الرئيسية / الصفحة الحرة / فلسفة التاريخ من منظور القراءة المعاصرة – عبد الحق بوزيان

فلسفة التاريخ من منظور القراءة المعاصرة – عبد الحق بوزيان

جميع الآراء الواردة في هذا الموضوع تعبر عن رأي كاتبها، وليس بالضرورة أن تكون متوافقة مع آراء الدكتور محمد شحرور وأفكاره

فلسفة التاريخ من منظور القراءة المعاصرة للدكتور محمد شحرور

عبد الحق بوزيان

هل التنزيل الحكيم في جزئه القصصي يروي لنا أحداثا تاريخية وإنسانية كمؤرخ أم كفيلسوف؟ سؤال من أخطر الأسئلة التي ناقشها الدكتور محمد شحرور في كتابه الأخير “القصص القرآني: قراءة معاصرة” الصادر عن دار الساقي سنة 2010 وذلك وفق المنهج العلمي الذي اعتمده وراكمه منذ بداية دراسته لنص التنزيل الحكيم وتأسيسه لمشروع القراءة المعاصرة . فإذا كان القصص القرآني يسرد الوقائع التاريخية كمؤرخ – يقول الدكتور شحرور- فهو غير واف ولا كاف لتغطية جميع الأحداث التاريخية والإنسانية التي وقعت من عهد آدم إلى خاتم المرسلين. أما إذا حاولنا قراءته وفق التصور الذي أراده القرآن الكريم في قوله تعالى: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يعلمون} يوسف:111، (فسنجد أنفسنا أمام فلسفة للتاريخ تكشف عن قوانين سيرورة الإنسان في حركية التاريخ وجدلياته داخل هده السيرورة process، بمعنى أن القرآن الكريم اختار أحداثا تمثل مفاتيح ومؤشرات لفهم تطور محور التاريخ الإنساني بكل إحداثياته- من معرفة، اجتماع، اقتصاد، قيم وتشريع- وذلك من خلال السنن التي تحكمه والتي يطلق عليها القرآن مصطلح “العبرة”. إذن ثمة منهجان لدراسة التاريخ: منهج يقوم على دراسة الأحداث التاريخية وتحليلها في مدة زمنية معينة وهذه مهمة المؤرخين) منهج ستاتيكي (méthode statique)، (وآخر يهتم بدراسة تطور الأحداث التاريخية وفق تسلسل زمني محدد مع استنباط السنن والنواميس التي تحكمها وهذا من اختصاص فلاسفة التاريخ) منهج ديناميكي (méthode dynamique).

اعتمد العقل السلفي منذ عصر التدوين إلى وقتنا الراهن على المنهج الأول في فهمه للقصص القرآني فلم يأت بأي جديد على مستوى الطرح الفكري إذ أن نظرته السكونية للتاريخ الإنساني جعلته يقتصر عند قراءته للقصص القرآني على الجوانب الإعجازية والأسطورية والخيالية دون إدراكه لوجود قانون موضوعي يحكم السيرورة التطورية للنبوات والرسالات. فالمتتبع للقصص القرآني في كتب التراث لا يخفى عليه وجود القراءة التأريخية المهتمة بتفاصيل الحدث ومكانه وزمانه وأسماء شخوصه والمفاجآت الخارقة وغير المتوقعة لقوانين الطبيعة واختصار للقصة في إطار الغيب الأسطوري وكذا غياب لقراءة السنة الموضوعية القابلة للعقلنة في سياق مجريات التاريخ. فكان من نتائج هذه القراءة غياب الرؤية الزمكانية للحدث والشروط الموضوعية التي أفضت إليه. وقد تعدت هذه الرؤية الستاتيكية للمنظومة السلفية المادة التاريخية لتشمل النواحي الكونية والإنسانية، فلم يخضع خلق الكون والإنسان وفق هذا النموذج المعرفي لقانون التطور والارتقاء بالرغم من كثرة تداول هذا المفهوم في عدد من آيات التنزيل الحكيم (راجع قصة آدم كما وردت في كتب التفسير والتاريخ)، وكذلك تم اعتبار العنصر الزمكاني في القصص المحمدي سنة ثابتة،” وبذلك لم يعد النص متحركا في محتواه نحو الواقع، وإنما على الواقع أن يتحرك نحو النص وما اختلط به من موروث ثقافي وفقهي. وبدلا من أن يسير الواقع بالنص نحو الأمام، أصبح يسير باتجاه الخلف، فغدا التنزيل الحكيم مترجما في الأحكام الفقهية ثابت النص والمحتوى معا” (القصص القرآني: قراءة معاصرة، ص: 41).

لقد قامت العقلية التراثية- قديما وحديثا- أثناء قراءتها وتفسيرها لآيات القصص القرآني، بإهدار البعد التراكمي فيها معرفيا وقيميا وتشريعيا، فاصطدمت بمنهج البحث التاريخي كما تقاربه آيات التنزيل الحكيم، وبالتالي تقاطعت النتائج والخلاصات التي توصلت إليها مع الحقائق التاريخية المثبتة في آيات “القصص الحق” {إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله، وإن الله لهو العزيز الحكيم} آل عمران: 62، (فاعتمدت – من أجل فك هذه التناقضات – على منهج “التلفيق النصوصي وذلك على حساب الحقيقة التاريخية حتى تملأ الفراغ الذي تركه النص للإنسان في بحثه وقصه للأثر التاريخي من أجل إثبات أو نفي مصداقية القصة وما تدعو إليه من قيم يعتبر بها”) نفس المرجع، ص: 178

في هذا السياق تأتي قراءة الدكتور محمد شحرور كمحاولة لإعادة وضع القصص القرآني في موضعه الصحيح وذلك بعد تفكيكه النموذج المعرفي السلفي – الذي تعامل معه بالمنهج الذي أشرنا إليه- من خلال عملية نقد لدوره- أي القصص- السابق في المنظومة المعرفية الموروثة بغية الكشف عن البنية التفسيرية للتاريخ الذي تعامل في إطارها العقل العربي مع التنزيل الحكيم وفسره وفقا لمنهجه وسقفه المعرفيين.

إن المدخل الرئيسي لفهم القصص القرآني حسب منهج القراءة المعاصرة للدكتور شحرور هو جدل الإنسان مع ذاته ومع الطبيعة والمجتمع (الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة، ص:249-315)، فعندما يتم تغييب البعد الجدلي في تفسير حركية التاريخ وصيرورته becoming يتحول القصص إلى أحداث تاريخية غامضة وخارقة ولا متناسقة، فتنشأ بذلك أساليب التفسير الخرافية والأسطورية – التي تعتمد قي مجملها على الإسرائيليات وروايات أهل الكتاب – لفك هذه الالتباسات والتناقضات. فشرط القراء المعاصرة للقصص القرآني يكمن أولا في رفع وإزاحة ركام التلبسات الأيديولوجية عن النص ثم اعتماد مبدأ السير في الأرض أو قراءة أقوال من سار في الأرض وبحث ونقب واكتشف {أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده، إن ذلك على الله يسير. قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير} العنكبوت:19-20، {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} آل عمران:137، وكذا اعتماد الدراسات البينمناهجية التي تقاطع بين علم دراسة النصوص والتاريخ والأنتربولوجيا والأركيولوجيا وعلم الإجتماع.

يعتبر تحديد تموقع الجزء القصصي من البنية الإجمالية لنص التنزيل الحكيم أهم نقطة ساعدت الدكتور شحرور في بلورة المفاهيم المؤسسة لفلسفة للتاريخ مستنبطة حصرا من القرآن الكريم، فالقصص القرآني (أو الكتاب المبين كما يسميه القرآن الكريم) هو مجموعة أحداث إنسانية تم تسجيلها بعد وقوعها وتصنيفها وأرشفتها في إمام مبين {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين} يس:12، ولا علاقة له باللوح المحفوظ الذي يمثل برنامج القوانين الصارمة الناظمة للوجود الذي لا ينفع فيه دعاء ولا يتغير من أجل أحد. فالحدث الإنساني ينتمي قبل وقوعه إلى عالم الممكنات، وبعد وقوعه يدخل في عالم الحتميات – إذ لا رجعة فيه – ويتحول إلى حقيقة تاريخية موضوعية.

من هذا المنطلق انتقد الدكتور شحرور بشدة فلسفة النزوع إلى مطابقة اتجاهات التاريخ مع نسقية قوانين الطبيعة كما يتصورها النموذج الماركسي في تفسير دينامكية التاريخ المرتكز على مقولة الحتمية التاريخية ومحاولة إسقاط كيفية عمل القوانين الطبيعية وسحبها على الكيفية التي تسير بها قوانين التاريخ، حيث ” ينفي هذه الحتمية عن التاريخ بناء على حرية الإرادة الإنسانية، وهدا لا يعني أن التاريخ يسير بشكل فوضوي عشوائي. ولكن للإنسان دورا كبيرا في حركة التاريخ فهو الفاعل الرئيسي فيه من خلال جدله الخاص الذي يتعالى على ما سواه، إذ لا يمكن فهم هذا الجدل من خلال فهمنا لجدل الطبيعة، بل إن جدل الإنسان مجاور لجدل الطبيعة ومتفاعل معه من موقع مستقل. فالإنسان ليس مادة من مواد الطبيعة فهو يملك حرية الاختيار الأمر الذي يجعله متعاليا عليها متفاعلا معها من موقع المسخر. وبالتالي لا يمكن المقابلة بين قوانين الإجتماع والتاريخ وقوانين الطبيعة، ففي هذه الأخيرة نوع من الصرامة وإمكانية التنبؤ بدقة بالنتائج، أما التاريخ والإجتماع فيصعب التنبؤ بنتائجهما” (القصص القرآني: قراءة معاصرة، ص:154-155). لقد وقعت العقلية التراثية كذلك أسيرة لهذه النظرة الماركسية الحتمية للتاريخ، فاعتقادها بتماثل نسقية قوانين التاريخ الإنساني وقوانين الطبيعة واطر ادهما، وكذا إيمانها بوحدة المنهج الراصد لحركتيهما أدى إلى تسليمها بإمكانية إستعادة التجارب التاريخية بتفاصيلها وتعميمها كنماذج تاريخية ثابتة وملزمة إلزامية القوانين العلمية.

لقد قام الدكتور شحرور أثناء استكشافه وصياغته فلسفة معاصرة للتاريخ من داخل نص التنزيل الحكيم بإحداث قطيعة معرفية مع الرؤية التراثية السكونية للتاريخ من خلال اختراقه المدارس التفسيرية الموروثة وكذا تبنيه المنهج الديناميكي لقراءة التاريخ فتشكل لديه جهاز مفاهيمي مكون من مصطلحات مؤسسة لفلسفة القصص القرآني وهي النبأ والخبر – العبرة – الأسطورة والخرافة – القص والقصص – التأويل – السنة التاريخية، وذلك وفق القواعد المنهجية التي اعتمدها والتي يمكن تلخيصها في النقاط الأساسية التالية:

  • إن القراءة المعاصرة للقصص القرآني هي محاولة لاكتشاف العبر التي تستبطنها الأحداث التاريخية أي القوانين التي تحكم خط سير التاريخ، باعتبار أن مصطلح العبرة المتداول في القرآن الكريم يشير إلى السنن التي تعبر القرون والسنين من جيل لآخر (انظر مادة عبر في معجم مقاييس اللغة لابن فارس). وهذه هي نقطة التنافر والتقاطع بين هذه القراءة وبين التفسيرات الموروثة التي تناولت القصص القرآني من زاوية أحادية العبرة تتمثل في انتصار الحق على الباطل وهلاك أعداء الله.
  • تحاول القراءة المعاصرة للقصص اكتشاف قانون التراكم المعرفي والقيمي والتشريعي في التاريخ وربطه بدور الوحي في توجيهه وكذا عمل الوحي على تطوير الضمير الإنساني ومتطلباته التشريعية. من هذا المنطلق تعتبر القراءة المعاصرة أن القصص القرآني يتضمن المفاتيح التاريخية التالية:

1- عملية الأنسنة، وهي انتقال البشر إلى إنسان من خلال نفخة الروح، وبداية بروز بعض المفاهيم المجردة مثل الخير والشر، الطاعة والمعصية، البقاء والفناء، الفجور والتقوى، التوبة….وغيرها من المفاهيم المبثوثة في قصة آدم.

2- تطور الإسلام كدين: يتجلى هذا التطور في ثلاثة أبعاد:

أ- تراكم القيم من نوح إلى خاتم المرسلين، فبر الوالدين والعدل في الكيل والميزان والإقساط في اليتامى وأداء الأمانات إلى أهلها واجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن وترك الكذب والغيبة والنميمة وغيرها من القيم الإنسانية لم تأت دفعة واحدة لنبي واحد أو لرسول واحد بل جاءت متراكمة على مدى قرون وقرون.

ب- ظهور الشعائر، حيث ظهرت الصلاة أول مرة عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ثم اختلف شكلها حسب الملل المختلفة لكنها بقيت رغم اختلافها تجسد الصلة بين العبد وربه.

ج- تطور التشريعات من نوح إلى محمد – صلوات الله عليهم أجمعين – من المشخص إلى المجرد ومن الحدي العيني إلى الحدودي وفق آلية النسخ والإنساء بين الرسالات السماوية.

  • إن اكتشاف البنيات الرئيسية لتشكل الوعي الإنساني عبر التاريخ وإعادة تصحيح المفاهيم التي تكون من خلالها تمثل أول خطوة في عملية فهم الإنسان وعلاقاته مع الآخرين، ومن ثم إعادة تشكيل الوعي الجمعي الإنساني من خلال مراجعة نقدية للتاريخ الإنساني.
  • تسعى القراءة المعاصرة للقصص إلى ربط المعجزة بطبيعة النسق الثقافي ودراسة سبب التدخل الإعجازي في حركية التاريخ، فلا يمكن أن تفهم المعجزة بمعزل عن النسق الثقافي وإلا لم يكن لها الأثر المطلوب. فمثلا كانت معجزة موسى تقارع ثقافة السحر التي كانت سائدة في عصره.
  • تقوم القراءة المعاصرة للقصص أيضا على محاولة فهم واستيعاب العلاقة بين وعي الإنسان بذاته وبالآخر والمقدس، وبين نضج كينونته القادرة على توليد تشريعاته من خلال إدراك دور الوحي في تصحيح هذا الوعي، وكذلك على محاولة فهم علاقة النماذج التشريعية التاريخية التي جاءت بها الرسالات بما لابسها من أحداث سجلت في القصص.
  • تعتبر القراءة المعاصرة القصص القرآني سجلا يرسم حركة سير التاريخ من خلال تطور المعارف بالنبوات وتطور القيم الإنسانية والتشريع بالرسالات، لكن مع انقطاع الوحي واكتمال الدين {اليوم أكملت لكم دينكم} المائدة:3، تأسست كفاية الإنسان بذاته suffisance وذلك بإعلان التنزيل الحكيم بلوغ الإنسانية مرحلة الرشد، إيذانا ببدء مرحلة ما بعد الرسالات التي سينتقل فيها الإنسان من وصاية الوحي إلى مفهوم الإستهداء به.

هي رؤية جديدة – إذن – لفلسفة التاريخ استطاع الدكتور المهندس محمد شحرور أن يرسي دعائمها من داخل القصص القرآني مستعينا بكل ما استجد من مناهج بحثية وأدوات علمية وذلك وفق السقف المعرفي للقرن الواحد والعشرين، فالمعرفة أسيرة أدواتها كما يردد دائما الدكتور شحرور. قراءة أعتبرها الثانية على مستوى التقييم النوعي في تاريخ الفكر الإسلامي بعد القراءة التراثية التي تم اجترارها على مدى قرون من الزمن بنفس المنهج ثم أعيد إنتاجها بأسلوب جديد على المستوى الشكلي والتقني. هذه القراءة – أخيرا – إنما تستمد مصداقيتها وعلميتها – فيما أعتقد – من عدم ادعاءها شرف التماهي مع النص القرآني كما هو الحال عند ذوي التفسير الطوباوي المطلق للتاريخ، بل يقدمها صاحبها كمقاربة تستخدم المنهج المعرفي الذي اعتمده في قراءته لنص التنزيل الحكيم.

2 تعليقان

  1. لم تتضح البنية المعرفية الت يريد الدكتور شحرور تشيدها فمن اين يبدا وماهي منطلقاته الفكرية  نحتاج الى ملخص لافكاره ان امكن

  2. في حال أنك لم تقرأ مؤلفات محمد شحرور بشكل مستوفي، أحيلك إلى الرابط الموجود في أعلى الصفحة (المنهج المتبع) أرجو أن تتطلع عليه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .