الفصل الأول: الأسرة

كان الإنسان القديم في الفترة ما بين آدم ونوح، ما زال قريباً من المملكة الحيوانية، من حيث المعاش والمأكل والمسكن والسلوك، دون أي تشريع سماوي، إلا النذر. وهي ملائكة تأتي مشخصة لتنذر. وإنذاراتها للدلالة فقط على وجود الله والتعريف به، دون أية تشريعات أخرى. وكان التجريد في أوائله، حيث لم يظهر في أبسط صوره إلا في عهد نوح، حين اكتمل أول مجتمع إنساني بلغة مجردة، وطبقات اجتماعية (الملأ، الكهنة، الأراذل).

في هذه المرحلة، التي كان السلوك الإنساني ما زال فيها موحداً في كل أماكن الأرض {كان الناس أمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين ..} البقرة 213 حيث لا توجد وسائل إنتاج، والمعاش هو الصيد، والسكن هو الغابات والكهوف، والانتقال على الأقدام، لأن الأنعام لم تكن مذللة بعد، في هذه الفترة تمّ اكتشاف النار.

وبما أنه لم تكن توجد أية تشريعات، فقد كانت الأمور الأسرية أموراً مشتركة بين الإنسان والبهائم، وخاصة العليا منها، أي أن الأسرة كانت على أساس بهيمي بحت، الأم فيه هي ربة الأسرة، وذلك لعدم ظهور محارم نكاح، فعند البهائم لا يوجد في المجال الجنسي اسمه المحارم(1)، وبالتالي فقد كانت العلاقة الأسرية، من حيث النكاح، بهيمية، تظهر فيه المرأة كرب الأسرة، وليس الرجل. فالمرأة هي التي تعرف أولادها، أما الرجل فدوره ينحصر في الإخصاب كالبهائم.

لم يكن مفهوم الأخلاق في تلك الفترة موجوداً، فأول مفهوم أخلاقي أسري ظهر عند الإنسان هو مفهوم أنه تعرّف على أمه وأبيه، فخطا بذلك أول خطوة في الابتعاد عن المملكة الحيوانية، تمثلت في مفهوم بر الوالدين، الذي لم يكن موجوداً في المملكة الحيوانية. فالأم ترعى أولادها بدافع غريزة المحافظة على النوع، ولكن لم يكن يوجد العكس، بأن يبر الأولاد بالأم والأب.

كانت أسرة الأمومة، إذن، هي النواة الأولى في المجتمع، ومع التقدم ظهر مفهوم أخلاقي معاكس للطبيعة الحيوانية، هو ظهور أسرة الرجل. وكان لا يمكن لهذا المفهوم أن يظهر إلا بظهور تخصص بالعلاقات الجنسية دون تشريع، وإلا بظهور وعي الأولاد لوالديهم. لهذا، نرى في الوصايا (الفرقان) أن وصية {وبالوالدين إحساناً} جاءت مباشرة بعد قوله تعالى: {ألا تشركوا به شيئاً}.

لقد جاءت النذر بمفهوم وحدانية الله، في فترة الإنسان القديم (آدم – نوح) واستمرت بعدها (هود -لوط – إبراهيم) ففي نوح {ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين} المؤمنون 24. وفي هود {واذكر أخا عادٍ إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ..} الأحقاف 21 وفي لوط {ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً..} هود 77. وفي إبراهيم {ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى ..} العنكبوت 31.

أما مفهوم بر الوالدين، كأول مفهوم أخلاقي تم فيه التمييز المباشر عن البهائم، فقد ظهر أول مرة في تاريخ الإنسان عند نوح {رب اغفر لي ولوالديَّ ولمن دخل بيتي مؤمناً ..} نوح 28. وأما العلاقات الجنسية فكانت علاقات بهيمية مباحة، ولم يظهر مفهوم الزنا إلاّ في وقت متأخر، حيث بدأ الله سبحانه بتحريم اللواط عند لوط، وبتحريم الفواحش (الزنا) عن موسى، ثم أكمل موضوع الفواحش بتحريم اللواط والزنا والسحاق عند خاتم الأنبياء محمد (ص)، فلو كان قبل موسى، مما نتبين معه بشكل قاطع أن تحريم اللواط جاء قبل تحريم الزنا. ولكن كيف انتقلت الأسرة من الأمومة إلى الأبوة؟

لقد ظهر هذا الانتقال مع ظهور مفهوم الملكية، أي مع ظهور الحاجة إلى الدفاع عن المجال الحيوي للأسرة، حيث ظهر التدخل الحاسم للرجل في رئاسة الأسرة. فالحاجة الغريزية إلى الطعام والشراب والمأوى، والجهد في الحصول عليها والدفاع عنها، جعل من الرجل رئيساً، لأنه الأقوى. فظهر مفهوم رب الأسرة كرجل أولاً، ثم كرجل أقوى ثانياً. فكانت هذه بذاتها البذور الأولى لظهور الدولة ورئاسة الدولة. ومع ظهور المجال الحيوي للمعاش، والدفاع عنه وعن البقاء، ظهرت بذر الدولة. علماً أن الزراعة والأنعام المذللة لم تكن قد وجدت بعد في هذه الفترة، والمجال الحيوي الوحيد هو مجال الدفاع عن البقاء والطعام الطبيعي (خيرات طبيعية + الصيد المتوفر).

أخذ هذا المجال الحيوي بعداً إضافياً، بعد اكتشاف الإنسان للنار، حيث استعمل الإنسان النار في الدفاع عن مجاله الحيوي ضد الآخرين وضد الحيوانات، وأصبح قادراً على توسيع مجاله الحيوي على حساب الأسر التي لم تستطع امتلاك هذا السلاح. ثم تطورت وسائل إنتاج النار بالاحتكاك، وظهرت تجمعات إنسانية يرأسها الذكر الأقوى عضلياً، وليس فكرياً(2)، في الدفاع عن المجال الحيوي وتوسيعه. وبدأ ظهور التمايز بين القوى والضعيف، فكانت الحياة للقوى فقط، ويتم تبديل السلطة بظهور شخص يغلب الرئيس الموجود ويزيحه، وهذا لا يتم إلا بالقتل، إذ كان مفهوم التزاحم ضعيفاً جداً، إن لم يكن معدوماً. فالحياة المادية هي المسيطرة، دون أية قيم اجتماعية أخلاقية. ثم ظهر مفهوم التقرب من الآلهة، بالقرابين المادية على شكل ذبائح حيوانات أو إنتاج طبيعي كالقمح والعسل. ثم تحولت إلى ذبائح بشرية مع ظهور الوثنية، التي كانت عبادة مظاهر الطبيعة أولها.

أما من الناحية المعرفية، فكانت معارف الإنسان تقليد ما حوله من أصوات الطبيعة والحيوانات، فكانت بداية اللغة المجردة، التي أعطي آدم المصطفى معها القفزة الأولى بالتوبة والشعور بالذنب. واستمرت عملية التجريد بشكل بطيء مع تنامي الحياة الاجتماعية (أسرة الأمومة فأسرة الأبوة) التي أتاحت لبعض الناس فهماً بدائياً لقوى الطبيعة المباشرة (حيوانات مفترسة، رياح، أمطار، برق، رعد، شمس، قمر) وتكرست لهذه الظواهر قوى خفية، ظهر معها مفهوم الوثنية الطبيعية. والسبب الأساسي في ظهور هذه الوثنية، هو ربط ظواهر الطبيعة المباشرة بالإحساسات الداخلية للإنسان (الخوف، الجوع، اللذة، الألم، المرض) فربط الرعد والبرق مع الخوف، والشمس بالطعام … وهكذا. فكان الله يبعث النذر بشكل مادي للإنذار بوجود الله الواحد. وتحول الناس الذين حاولوا فهم مظاهر الطبيعة المادية، وأعطوها قوى خفية، وربطوها بالإحساسات الداخلية للإنسان إلى كهنة وعرافين.

وهكذا ظهرت طبقة رجال الدين بأبسط صورها، وأخذ المجتمع ينقسم إلى ثلاث شرائح متمايزة بعضها عن البعض الآخر: الأولى، السلطة السياسية، وتميزت بالقوة الجسدية والعضلية. الثانية، رجال الدين (كهنة وعرّافون) وتميزت بالقوى المعرفية ولعبت الدور الاستشاري للشريحة الأولى (الحرب، الطب، التنجيم). الثالثة، الأراذل (بقية الناس).

وكانت هذه الشرائح الثلاث تمارس نشاطها ضمن ما يسمى بالمجال الحيوي للمجموعة. ونمت هذه المجموعة باندماج الأسر بعضها مع بعض بالغلبة، فتوسع المجال الحيوي للمجموعة واتسع عددها، علماً أن التشريعات الإلهية والمعارف ضمن هذا المجال، كانت أولية تتعلق كلها بالعالم المحيط المباشر، وكانت معظم المعارف غيبية تُعرى إلى قوى غير مرئية انطلقت من عالم المشخص (روح الشمس، روح البرق، روح الرعد). لهذا فقد مارس الكهنة في ذلك الوقت، مشاورة رأس المجموعة والتطيب، وتم الحصول على الامتيازات. وكانت الشريحة الأولى (السلطة السياسية) مع الشريحة الثانية (السلطة المعرفية) متضامنة متكافلة يدعم بعضها بعضاً، تعيش على حساب عمل الآخرين، لأن الكهنة لا يعملون.

تطور الأسرة وظهور المجتمع

قلنا إن بداية الأسرة كانت امومة، ثم أبوة. ثم وعي الأم والأب للأولاد، أي ظهور المحارم في النكاح، ثم وعي الأولاد للأم والأب، دون ظهور مفهوم الفاحشة، وقد جاءت كل هذه المراحل في آيتي النكاح:

1 – {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلاً} النساء 22.

2 – {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً} النساء 23.

يكمن في الآيتين المذكورتين آنفاً سر نشوء المجتمعات الإنسانية، ويعكس تطور الأسرة. فالتسلسل في الآية 23 هو تسلسل تاريخي، يعكس تطور المجتمعات الإنسانية الواعية، والعلاقة الواعية بين الأفراد التي تشكل فهم الأسرة كبنية تحتية أولية لأي تجمع إنساني. فسار التطور الإنساني باتجاه توسيع دائرة المحارم في النكاح، وبالتالي توسع دائرة الأسرع.

إذ أن أي زيادة في المحارم هي تطور في اتجاه الحضارة وليس العكس. وكما قلت في نظرية الحدود(3)، أن الآيتين هما الحد الأدنى للمحارم، ويمكن للإنسان الزيادة عليهما اجتهاداً، بدلي ما فعله النبي (ص) حيث زاد في عدد المحارم بقوله: {لا تجمعوا بين البنت وعمتها}. وهنا نلاحظ أن حركة النبي (ص) كانت صعوداً ضمن حدود الله، وهذا تعليم لنا بأن نتيجة صعوداً، لا أن نقف عند الآية فقط.

فإذا ألغينا الآيتين السابقتين من أي مجتمع إنساني، فإنه يعود مباشرة إلى المملكة الحيوانية في المشاعية الجنسية ومشاعية النسل، مما يؤدي إلى انهيار المجتمع بأكمله، ولا يمكن أن نطلق عليه مصطلح مجتمع إنساني لأن كلمة الأسرة تتلاشى ليحل محلها قطيع. وفي هذه الحالة لا تفيد المجتمع الدبابات والأسلحة النووية والتقدم العلمي والتقني. ولو بدأنا بالمحارم بالترتيب الذي وردت عليه في الآية 23 لوجدنا:

1 – الأم: هي أول المحارم التي بدأ مجتمع الأمومة بها، لأنها هي التي تلد، وقد تشكلت الأسرة الأولى من وعي الأولاد للأم أولاً، لذا فقد كانت هي ربة الأسرة، استمراراً لما هي عليه المملكة الحيوانية، مع فارق أن الحيوان، في مرحلة معينة، يترك أمة، ولا يتعرف عليها بعد سن الحضانة (تصرف غريزي)، أما في الإنسان فالابن يتعرف على أمه حتى بعد سن الحضانة. فتشكلت بداية الأسرة مع امتناع الابن عن معاشرة أمه جنسياً لوعيه لها، وهذه علاقة إنسانية واعية غير غريزية، فكانت الأم أول المحارم.

2 – البنت: هي المرحلة الثانية للمحارم. ونلاحظ هنا أن الخطاب موجه للذكر، بعكس الآية 31 من سورة النور، التي تخاطب الإناث المؤمنات. ويجب، في هذه الحالة حتى يستوعب الذكر الخطاب، أن يكون وعي الأب لابنته موجوداً. وبما أن الكلام عن النكاح، وجب أن يكون الأب واعياً لابنته المؤهلة للإخصاب (الناضجة جنسياً). لكن هذا الوعي جاء متأخراً عن وعي الأولاد لأمهاتهم، فعندما وعى الأولاد أمهم بادئ ذي بدء، كانت علاقة الأب الذكر بابنته غير محرمة، ثم جاء وعيه لابنته فدخلت التحريم.

3 – الأخت: هذه المحرمة الثالثة أكملت الركيزة الأساسية في المحرمات، التي اكتملت بها الأسرة الإنسانية، خلية المجتمع الأولى في أبسط أنواعها، متميزة عن الأسرة الحيوانية، فاكتمل بوعي الأخت الناضجة جنسياً، هذا الثالوث من الوعي.

كانت هذه المحرمات الثلاث الركيزة الأساسية في تشكيل وحدة المجتمع الإنساني الأولى، وهي الأسرة بأصغر أشكالها. وباكتمالها كان الإيذان بانتقال أسرة الأمومة إلى أسرة الأبوة، حيث الذكر لا ينكح أمه ولا ابنته ولا أخته، وبالتالي فهو يعي أمه وأخته وابنته، وبدون هذا الوعي لا يمكن كما قلنا لأسرة الأبوة أن تتشكل.

كانت المحارم الثلاث موجودة في مجتمع نوح، باعتبارها الحد الأدنى لقيام مجتمع إنساني، لذا كان مفهوم بر الوالدين الوصية الوحيدة بعد التوحيد، في رسالة نوح، علماً بأن وعي الوالدين حصل عند الإنسان قبل نوح، لقوله تعالى على لسان نوح: {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ..} نوح 28. فقد بينت هذه الآية وعي الأبناء للآباء. ولقوله تعالى على لسان نوح أيضاً: {قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ما له وولده إلا خساراً} نوح 21، فأوضحت هذه الآية وعي الآباء للأبناء، أي الوعي المتعاكس بين الآباء والأبناء. ولا يوجد في قصة نوح ما يدل على الرق في المجتمع (مجتمع العبيد) بل كان مجتمع الأسرة الأولية ومجتمع الطبقات الثلاث: الملأ، الكهنة، الأراذل.

أما المحارم فإنها أتت متأخرة، بعد أن كانت العلاقات الجنسية مفتوحة ومتروكة للأعراف، إذا كانت هناك أعراف. وأما الزنا كفاحشة فلم يكن موجوداً.

ويخبرنا القصص القرآني بأن أول ما حرم الله من الفواحش، بعد اكتمال الأسرة الأولية، هو اللواط. كما ورد على لسان لوط {إنكم لتأتون لفاحشة ..} العنكبوت 28 علماً بأن نكاح النساء من غير المحارم الواردة أعلاه، كان وقتها لا يعتبر فاحشة، كما جاء على لسان لوط في قوله تعالى: {قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ..} هود 78. تُرى هل كان يعرض عليهم الزواج ببناته، وهل كان عنده عدد من البنات يساوي عدد الذكور في قومه لنفعل هذان أم كان يعرض عليهم الإناث عوضاً عن الذكور؟

ويخبرنا القصص القرآني كيف صرف الله سبحانه الفاحشة عن يوسف، بنكاح امرأة العزيز في قوله تعالى: {ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} يوسف 24. ترى هل كان يقول ذلك لو كان يوسف يعلم أن نكاح امرأة العزيز من الفواحش؟ هنا سمى الله نكاح المرأة الغريبة لأول مرة فاحشة في عهد يوسف، إلا أن الزنا لم يحرم بشكل قطعي إلا في كتاب موسى.

أما بقية المحارم الواردة في الآية 23 في سورة النساء: وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت، فقد جاء حلقة في توسيع دائرة الأسرة الأولية، حصلت مع تطور الإنسان، ومع توسع وعي الأسرة، حتى شمل هذا الوعي العمة (أخت الأب) والخالة (أخت الأم) وبنت الأخ (مفهوم العم أخ الأب) وبنت الأخت (مفهوم الخال أخ الأم). هذا التوسع أدى إلى نشوء مفهوم الأسرة الكبيرة، التي سميت فيها بعد العشيرة، وتطورت من ثمّ إلى القبيلة. لقد حصل هذا التطور ضمن أعراف محلية، ثم بشرائع سماوية متنامية، بدليل أننا لا نجد نكاح بنت الأخ وبنت الأخت موجوداً ضمن المحارم في كتاب موسى.

لقد وسّعت الآية 23 من سورة النساء المحارم، حتى شمل عددها (13). وهذا هو الحد الأدنى من المحارم. ونلاحظ، كما أسلفنا، أن الرسالة المحمدية ضافت إضافات لم تكن محرمة في الجاهلية هي: الأم من الرضاعة، الأخ من الرضاعة، الجمع بين الأختين، امرأة الأب. وتأتي خاتمة الآية {وكان الله غفوراً رحيماً} ليشير إلى أن نكاح المحارم المذكورين فيها، قد سلف خلال التطور التاريخي وأن الله قد غفر ما سلف.

وهكذا نرى الإنسانية، من زاوية العلاقات الجنسية، تسير إلى الأمام، لتبتعد في سيرها عن المملكة الحيوانية. وقد أظهر القصص القرآني هذا الاتجاه بكل وضوح. ودعمته الأحداث لتاريخية والمكتشفات الآثارية. نسوق هنا أمثلة تبين هذا التطابق، وكيف نفهم صدق الخبر القرآن في ضوء التاريخ والمكتشفات:

1 – لقد كانت ظاهرة اللواط في قوم لوط ظاهرة علنية، دخلت في بنية العلاقات الاجتماعية، حتى أصبحت جزءاً مميزاً لحضارتهم في شكل طقس تعبدي ولهذا جاء ذكرها في التنزيل الحكيم {ولوطاً إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحدٍ من العالمين} الأعراف 80. {أئنكم لتأتون الرجال وتقطعوا السبيل وتأتون في ناديكم المنكر، فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين} العنكبوت 29. ونلاحظ ثلاثة أمور في آية العنكبوت:

أ – تأتون الرجال.

ب – تقطعون السبيل.

جـ – تأتون في ناديكم المنكر.

فإتيان الرجال يصرف عن إتيان النساء، ويقطع لنسل بالانصراف عن سبيل النسل، ولما كانت سبيل النسل واحدة فقد جاءت في الآية معرّفة.

أما إتيان المنكر في النوادي والمنتديات، فإشارة واضحة إلى أن الممارسة علنية وأن اللواط ظاهرة اجتماعية عند قوم لوط. يوضحها أكثر قوله تعالى: {.. قال يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم ..} هود 78. وقوله تعالى: {.. أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون} النمل 56.

2 – لقد أظهرت الحفريات في منطقة عمريت (جنوب طرطوس على الساحل السوري) أن العلاقات الجنسية من الممارسات التعبدية فيها. فإذا وهبت امرأة نفسها للمعبد، كان لكل من يدخل المعبد أن يطأها. ونجد أن الحفريات مئات التماثيل الفخارية المصغرة والمكبرة لأعضاء الذكورة. كما نجد أن النصب الكبير للمعبد في عمريت، تمثال مكّبر لعضو الذكر التناسلي. مما يدلنا بوضوح على الشبكة الكبيرة بين حضارة عمريت وقوم لوط، مع فارق أن الجنس في عمريت كان بين ذكر وأنثى، بينما هو عند قوم لوط بين ذكر وذكر.

كما يدلنا بوضوح على أن الإنسانية تسير في حضاراتها برقي متصاعد بعيداً عن المملكة الحيوانية. فنحن لا نجد اليوم ولا حضارة ترفع مكبّرات الأعضاء التناسلية على أنصاب، وتفتح لها المعابد، وتفرد لها الطقوس والشموع. على عكس ما ينثره البعض على رؤوسنا في المناسبات، أن الكون والإنسان يسير إلى الأرذل والأسوأ.

3 – لقد ذكر الله سبحانه مريم بنت عمران في تنزيله، وامتدحها بقوله: {والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين} الأنبياء 91- فأخبرتنا الآية أنها وصلت إلى سن النضوج الجنسي وهي عذراء محصّنة لم يمسسها بشر، وهذا في مقام المديح.

فإذا جاءنا اليوم في القرن العشرين شخص يقول إن فلانة من الناس، وصلت إلى سن العشرين مثلاً، وما تزال عذراء محصنة، فلن نرى أية غرابة في هذا الخبر، لأن مثلها بيننا كثير. لكننا إذا رجعنا إلى التاريخ، نرى أن مريم عاصرت الحضارة الرومانية، التي اشتهرت بالدعارة، والإباحة الجنسية العلنية، فنفهم أن ظاهرة الحصانة والعذرية في مثل ذلك المحيط، أمر يستحق المديح والتخليد.

ثمة نبي آخر، عاصر وصفاً ممثالاً، هو النبي يحيى (ص)، كان عليه أن ينجو م الفسق في وقته، فجعله الله حصوراً، أي غير مؤهل للعلاقة الجنسية (محصوراً عن الجنس). فهل في حضارات اليوم ممارسات للجنس تماثل التي كانت في عهد السيد المسيح؟

4 – في ذروة الحضارة العربية الإسلامية (دمشق، بغداد، القاهرة) كان يتم جلب آلاف الإماء إلى أسواق النخاسة، حتى طغى عددهن على عدد الحرائر، فهل يستطيع القارئ تصور العلاقات الجنسية التي سادت وقتئذٍ فأدت إلى أن ترتدي الحرائر لباساً خاصاً يميزهن عن الإماء، من بينة غطاء الوجه، الذي ورثناه باسم الحجاب الشرعي … هكذا نرى أن الإنسانية والحضارات، كما قلنا، تسير إلى الأمام في أمور العلاقات الجنسية، وليس إلى الوراء، كما يطيب للبعض أن يصوّر لنا الأمور معكوسة.

p2-59 p2-61 p2-63

(1) إذا أثبت العلم وجود بهائم من فصائل عليا لا تنكح أمهاتها، فهذا يدل أولاً على اشتراك البشر والبهائم في النفور من نكاح الأم مما يعني أن تحريم نكاح الأم فطري وليس مكتسباً. ويؤكد ثانياً أن أول المحارم في النكاح هو الأم وأن تسلسل التحريم في الآية فطري ثم أنتروبولوجي.

(2) نؤكد هنا على مفهوم الأقوى، وليس مفهوم الأدهى أو الأحنك، لأن مفهوم الدهاء والحنكة ظهر بعد أن تعقدت الحياة الاجتماعية وزادت الشهوات الإنسانية.

(3) انظر الكتاب والقرآن / قراءة معاصرة، ص(453).

اضف تعليق / سؤال:

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى