الرئيسية / الإسلام نظرة تجديدية / شهر رمضان…إن مع العسر يسرا

شهر رمضان…إن مع العسر يسرا

للسنة السادسة على التوالي يأتي شهر رمضان المبارك، والشعب السوري ما زال يعيش مأساته، في ظل آلة حرب مدمرة، أهلكت البشر والحجر، وما بين معتقل ومهجر وأم ثكلى هنا وأرملة هناك، لا يكاد يخلو منزل من أهوال تلك الحرب، ولا يعين على تحملها سوى الإيمان بالعدالة الإلهية التي لا بد أن تسحق الظالم يوماً ما، عاجلاً أم آجلاً، وتغدو العلاقة مع الله ملاذاً يجد فيه المؤمن الراحة لنفسه، ولعل رمضان هذا يحمل في طياته للمؤمنين بعضاً منها.

وشهر رمضان هو موسم لتعزيز صلتنا بالله، فيه أنزل القرآن من اللوح المحفوظ إلى الصيغة التي نعرفها، في ليلة القدر{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} (القدر 1)، وهي ليلة مباركة لا تقتصر على ليلة واحدة توافق ليل مكة، وإنما تستمر في كل عام حتى قيام الساعة {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} (القدر 5)، ومن هنا تنبع أهمية هذا الشهر لدى المسلمين المؤمنين بالرسالة المحمدية، فكما كتب على سابقيهم الصوم، كتب عليهم الصيام خلاله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة 183)، وكما أن لكل ملة شعائرها، لأتباع محمد (ص) شعائرهم أيضاً، هي أركان إيمانهم به كرسول، فإذا كانت أركان الإسلام بعالميته تناسب معظم أهل الأرض، من حيث كونه الإيمان بالله، أي شهادة ألا إله إلا الله بغض النظر عما تسميه، دون تجسيد، والإيمان باليوم الآخر، واقتران هذا الإيمان بالعمل الصالح، والقيم التي جاء بها توافق ما توصلت إليه الحضارة الإنسانية، وعلاقة الإنسان مع أخيه الإنسان تحددها هذه القيم، ولا تقبل المساومة والمقدرة، والخروج عن الصراط المستقيم يعرضك للمساءلة من الله تعالى قبل القوانين الدنيوية، فإن أركان الإيمان لكل ملة لها خصوصيتها، فإذا كنت مسلماً مؤمناً بمحمد (ص)، أي تشهد أن محمداً رسول الله، فعلاقتك مع الله قد لا تختلف من حيث المبدأ عن غيرك من أتباع ملل أخرى، لكنها تأخذ شكلاً معيناً، يتجلى في إقامة الصلاة خمس مرات في اليوم، وأداء الزكاة بحد أدنى 2.5 %، وصوم رمضان والحج إلى مكة إن استطعت، وهذه شعائرك التي لا إبداع فيها، طريقتها محددة ومعروفة.

وفي التنزيل الحكيم فرض الله علينا إقامة الصلاة وأداء الزكاة بشكل لا يقبل الاختيار، إذ قال تعالى في الآية الأولى من سورة النور {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النور 1) وفرض في هذه السورة أموراً بعضها لنا وبعضها علينا، ومن هذا البعض الثاني جاءت الآية {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (النور 56) ونحن اليوم نقيم الصلاة ونؤدي الزكاة كما أقامها وأداها رسولنا الأعظم، ووصلتنا عنه بالتواتر الفعلي، فلم يأت يوم على المؤمنين لم يقيموا فيه الصلاة، قبل أن تؤلف المجلدات والموسوعات في فقه الطهارة والوضوء وبعدها، وقبل أن تؤلف الأحاديث عن مفاوضات الرسول وموسى لتخفيف عدد الركعات وبعدها، وينطبق الأمر على الزكاة أيضاً، ولا خيار هنا، ولا جدال.

وفي الحج قال تعالى {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} (البقرة 197) فالإنسان هو يفرض على نفسه الحج إن وجد فيها الإستطاعة، ولذلك قال {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران 97) أي الحج أنت تقرره، لكنه خير {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ} من قام به عزز علاقته بالله {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} وبالتالي عزز التقوى في نفسه.

أما في الصيام فلنقرأ قوله تعالى في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ{183} أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{184} شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ{185}) فالآية الأولى هي المحكمة فيما يتعلق بالصيام، وما بعدها تفصيل لها، وفي الآية الثانية حدد حالتين اثنتين: الأولى حالة من لا يملكون الطاقة للصيام جراء مرض أو سفر حيث بإمكانهم تأجيل الصيام لحين المقدرة، والثانية حالة من يملكون الطاقة فإما دفع فدية مقابل عدم الصيام، أو الصيام وهو الأفضل {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، ولم يقل كفارة لأن الكفارة للذنب، ولا يوجد ذنب مرتكب هنا، بينما الفدية هي استبدال أمر مقابل آخر {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافات 107)، وفي الآية الثالثة (185) عاد لمن أراد الصيام، ثم حدد الطريقة في الآية {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (البقرة 187).
و “يطيقونه” نفهم منها أنهم يتحملوه، وإلا لما كنا ندعو الله بقوله تعالى {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (البقرة 286)، فمن يطيق الصيام هو من له طاقة به، أما ما نجده في كتب التفاسير عن معنى “يطيقونه” هو “لا يطيقونه”، ولا يدري أحد كيف أقحمت “لا” هذه.
أما القول أن الآية (185) قد نسخت الآية (184) فلا يمكن لدستور إنساني أن تنسخ فيه المادة الثالثة المادة الثانية، فما بالكم بكونه دستور إلهي، عدا عن أن مبدأ الناسخ والمنسوخ هو اختراع مسيء لكتاب الله، ولا وجود له، فالنسخ بين الرسالات لا في الرسالة الواحدة.

فإذا كان الله تعالى قد فرض إقامة الصلاة والزكاة بشكل ملزم، وترك للإنسان فرض الحج على نفسه، وضع الصيام في مكان وسط، حيث الاختيار بينه وبين الفدية، مع تفضيل الصيام عليها {وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ}، ومن هنا نفهم قوله {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}، وإلا أين اليسر في صيام شهرين متتاليين كفارة عن إفطار يوم في رمضان لظروف معينة خارج المرض أو السفر؟ علماً أن هذه العقوبة لم ترد في التنزيل الحكيم إلا لقاء القتل غير العمد أو الظهار، وأين اليسر في صيام عامل بناء يعمل تحت الشمس، أو في صيام ما يتجاوز العشرين ساعة في بعض البلدان؟
فمن كان مريضاً أو مسافراً لديه الرخصة بالتأجيل، أما من يستطيع الصيام ولا يريد فعليه دفع الفدية، والفدية كحد أدنى هي إطعام مسكين، والأفضل أن تكون إطعام أكثر {فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ}، ومن لا يملك الفدية على من يملك أن يدفع عنه ويدفع له، فالله تعالى لن يجبر الإنسان على أمر لا يقدر عليه.
أما من يخاف على الصيام أن ينقرض، فلا تخافوا تبقى نسبة من لا يريد الصيام ضئيلة، ولن ينقرض.

وفي الشعائر للإنفاق خصوصية بكونه علاقة أفقية مع الناس، أما في إقامة الصلاة والصيام والحج فالعلاقة مباشرة مع الله، يقبلها أو لا يقبلها دون أن يكون لأحد حق التدخل فيها، ولا إجبار عليها، فيأتيها المؤمن طواعية دونما إكراه، والتكاليف وفق الاستطاعة {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة 286)، وفي الوقت ذاته لا فضل لنا ولا منة على أحد في صيامنا أوعدمه، فأن تصوم خير لك لا للناس، ولتصم عن الغضب ولتؤد عملك كما يجب، ولتترك الناس في شأنها من أراد الطعام ومن أراد الصيام، وإرادتك للصيام يفترض ألا تهتز عند رؤية ما تشتهي، وإلا لا قيمة لصيامك.
وللأسف فإن رمضان في بلادنا فقد مفهومه الديني، ليتحول إلى شكل اجتماعي، فأصبح شهر عطالة وبطالة بامتياز، يرتفع فيه الاستهلاك ثلاثة أضعاف على الأقل عن غيره من الأشهر، وينخفض فيه الإنتاج ليلامس حدوده الدنيا، ويضرب الكسل أطنابه، وتنصب المآدب في إسراف لا يليق بمعاناة الجوعى حولنا.
واليوم وبلدنا تمر بأقسى الأوضاع، وغلاء المعيشة لا حدود له، تخيلوا لو أن 2% فقط من المسلمين المؤمنين السوريين دفعوا فدية صيامهم للفقراء داخل سورية، أو في مخيمات اللجوء، لتمكنوا من مساعدة مئات الآلاف ممن لا يجدون قوت يومهم، ولحقق رمضان بركته المرجوة، فهو مبارك من عند الله فلنباركه نحن بجهودنا وتكافلنا، دون انتظار لقرارات بمساعدات تلقى من الجو أم من البر، إن وفت فبالنذر اليسير لا أكثر.

الرابط على موقع السوري الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .