعبّر عن القانونين الأساسيين للجدل المادي، ولجدل الإنسان. ففيه يوجد الغني والفقير، والحرية والعبودية، التي هي وليدة هذين القانونين، اللذين يعملان في المجتمعات منذ أن تشكلت.

فقانون صراع المتناقضات موجود في الشيء الواحد، والشيء هنا هو المجتمع نفسه (الأسرة – العشيرة – القبيلة – الشعب) أي التجمع الإنساني ذو العلاقات الواعية، التي تطورت مع الزمن. أما قانون الزوجية (التأثير والتأثر المتبادل) فهو هنا في علاقة الأسرة بغيرها من الأسر، والعشيرة بغيرها من العشائر، والقبيلة بغيرها من القبائل، وفي علاقة الشعب بغيره من الشعوب (التكيف). هذه العلاقة التي تتجلى:

أ – إما في علاقة المجتمع مع الطبيعة والظروف الطبيعية (أرض، مياه، صيد، ثروات، كوارث).

ب – أو في علاقة المجتمعات الإنسانية بعضها مع بعض، أسر وعشائر وقبائل وشعوب.

وبدأت علاقة التكيف (قانون الزوجية – التأثير والتأثر المتبادل) بعلاقة الإنسان مع الطبيعة وتكيفه معها، ولما كان الإنسان جاهلاً بكثير من قوانين الطبيعة فقد فرضت الطبيعة نفسها عليه، بحيث أصبح هو متكيفاً معها، قبل أن يستطيع تكييفها لصالحه. ثم أصبحت المعرفة بالقوانين وأدوات الانتاج العامل الحاسم في هذه العلاقة، فانتقى الإنسان أماكن سهلة للعيش، ثم اختار مجاله الحيوي، فانتقى الأماكن ذات الصيد الوفير والمياه غزيرة، وسكن الكهوف للحماية، وفي هذا الوقت اكتشف النار، فأعطاه ذلك بعداً إضافياً في السيطرة على الطبيعة، وعلى التجمعات الإنسانية الأخرى. وكانت وسائل الانتاج هي الأحجار (العصر الحجري) ثم تطورت بتذليل الأنعام واكتشاف البناء (المدماك)، فاستقر في مواطن الاستقرار (تربة زراعية – مياه – أنعام – حرارة + بناء). وتشكلت أول حضارة إنسانية مستقرة للإنسان الحديث، وامتلك الإنسان لغة مجردة.

لقد شرحنا مفهوم الأمة ومصطلح القوم كما جاء في التنزيل الحكيم، وأوردنا الآيات الشواهد في معرض التوضيح، وتعمدنا ألا يرد مصطلح الشعب في البحث أو الشاهد رفعاً للالتباس. إلا أن مصطلح الشعب، ورد بدوره في التنزيل الحكيم، كما في قوله تعالى: {انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب} المرسلات 30.

الشعب جاءت في اللسان العربي من فعل “شعب” وهو من أفعال الأضداد، ويعني التجمع والفرقة. وقد جاء بمعنى الفرقة في الآية السابقة، ويأتي بنفس المعنى في قولنا “تشعّب الأمر”، أي تفرق إلى عدة نواح، وقد يأتي بمعنى التجمع والفرقة كما في قوله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} الحجرات 13، فأورد سبحانه هنا الشعوب والقبائل، وأغفل الأمم والقوميات، لكنها جاءت متضمنة في الشعب والقبيلة.

فالشعب مجموعة من الناس {يا أيها الناس} العاقلين، وبالتالي فإن لهم لساناً، وينتسبون لقومية أو قوميات، ولهم سلوك متماثل بالغرائز ومختلف بالثقافات. والشعب، من حيث فيه أمة أو أمم، أعم من مفهوم الأمة والقومية لأنه يتضمنها معاً، ويحتوي، إضافة، على معانٍ ليست موجودة في الأمة والقومية. ففي الخلق قال تعالى: {ذكر وأنثى} ثم حصل تغير في صيرورة هذا التجمع (الناس) فأصبح شعوباً وقبائل على سلم التطور، فكانوا أمة واحدة ثم أصبحوا أمماً. وكما بدأوا بتقليد أصوات الطبيعة والحيوانات (لغة طبيعية)، فقد أصبحوا قوميات بعد أن امتلكوا لغة مجردة.

ولكي نفهم مفهوم الشعب، لا بد أن نربطه بمفهوم متقدم جداً، هو النظام السياسي والاقتصادي. ولا بد من تحديد كيف اجتمعت الفرقة والتجمع في مصطلح الشعب، وكيف احتوت الأمة (سلوك) على قوميات مختلفة، وكيف يمكن للقومية (كأداة اتصال وتفكير) أن تحتوي على أمم مختلفة (ثقافات مختلفة).

أما التجمع والفرقة، فقد جاء من أن كيان الفرد موجود منفرد، ومحافظ عليه في الحرية الشخصية، ومن أن الكل يعيش ضمن قوانين اجتماعية واقتصادية وحقوقية، وبالتالي، فهو يضم مجموعة من الناس بمختلف ثقافاتهم (أمم) وباختلاف ألسنتهم (قوميات). من هذين المفهومين المتضادين في مصطلح الشعب، ينتج الفرق بينه وبين المجتمع البهيمي، الذي تحكمه قوانين غريزية، ولا وجود فيه للأنا، ذلك لأن الشعب، بالمفهوم الإنساني، مجموعة من الذوات المتعددة (الأنا) المنفردة والمتميزة التي لا تنصهر في الكل، ولولا هذه الخاصية لأصبح الفرد مجرد عدد في مجموعة، لا يتميز عن غيره كالبهائم تماماً.

أما في المعنى المقابل المضاد وهو الجمع، فالشعب مجموعة من الذوات المتعددة المتميز بعضها عن بعض، تجمعها علاقات واعية، وتربطها المصالح المشتركة التي يعبر عنها بالمنظومة التشريعية والقانونية، على أرض هي المجال الحيوي تسمى الوطن، وينظم العلاقات بينها سلطة تسمى الدولة، سيطرتها تشمل حدود الوطن.

أما أداة هذه العلاقة الواعية فهي اللغة، لأنها أداة تفكير وأداة اتصال. ومن هنا نرى أن القومية عنصر أساسي مميز مكون للأمة والشعب. وباختلاف الألسن تميز الناس إلى مجموعات على أساس اللغة (القومية). فإذا وضعنا القومية، كأحد أسس بناء الدولة (الشعب)، نكون قد وضعنا قانوناً موضوعياً استثمرناه في خدمة إنشاء الدولة.

لقد وضع القرآن القبيلة والشعب معاً، ولم يضع القومية والشعب، أو الأمة والشعب، وذلك من باب التجانس. فالعرب كانوا قبائل متعددة، مع أنهم من قومية واحدة. فالقبيلة تضم عدة عشائر، والعشيرة عدة أسر، لها مجال حيوي تعيش فيه وتدافع عنه، وتتعدى عند الشح والأزمة الاقتصادية على مجال قبيلة أخرى، فتحصل الحروب بين القبائل مع أنها جزء من قومية واحدة، لها رأس ومدافعون وجهاز كامل بدائي، لكنه يعبر عن منظومة السلطة والمجال الحيوي لهذه القبيلة ووطنها. وعندما تتحد مجموعة قبائل، طوعاً أو كرهاً، وتضم مجالاتها الحيوية بعضها إلى بعض، فإنها تشكل شعباً يعيش في مجال حيوي له حدود هو الوطن، فالوطن والشعب مرتبطان ارتباطاً عضوياً لا انفصام فيه، والقومية والأمة عنصران متضمنان (SUBSTRUCTURE) في مفهوم الشعب.

كان العرب قبائل، بعث فيها النبي (ص)، وأسس الدولة العربية الإسلامية في المدينة المنورة، فكل أرض شبه جزيرة العرب، التي كانت تحت سيطرة الدولة، وعاصمتها المدينة المنورة، هي الوطن. وكل الذين يعيشون في هذه الأرض تحت سيطرة هذه الدولة هم الشعب، بغض النظر عن قوميتهم وعن دينهم (قوميات وأمم)، يعيشون في وطن واحد، له حدود واحدة، وفيه نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي واحد. والعلاقة التي تربط أفراد الشعب، بغض النظر عن أممهم وقومياتهم، هي علاقة المصلحة المشتركة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، التي ينشأ عنها النظام السياسي (الدولة).

إن علاقة الجدل بين الكل والأنا (المجتمع والفرد) في التأثير والتأثر المتبادل، علاقة واضحة في مفهوم الشعب، فماذا يحصل في حال حدوث خلل في هذه العلاقة الجدلية؟ هذا ما نراه في الأحكام الدكتاتورية عندما تطغى الأنا الواحدة على الكل، وتصبح هي المفوضة عن الكل بالكلام واتخاذ القرارات، ويصبح الكل في هذه الحالة مسخراً لأنا واحدة ولرغباتها. ولكن هذه الأنا تبقى إنسانية {إنك ميتٌ وإنهم ميتون} الزمر 30 – وبما أنه لا يوجد إلا أنا واحدة باقية، مسيطرة على هذا الوجود، هي الله، فالمجتمع يقع في ظاهرة الشرك في أوضح صوره إلا إذا كانت هذه الأنا غير قابلة للموت، وهذا غير ممكن، كما نراه في الظاهرة الفرعونية بادعاء الربوبية. فلكي تكون هذه الأنا مطاعة الأوامر (الألوهية) يجب أن تتملك الدولة كلها بكل مقاليدها، ليصبح الشعب مجرد عدد لا أكثر ولا أقل، مسخراً لهذه الأنا. وهنا نقع في شرك الألوهية والربوبية معاً.

أما إذا حصل العكس، وهو سيطرة الكل على الأنا، كما نراه في كثير من الادعاءات حول سيطرة الكل وإلغاء الأنا، فهذا مجرد ادعاؤء، لأنه غير قابل موضوعياً للتحقيق. والسبب هو الاستحالة الموضوعية في إزالة الفرق بين الكل والأنا، حتى ولو طبقت كل وسائل القمع والإرهاب في سبيل هذا الشعار، الذي قد يراه البعض جميلاً للوهلة الأولى، إلا أنه في الحقيقة رجوع إلى المملكة الحيوانية (القطيع) لتساوي أفراده ولغياب الأنا فيه.

لكننا من خلال تطبيق هذا الشعار، نصل إلى النتيجة الأولى، وهو سيطرة الفرد (الأنا)، أو مجموعة يرأسها فرد، على المجتمع، فينتج لدينا نظام ديكتاتوري تتجلى فيه الظاهرة الفرعونية بأعلى صورها. (الربوبية ثم الألوهية). أي أن هذه المجموعة التي يرأسها فرد (وغالباً ما يكون هذا الفرد ليس الأول بين متساوين) لا بد أن تمتلك كل مقاليد الثروة (الاقتصاد) والحكم (الألوهية) حتى تطاع بالقمع على أساس الملكية (الربوبية).

أما الحل الحقيقي لهذه المعضلة، بين الأنا والكل، فهو في الوسط، وهو هنا ليس الانتهازية، بل الديموقراطية (الشورى). الذي نفهمه على نسق ما نفهم المثال التالي: الكرم هو الوسط بين البخل والتبذير. وكما نفهمه من قوله تعالى: {ولا تجعل يدك مغلولةً إلى عنقك ولا تبسطها كل البسطِ فتقعد ملوماً محسوراً} الإسراء 29.

فإذا ما عدنا بعد ذلك كله، إلى الطرح الحالي ضمن المفهوم الحاضر لمصطلح الشعب العربي، نجد أنه طرح خاطئ، فالشعب يحمل مفهوم الدولة والنظام السياسي، ومع أن الوطن العربي فيه قومية واحدة عربية، وأمة واحدة عربية، وأمة واحدة إسلامية، ثقافتها إسلامية، إلا أن فيه أكثر من عشرين دولة، وبالتالي أكثر من عشرين شعباً، فنفهم أن الغاية الوحدوية هي تشكيل شعب عربي (دولة واحدة) من خامة قومية، ومن منطلق أممي إسلامي معاصر.

من هنا نرى كيف فهمت السيرة النبوية هذه المصطلحات. فقد بدأ النبي (ص) بطرحه الأممي في مكة (يا أيها الناس) من نظرة إلى الكون والحياة والإنسان موجهة إلى كل الناس على الأرض، لكن الممارسة اليومية لهذا الطرح الأممي كانت مع العرب، في شبه جزيرة العرب. لذا كانت القومية العربية الخامة الأولى للطرح الأممي الإسلامي، فكان المظهر الأول للإسلام مظهراً وقالباً عربياً. وعندما توفي النبي (ص)، أصبحت الدولة الإسلامية دولة عاصمتها المدينة المنورة، وحدودها شبه جزيرة العرب، بكل سكانها مسلمين وغير مسلمين، عرب وغير عرب، وأصبح هؤلاء السان كلهم هم الشعب، وأصبح الشعب أعلى مستوى من التشكيل، حوى الأمة والقومية والدولة والوطن في وحدة كاملة.

ولهذا نقول إن الممارسة الفعلية للنبي (ص) كانت قمة الإنجازات في الطروحات الأممية والنشاط القومي. وعلى هذا الأساس، نستطيع أن نقول إن ثمة شعباً واحداً في دولة واحدة، له ثقافة واحدة ولغة واحدة هو الشعب الفرنسي، تندمج فيه مفاهيم الشعب والأمة والقومية معاً، ولو كان ذلك متوافراً عند العرب، لاستطعنا تسميته الشعب العربي، لكنه غير متوفر حالياً. كما نستطيع أن نقول إن ثمة شعباً واحداً، هو الشعب الأمريكي، فيه قوميات مختلفة، وأمم مختلفة، على أرض وطن واحد، وفي دولة واحدة. وهذا بدوره غير متوفر حالياً للعرب.

إن ثمة اليوم ثقافة إسلامية، سائدة عند مجموعة من الناس، غالبيتها تتكلم العربية، على رقعة من الأرض تسمى الوطن. ورغم أن الأمة والثقافة واحدة، لسانها هو العربية، مع وجود قوميات أخرى، إلا أن القومية العربية والعروبة، والقومية العربية والإسلام، لا تشكل دولة واحدة. ولهذا لا يوجد شيء اسمه الشعب العربي، وإن وجد فليس أكثر من مشروع طموح للعرب لتحديد مستقبلهم السياسي، ولإيجاد مكان فعال لهم في صنع الحضارة الإنسانية.

قوانين الجدل والوصايا

قلنا في حديثنا عن الشعب إن الجدل بشقيه (الإنسان – الطبيعة) و(الإنسان – الإنسان) هو المسيطر على تطور المجتمعات. وقلنا إن أسباب القضاء على المجتمعات القديمة تكاد تكون كلها خارجية، كما لو كان قانون التناقضات الداخلي عاطلاً عن العمل، لكننا أضفنا أن قانون جدل الأضداد بشقيه يبقى موجوداً ويعمل. والأمر أشبه بمريض مصاب بجملة أمراض أدّى أحدها، ربما لأنه أقواها، إلى موته، لكن موته بهذا السبب لا يعني أبداً خلوه من الأمراض الأخرى.

وتأتي روعة القصص القرآني في تفصيلها الوافي، لتؤكد ما نذهب إليه. ونبدأ مع ما بدأ به التنزيل الحكيم في قصصه، بقصة نوح مع قومه. فكيف تم إهلاك قوم نوح؟ يقول تعالى: {قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا…} هود 32 وهذا يدلنا على وجود تناقضات داخلية، تقوم عليها القصة – الحادثة التاريخية، إلا أنها كنهاية تنتهي بالطوفان (كارثة طبيعية).

ثم تأتي قصة هود: لنراها تقوم بدورها على جدل داخلي، كما يدلنا قوله تعالى: {.. أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ..} الأعراف 71. لكنها تنتهي بجدل خارجي، إذ يتم إهلاك المشركين ليس بثورة المؤمنين عليهم، وإنما بريح عاتية (كارثة طبيعية). ولبيان أن قوم هود كانوا واعين لكارثة قوم نوح، أنهم شيدوا الأبنية في الأماكن المرتفعة، كما في قوله تعالى: {أتبنون بكل ريعٍ آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون} الشعراء 128 و129، ثم ربط البناء بالأنعام في الفترة الواقعة بين نوح وهود في قوله تعالى: {واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون * أمدكم بأنعامٍ وبنين} الشعراء 132 – 133. وذلك لقناعة قوم هود بأن الطوفان لا يؤثر على الأماكن المرتفعة، فأرسل الله ريحاً تؤثر على الأماكن العالية أكثر من الأماكن المنخفضة {عذاباً نكرا} أي هلاكاً لم يعهدوه من قبل.

ثم يأتي صالح وقوم ثمود، فكان الجدل الداخلي بينه وبين قومه حول التوحيد والظلم، لكن القصة تنتهي بكارثة طبيعية (الصيحة، الرجفة). وتأتي بعدها قصة شعيب، فيقوم الجدل الداخلي حول بخس الناس بأشياءهم وعدم الوفاء بالكيل والميزان (لاحظ تقدم العلاقات الاقتصادية وتبادل السلع منذ شعيب، بوجود الكيل والميزان، وبوجود تقييم لما يملكه الناس)، ثم تنتهي القصة بإهلاك القوم بكارثة طبيعية.

ونقف بعد ذلك كله، أمام قصة موسى، التي تقوم على جدل داخلي بين فرعون وعبودية بني إسرائيل، ويقود موسى وهارون تخليص بني إسرائيل من الفراعنة (جدل داخلي)، ولكن إهلاك القوم، ينتهي أيضاً بالغرق (جدل خارجي – كارثة طبيعية).

فإذا استعرضنا التاريخ القديم، لا نجد فيه دولة قضي عليها بثورات داخلية، إذ أن هذا القانون يكمن في تحريك المجتمع، وفي ظهور دعوات وحركات تنتهي بالجدل الخارجي المباشر (كارثة طبيعية) أو بهلاك للدولة على يد عدو خارجي (الحثيثون – الكلدانيون – الكنعانيون – الآشيوريون – اليونان – الرومان) وذلك لعجز الإنسان عن امتلاك أداة التغيير. صحيح أنه ظهرت بعض حركات التغيير العفوية ضد العلاقات السائدة في بعض المجتمعات القديمة، ولكنها فشلت (ثورة سبارتاكوس في الإمبراطورية الرومانية).

حتى جاء الإسلام، فغلب فيه الجدل الداخلي الجدل الخارجي (علاقات تأثير وتأثر متبادل) لأول مرة، وتم تغيير المجتمع العبي من الداخل (ثورة داخلية) لا من الخارج، ولا بكارثة طبيعية. وهذا ما يميز محمد (ص) عمن قبله من الأنبياء كدعوة ومنهاج وعمل، تم بموجبه تغيير المجتمع وعلاقاته، وتم تحرير البلدان المجاورة، طبقاً لقانون صراع المتناقضات الداخلي لا لقانون الجدل الخارجي. أي أن الإسلام مر بمرحلتين أساسيتين:

1 – مرحلة تناقضات داخلية، تمت في عهد النبي (ص) بتوحيد شبه جزيرة العرب في دولة واحدة عاصمتها يثرب، وبداية تحويل القبائل إلى شعب.

2 – مرحلة التأثير والتأثير المتبادل، تمت بعد النبي (ص)، وتجلت في الفتوحات العربية الإسلامية الكبرى (بلاد الشام – مصر – العراق – شمال أفريقيا) علماً بأن قانون التناقضات الداخلي عمل في المرحلة الثانية.

ولقد كان قانون التناقضات الداخلي السبب الكامن وراء حروب الردة، ومعركة الجمل، ومعركة صفين، حتى تأسيس الدولة الأموية، التي تجلّت التناقضات فيها بـ (عرب – موالي) و(غني – فقير) و(قوي – ضعيف)، فتولدت حركة المعارضة السرية بقيادة أبناء علي وأحفاده، ثم الثورة العباسية، التي كانت ثورة بكل الأبعاد، لعب فيها تناقض (العرب – الموالي) و(الغني – الفقير) الدور الرئيس بالقضاء على الأمويين، كما كان هذا القانون هو السبب الكامن في ظهور المذاهب الإسلامية، وأسلوب الحكم، وشكل الدولة، وصلاحياتها(1).

أما فيما يتعلق بجدل (الإنسان – الطبيعة) فقد انعكس في النبوات والرسالات، النبوات في تطور المعارف، والرسالات في تطور التشريع والقيم الأخلاقية للمجتمع، كان فيه النبي هو البديل للعراف والمنجم (الجانب المعرفي)، وكان الرسول هو البديل للكهنة على صعيد التوحيد، وما ينجم عن ذلك من قيم أخلاقية وتشريع حسب تطور المجتمع.

كان التوحيد القاسم المشترك بين كل الأنبياء والرسل (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} الزمر 65 وجاءت الوصية الأولى من الفرقان في قوله تعالى: {… ألا تشركوا به شيئاً ..} الأنعام 151، لبيان أهمية التوحيد (قانون التطور ونفي النفي، وتغير صيرورة كل شيء ما عدا الله)، ولبيان أهميته التاريخية أيضاً، لكونه جاء على رأس الوصايا كلها.

إننا نرى في تسلسل الوصايا، أهمية تاريخية يجب الوقوف عندها، ونرى في تسلسل المعارف كما وردت عند الأنبياء، أهمية تاريخية تشرح لنا بالتفصيل تطور هذه المعارف في المجتمعات القديمة، كما نرى في تسلسل الرسالات كما جاء بها الرسل، أهمية تاريخية لتطور التشريع والأحكام والقيم الأخلاقية. أما المعارف في النبوات، فنراها عند نوح في الفلك (اجتياز العوائق المائية) وفي التبشير بالبنيان، ونراها عند هود في تذليل الأنعام وربطه بالبنيان، ونراها عند شعيب في الكيل والميزان وأسس تقييم الأشياء.

أما التشريع والأحكام في الرسالات، فنراه في التوحيد عند نوح وعند جميع من لحقه من أنبياء ورسل. وفي بر الوالدين وعدم قتل الولد عند نوح، وبالوفاء في الكيل والميزان عند شعيب، وظهور مفهوم الفاحشة في اللواط عند لوط.

إن عظمة القصص القرآني، لا تقف عند حد الترويج عن النفس، بل في هذا التسلسل التاريخي الطافح بدلالات تطور وتراكم المعارف والتشريعات، وما فيها من أغراض تهم كل المجتمعات الإنسانية، كقصة أهل الكهل، وذي القرنين، وموسى والعبد الصالح، التي سنعرض لها بالشرح لاحقاً.قد جاءت الوصايا في ثلاث آيات من سورة الأنعام، خمس في الآية 151، وأربع في الآية 152، والعاشرة في الآية 153. حيث نجد التسلسل في الآيات يسير من المشخص في العلاقات الاجتماعية، إلى المجرد. كما نرى الآية 153 تدمج المشخص (علاقات أخلاقية لمجتمعات بدائية) مع المجرد (علاقات أخلاقية لمجتمعات متحضرة). أما الوصايا الخمس الأولى في الآية 151 فهي:

1 – {ألا تشركوا به شيئاً}.

2 – {وبالوالدين إحساناً}.

3 – {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق}.

4 – {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن}.

5 – {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}.

ونرى أن لها علاقة مباشرة بالمجتمعات القديمة، وظلت سارية المفعول حتى المجتمعات الحديثة، وستبقى سارية إلى قيام الساعة.

أما الوصايا الأربع التي تليها في الآية 152 فهي:

6 – {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده}:

وهذه الوصية، لا يمكن أن تكون سارية المفعول، إلا إذا كان هناك قانون أخلاقي وتشريعي قبلها، وهو تحريم قتل الولد لسبب اقتصادي، وتحريم قتل النفس إلا بالحق. فالمجتمع الذي لا يعني بقتل الولد والنفس، أولى به ألا يعني برعاية اليتيم والحفاظ على ماله. وهذا يدل على علوٍ في سلم الحضارة الإنسانية للمجتمع، أي على رقي في العلاقات المجردة (الروحية).

7 – {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط}:

وتدل هذه الوصية على تقدم العلاقات الإنتاجية، وتبادل السلع، التي تحتاج إلى قانون أخلاقي هو الوفاء بالكيل والميزان.

8 – {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى}:

هذه الوصية تحتاج إلى تجريد ورقي في العلاقة الاجتماعية والسلم الحضاري، مما يستدعي بالإنسان أن يشهد ضد أخيه أو والده أو ابنه، وتدل على تجاوز عصبية الأسرة والعشيرة والقبلية.

9 – {وبعهد الله أوفوا}:

وتحتاج هذه الوصية لتطبيقها إلى رقي أكبر في المستوى الحضاري، هو الالتزام الشخصي باليمين أو ما يسمى باليمين القانونية أو الدستورية أو القضائية أو المهنية، حيث يقف الإنسان أحياناً ضد رغباته الشخصية البحتة.

كما نرى أن الوصايا من 6 – 9 شائعة في الدول المتحضرة المتقدمة، أكثر بكثير منها في الدول المتخلفة، حيث نجدها ضعيفة التأثير جداً في العلاقات الاجتماعية وفي السلوك الشخصي (الضمير الاجتماعي والضمير الفردي). أي أنه ما زالت هناك مجتمعات إنسانية لم ترق إلى مستوى هذه الوصايا حتى يومنا هذا، ولهذا انتهت الآية 152 بقوله تعالى: {لعلكم تذكرون}، أي من باب التذكير والتأكيد لكونها وصايا يمكن أن تنسى. أما الآية 151 قبلها فانتهت بقوله: {لعلكم تعقلون} لأنها تدخل في العقل قبل الضمير.

ثم تأتي الوصية العاشرة {وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ..} منفردة في الآية 153، لتشي إلى أن الصراط المستقيم هو في اتباع الوصايا التسع، وتطبيقها كاملة غير منقوصة، ولتبين أنها تشكل الهيكل الأخلاقي الأساسي النهائي لأمم الأرض، بغض النظر عن ثقافاتها وعباداتها، إلى أن تقوم الساعة.

العدل الإنساني والعدل الإلهي

تعتبر قصة موسى والعبد الصالح كما جاءت في سـورة الكهف، من أكثر القصص خطورة إذا أسيء فهمها، لأنها توقع الإنسان في الأوهام والفوضى الفكرية والاجتماعية إذا تم فهمها سطحياً، فهي لم تأت للتسلية والتطمين، كما ذهب بعض المفسرين، أو كما فهمها بعض المتصوفة المشعوذين، واستنتجوا منها علماً أطلقوا عليه مصطلح (العلم اللدني) حسب زعمهم، من قوله تعالى: {فوجدا عبداً من عبادنا آتيناه رحمةً من عندنا وعلمناه من لدنا علماً} الكهف 65، بل لتعلمنا كيف نتصرف ونسلك تجاه القوانين الكونية والاجتماعية، بالأمثال والشواهد التي ساقها الله لنا، كما في قوله تعالى: {ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل ..} الكهف 54.

من هذه الزاوية، زاوية أن نتعلم من الأمثال في القصص القرآني، ننظر في قصة موسى والعبد الصالح كما وردت في التنزيل الحكيم، أما إطلاق اسم “الخضر” على العبد الصالح، والادعاء بأنه حي دائماً، ووصفه بصفات أدونيس وعشتار، وربطه في أخبار القديسين بسيرجيوس وجاورجيوس قاتل التنين، مما لم يرد له أي خبر في الذكر الحكيم، فلا محل له عندنا.

لقد وقعت أحداث القصة منذ 3000 عام على الأقل، وما زالت وستبقى، درساً في الفرق بين التشريعات البشرية الإنسانية لتحقيق العدل الإنساني، وفي التشريعات الإلهية الموحاة لتحقيق العدل الإلهي. فالإنسان وضع التشريع للأفراد لينظم حياتهم بعضهم مع بعض، وللجماعات لبناء الدول، فالمجتمعات تقوم على التشريعات، وهذه التشريعات لها محدودية التنظيم الاجتماعي بحيث لا يمكن أن تغطي علاقة كل فرد على حده مع الآخر.

وقد مثّل هذا الطرف موسى عليه السلام، كرسول يحمل رسالة تشريعية، ورغم أن فيها شمولية اجتماعية وإنسانية لا يمكن لأي مجتمع التنازل عنها وإلا فإنه سيدمر نفسه بنفسه، إلا أنها لا تحتوي على العدل الإلهي المطلق، حتى ولو كانت تشريعات إلهية، بل تنظم طريقة التعامل بين الإنسان وأخيه الإنسان، وتنظم علاقة مجموعات من الناس بعضهم ببعض، تماماً كما تنظمها التشريعات والقوانين الإنسانية.

فتطبيق العدالة أمر نسبي يتم طبقاً للبينات المتوفرة، أي أننا لا نستطيع كمجتمع أن نطبق عقوبة الجلد على الزاني، إلا إذا توفرت البينات المطلوبة لإقامة الحد. وكذلك لا نستطيع أن نطبق عقوبة القتل على القاتل، إلا إذا توفرت البينات المادية فعلاً. لذا فإننا حين نقول بأن الشرائع السماوية والإنسانية لا يمكن تطبيقها بدون بينات، نقول بأن هذه الشرائع تحمل العدالة النسبية في التطبيق، وتحمل الشمول لتطبيقها على مجموعة من الناس، ولا تحمل العدالة الفردية لكل إنسان على حده.

وبما أن التشريع الإلهي الموحى والقانون الإنساني الموضوع يحملان صفة الشمول الاجتماعي والعدالة الاجتماعية الكلية لا الفردية، ويحتاج تطبيقها إلى بينات موضوعية، أي إلى شروط ظرفية وبينات مقدمة تبرهن على أن هذا حصل فعلاً لا افتراضاً، فإن دور التشريع بعد ذلك يأتي ليقوم بمهمته. فما هو إذن الميزان الذي يطبق العدالة المطلقة لكل فرد على حده، ويعطيه حقه، أو يقتص منه عندما يعجز الدليل عن تقديم بينات لتطبيق التشريع؟

هذا الميزان هو العدالة الإلهية المطلقة، التي تعمل خارج التشريع والقانون، والتي لا يمكن لأي إنسان أو مجتمع أن يحيط بها وبظروفها. هنا يجب أن نميز بين مصطلحين هامين يتعلقان بالعدل الإلهي المطلق، فالعدل من صفات الله وأسمائه الحسنى، وهو أزلي، أما تطبيقه فهو تطبيق نسبي، منسوب إلى الظروف التي يتم بها هذا العدل المطلق، ويدخل تحت إرادة الله الظرفية، أي لها علاقة بظروف كل فرد على حده، وعلاقته ببيئته ومحيطه. وبدون هذا التفريق نقع في أن الله كتب منذ الأزل على الإنسان كل شاردة وواردة، وأن الإنسان دون إرادة نهائياً، تارة تحت اليأس، وتارة أخرى تحت التسليم المطلق. أما إذا فهمنا أن العدل الإلهي المطلق أزلي، منسوب تطبيقياً لكل إنسان على حده في علاقته مع ظروفه ومع الآخرين، فإن الأمور تتوضع في نصابها.

وهذا الجانب الآخر الذي يمثله العبد الصالح هو الذي تنكشف لنا جزئياً بعض جوانبه أثناء سير حياتنا كأفراد أو مجموعات، ولكي تتحقق العدالة في التشريع جاءت التشريعات الإلهية حدودية (حنيفية) لكي تحنف نحو العدالة ما أمكن في كل حالة على حده، ولا يمكن أن تكون غير ذلك. أي هي تحقيق إنساني لإرادة الله في الاقتراب من تحقيق العدل الكامل.

ولكي يفهم مغزى كلامي، أضرب الأمثلة التالية:

1 – إذا قتل زيدٌ عمراً، وقال في التحقيق أنه فعل ذلك لأن عمرواً بعد خمس سنوات سيخون بلده ويبيع أسرارها للعدو، فلن يوجد محقق أو قاضٍ في كل الأرض يقبل هذا الكلام، حتى ولو كانت عقوبة الخائن الإعدام، وسيحاكم زيد ويعدم أو يسجن كقاتل، مع احتمال أن ما قاله صحيح.

2 – إذا جاء زيد ليقتل عمرواً ودهسته سيارة عندما وصل وشاهد عمرو حادثة الدهدس، وهو لا يدري أن الله أنقذه من القتل، فسيحاول أن يقبض على سائق السيارة ويسلمه إلى الشرطة، لأنه دهس زيداً. أما إذا علم أن المدهوس جاء ليقتله، فسيطلب من الشرطة أن يتركوا سائق السيارة، ولن تصدق الشرطة روايته، حتى لو قدم البينات، وسيعاقب السائق لأن الدهس حصل فعلاً، والقتل لم يحصل فعلاً.

3 – أراد إنسان أن يسافر بالطائرة، وحصل معه طارئ فاتته معه الطائرة، فإنه سيحزن لهذا حزناً شديداً. فإذا علم بعد ذلك أن الطائرة تحطمت، وقتل جميع ركابها، فسيأخذ موقفاً معاكساً، ويحمد الله على هذه النعمة، ويشكر الطارئ الذي منعه من السفر بعد أن كان ناقماً عليه. ويورد بعض الناس هذا المثال للدلالة على ثبات الأعمار وهذا غير صحيح.

قد يقول البعض إن هذه هي الصدفة، فيقع في تناقض، لأن القانون والصدفة لا يتلقيان. فالصدفة موقف معرفي إنساني، أما في الطبيعة فلا يوجد صدف، بل يوجد قوانين حتمية في الكليات وقوانين احتمالية في الجزئيات، أي أن الحتمية هي اليقين في الكليات، والاحتمالية هي اليقين في الجزئيات. وهكذا نفهم عدل الله المطلق اليقيني في الكليات، وكلية الإحتمالات في الجزئيات. فالكلية موجودة في الكلي والجزئي، لكن القانون في الكلي صارم، وفي الجزئي احتمالي. وهكذا نرى ملايين الاحتمالات في عدل الله المطلق في الجزئيات، أما كلية الاحتمالات فمجموعها يساوي الواحد (الحتمية). وعلى هذا الأساس نشرح قصة موسى مع العبد الصالح.

يمثل موسى الشرائع والقوانين الكلية، التي جاءت لتطبق على كل الناس بدون استثناء، وبغض النظر عن كل الاحتمالات التي تحيط بكل فرد على حده، وبما أن عدد سكان الأرض 5 مليارات، وهناك آلاف الاحتمالات لكل منهم في علاقته مع مجتمعه في المنزل والجيران والعمل، يصبح لدينا احتمالات لا يمكن الإحاطة بها من خلال التشريع والقانون. من هنا نرى أن التشريع الإلهي بالرسالات، والتشريع الإنساني بالقوانين جاء عاماً، بمعنى أنه لا يضع لكل احتمال وظرف ولكل شخص على حده نصاً خاصاً به، وإلا احتجنا إلى آلاف مجلدات التشريع الإلهي والوضعي، بحيث يعجز الإنسان عن مجرد قراءتها.

لهذا، أمرنا الله سبحانه في تشريعه أن لا نتصرف إلا إذا حدثت الواقعة فعلاً، أو توافرت كل الظروف لحدوثها، وثبت يقيناً أنها ستحدث. ولما كان هذا المنهج عاجزاً عن تحقيق العدالة المطلقة، بمفهومها الاحتمالي، تأتي عدالة رب العالمين {والسماء رفعها ووضعه الميزان} (الميزان الإلهي).

يمثل العبد الصالح العدل الإلهي، الذي لا يحق للتشريع الإنساني أن يتدخل فيه لأنه عاجز عن ذلك، فإن تدخل فيه، أدى ذلك حتماً إلى دمار المجتمع تدميراً كاملاً، وأرجعنا إلى قانون الغاب، لأن العدالة الإلهية في قانون الغاب مطلقة، والغاب عبارة عن حيوانات بعلاقات غير واعية، تنطبق عليها قوانين الطبيعة الربانية، وهذه القوانين لها صفة الموضوعية، فهي تحمل الصدق والعدالة {وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته}.

وبما أن العلاقات الواعية لا تستطيع أن تحيط بمليارات الاحتمالات، فقد وضع لها رب العالمين، ووضعنا لها قوانين سلوك واعية، عامة التطبيق على كل الأفراد. من هنا قال موسى للعبد الصالح {.. هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا} الكهف 66، فأجاب العبد الصالح {.. إنك لن تستطيع معي صبراً * وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراً} الكهف 67 و68.

تبدأ القصة بالآية 66، حين يطلب موسى من العبد الصالح المرافقة بهدف التعليم. فيجيبه في الآية 67، إنك لن تستطيع صبراً على ما أقوم به، رغم أنك رسول. وسبب عدم الصبر كما تشرحه الآية 68 هو قلة الخبرة، فعدم صبر الإنسان على شيء لا يعرفه سلوك طبيعي، والإنسان عدو ما يجهل حتى لو كان رسولاً، وننتقل الآن مع الآية 71 إلى الحالة الأولى حالة السفينة {فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئاً إمراً} فنرى فيها ثلاثة عناصر:

أ – ركوب السفينة.

ب – خرق السفينة.

جـ – استنكار موسى.

لقد استنكر موسى خرق السفينة لأنه يخالف الشرائع، وهو كرسول لا يستطيع ولا يمكن أن يقبل بذلك. فالعدل الاجتماعي الذي ينظم علاقة الإنسان مع المجتمع كلي ولا يقبل الاستثناءات. وموقف موسى هنا يمثل موقف الدولة والقانون والقضاء. أما العبد الصالح الذي يمثل العدالة الإلهية المطلقة في الجزئيات، فقد أفسد السفينة لإنقاذها من الحجز، ولكن ذلك أمر لا تستطيع الشرائع والقوانين الوضعية أن تتدخل فيه، أو تأخذه بعين الاعتبار لجهلها به أولاً، ولأنها تدمر نفسها بذلك ثانياً، علماً أننا إذا أخذناه من الناحية الاجتماعية نرى العدالة الإلهية تعمل بشكل يومي مع كل الناس، فالبعض يسميها “الحظ السعيد” والبعض يراها “صدفة” والبعض يراها جزئياً، ولا يستطيع استيعابها كلياً لكثرة عناصرها.

وتأتي الآية 74 لتقف بنا على الحالة الثانية، حالة الغلام {فانطلقا حتى إذا لقيا غلاماً فقتله قال اقتلت نفساً زكية بغير نفسٍ لقد جئت شيئاً نكراً}، ونرى مرة أخرى العناصر الثلاثة:

أ – الغلام واللقاء به.

ب – قتل الغلام على يد العبد الصالح.

جـ – استنكار موسى.

لقد استنكر موسى قتل النفس بغير نفس لأن كل الشرائع السماوية ابتداءً من موسى وكل الشرائع الأرضية جاءت بتحريمه في قانون كلي. أما العبد الصالح فقد قتله لأن الشروط الموضوعية القائمة، وعلاقة الغلام بوالديه وبالمجتمع ستوقع الغلام بالكفر، وسيسيء إلى والديه المؤمنين، حتى يتمنيا لو أنه مات صغيراً. وقتل الغلام سلفاً تحقيق لأمنية سيضطر الوالدان المؤمنان إلى طلبها من الله تعالى، وهذا حق لله تعالى وحده، وليس لأحد أبداً أن يتخذ قراراً بذلك. وهذا ما نراه في المجتمعات اليوم، فالدولة بتشريعاتها تعاقب القاتل بغض النظر عن أن المقتول سيكون مجرماً أو عاصياً أو خائناً أو غير ذلك.

من هنا كان موسى يمثل الدولة التي تقوم بتنفيذ القانون على الناس سواسية، طبقاً للبينات المتوفرة، والبينات في حالتنا هذه حصراً هي هل قتل الغلام أحداً أم لا، أي (النفس بالنفس) وتقف عند هذا الحد. فقال: {أقتلت نفساً زكية بغير نفسٍ} وهذا يحصل عندما يموت لإنسان طفل أو شاب عزيز عليه، فإن حدود الدولة (الشرع والقانون) تقف فقط عند معرفة أن الوفاة حصلت نتيجة لحادث طبيعي ووفاة طبيعية، أي لا يوجد عزاء لهم غير ذلك شاؤوا أم أبوا، فمن يقبل بالعدل الإلهي، يستطيع أن يتغلب على بلوائه، ومن لا يقبل به يموت كمداً وحزناً.

ثم تأتي الآية 77 بالحالة الثالثة والأخيرة، حالة الجدار {فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قريةٍ استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جداراً يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً} ونرى العناصر التالية الثلاثة:

أ – الجدار الآيل للسقوط.

ب – إصلاح الجدار بدون أجر.

جـ – استنكار موسى.

لقد استنكر موسى القيام بعمل دون أجر، وهو قانون كلي ينظم العلاقات العامة للناس بعضهم مع بعض، وهذا ما تسعى إليه الدول في شرائعها وقوانينها، فلا يحق لإنسان أن يستخدم إنساناً آخر بدون أجر، ضمن الحد الأدنى للأجور. حتى ولو تبرع بذلك اعتبر ظاهرة غير طبيعية تخالف الشرائع والقوانين الناظمة للمجتمعات. أما موقف العبد الصالح فقد جاء ليبين قانوناً إلهياً، بأن الإنسان يؤجر ويثاب على العمل الصالح حتى في ذريته، فهنا الوالد ميت والأولاد أيتام، ولا خوف من أن يرهق الأولاد الوالدين بكفرهم، أما في الحالة الثانية فالغلام غير يتيم، فحفظ الله لهم الكنز دون مقابل (بناء الجدار بدون أجر) حتى إذا بلغوا سن الرشد أخرجوا الكنز فانتفعوا به.

لقد رأينا أن الله سبحانه، في الحالات الثلاث، رحيم بعباده، ولا يقبل الظلم من أحد على أحد، وعندما يعجز الإنسان كفرد عن أن ينال حقوقه بنفسه، أو تعجز القوانين عن أن تحصل له حقوقه، فعليه أن يثق بعدل الله سبحانه ورحمته، وعليه أن يثق بميزان رب العالمين الدقيق الذي لا يترك شاردة ولا واردة.

لقد شمل عدل الله سبحانه، في الحالات الثلاث، الأزمنة كلها. ففي حالة السفينة شمل عدل الله الزمن الحاضر، أي السفينة موجودة والمساكين موجودون والملك موجود والخرق حصل فعلاً. وفي حالة الغلام شمل العدل الحاضر والمستقبل بدون الماضي، فالأبوان المؤمنان موجودان، والغلام موجود، والمستقبل هو الخشية من طغيان الغلام على الأبوين وإرهاقهما بالكفر. أما في حالة الجدار، فقد ربط العدل الإلهي الحاضر بالماضي والمستقبل. فالمتوفى كان صالحاً بالماضي، وبناء الجدار تمّ في الحاضر، واستخراج الكنز سيتم في المستقبل.

ونفهم، حين نلاحظ عدم وجود حالة تقتصر على الماضي فقط، أن علينا أن نهتم بالحاضر، ثم بالحاضر والمستقبل، ثم بالماضي بعد ربطه بالحاضر والنظر إلى المستقبل.

ونفهم أن لو وافق موسى ولو مرة واحدة على عمل العبد الصالح، لنسف بذلك كل شرائع وقوانين الدنيا، ولزالت الدولة من الوجود، وأعطى الحق لكل إنسان بأن يمثل العدل الإلهي فيما يفعل، ولقضى على بنية الدولة الأساسية في التشريع في الكليات، أي مساواة الناس أمام التشريع والقانون، ولسادت الظلامات تحت اسم العدل الإلهي الموجود فعلاً، ولقضى على حق كل إنسان بالمطالبة بحقوقه الواضحة، وأعطى مجالاً لقبول الناس بكل شيء تحت شعار “هذا مكتوب علينا” و”هذه إرادة الله”. ولكن موسى احتج، مما يعني أن الإنسان يجب أن يحتج على الظلم، وعلى الأمور التي تخالف القوانين والشرائع.

إن عدم الاحتجاج على مخالفة الشرائع والقوانين، أي اغفال جانب موسى، يوقع الناس بالفوضى والذكر، والظلم العلني، والتدجيل والشعوذة. وإن عدم الثقة بالعدل الإلهي الذي يمثله العبد الصالح، يوقع الناس في اليأس والقنوط. لقد سمى المتصوفة المغالون علم العبد الصالح بالعلم اللدني، وقالوا بأنه من علوم أهل الله (العرفان) وأن الله يعطيه للأولياء، ونحن نقول أن الله لو أعطى هذا العلم لأحد من هؤلاء، فهذا يعني أنه سمح له بتدمير المجتمعات الإنسانية وتدمير الدول، ولقد ساهم من ادعى هذا العلم بتدمير مجتمعه.

لقد طرحوا العدل الإلهي تحت شعار (هذا مكتوب عليكم) فحولوا الناس إلى أشباح تقبل الظلم بكل أنواعه ولا تحتج، وجعلوهم يقبلون التصرفات الشاذة تحت شعار العلم اللدني الذي يحوزونه كما العبد الصالح، لكن الله تعالى يقول في نهاية القصة بشكل لا لبس فيه، بأن ما فعله العبد الصالح كان وحياً إليه من الله تعالى {.. وما فعلته عن أمرئ، ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا} الكهف 83، لقد انقطع الوحي نهائياً بعد الرسول الأعظم، ولا يحق لأي إنسان أن يدعي ذلك تحت أي شعار.

لهذا، لا يجوز أن نقيس العدل الالهي بمقاييس العدل الإنساني، وإلا كنا كمن يطبق قوانين نيوتن على مجالات ميكانيك الكم، فيقع في تناقض، حيث لكل منظومة معرفية مجال توظيفها الخاص، وتأتي مصداقية التوظيف، في طواعية القوانين لإرادتنا، أي في التسخير. وحين يطبق الإنسان مقاييس العدل الإنساني على العدل الالهي، يصل إلى الاستنتاج بأن الله غير عادل.. سبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً.

وهذا التناقض يقع فيه حتى المؤمنين أنفسهم، ولكي يحلّوا هذا التناقض، يلجأون إلى “تخريجه”، هي أنه إذا مرض الإنسان، فالمرض عقوبة له على الإساءة الفلانية في المكان الفلاني، أما وهو غير مسيء، فالمرض ابتلاء وامتحان!! وكأن هم الله عقوبة الناس وابتلاءهم، وهذا من بقايا الوثنية.

أما إذا طبقنا مقاييس العدل الإلهي على العدل الإنساني، ينهار الشكل، وتعم الفوضى، وتبطل الحدود، ولا يبقى ثمة معنى للثواب ولا للعقاب، وهذا هو سر قصة موسى والعبد الصالح في التنزيل كما نراه. ومن هنا فنحن حين نناقش سلوك الصحابة، أو نستعرض للعبرة والتقييم أحداث تاريخهم، رضي الله عنهم أجمعين، بمقاييس العدل الإنساني، فهذا حقنا، ولا نستطيع في واقع الأمر أن ننظر إليهم إلا من منظور هذه المقاييس حصراً، لكن ذلك لا يعني أننا نحتج على العدل الإلهي، وإذا كان هناك صحابي مبشر بالجنة (عدل إلهي) وانتقدناه، فهذا لا يعني أبداً أننا نريد إرساله إلى النار، فالجنة والنار من اختصاص رب الجنة والنار، وادخال الناس إلى إحداهما، يحصل بقرار منه وحده سبحانه، وليس من اختصاص أحد من العالمين.

(1) انظر “العصبية القبلية” للدكتور إحسان النص، حيث أسند الأسباب كلها إلى العصبية مغفلاً الجانب الاقتصادي.

اضف تعليق / سؤال:

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى