الرئيسية / اللقاءات والمقابلات / اللقاءات الصحفية / أرفض تحويل الموت إلى مؤسسة تحت أي شعار حتى لو كان “لاإله إلا الله محمد رسول الله” – صحيفة الراية القطرية

أرفض تحويل الموت إلى مؤسسة تحت أي شعار حتى لو كان “لاإله إلا الله محمد رسول الله” – صحيفة الراية القطرية

مفكر سوري مثير للجدل.. عرف بطروحاته المغايرة لما هو شائع ومتعارف عليه لدى أغلبية المسلمين.. بدأ أبحاثه منذ سبعة وثلاثين عاماً، ويعتبر أن هزيمة “67” هي التي دفعته إلى هذا المنحى من التفكير الذي أسهم البوح به في إيجاد الكثير من الخصوم في العالمين العربي والإسلامي، كما أوجد له مؤيدين ومعجبين.. وإن كان بعضهم لا يوافقه على أفكاره وقراءاته إلا أنه لا يستطيع إلا أن يحترم جهده مثابرته.. إنه الدكتور “محمد شحرور” الذي صدر له أربعة كتب حتى الآن والخامس ما يزال مخطوطاً.. وأثار كتابه الأول “الكتاب والقرآن” عواصف وزوابع تمخض عنها ثلاثة عشر كتاباً نقدياً.. وآلاف المقالات.. بعضها كفره وأخرجه عن دينه.. ومنهم من شبهه بسلمان رشدي.. وهذا كله لم يمنعه من متابعة مشروعه الذي لفت انتباه الكثيرين في معظم أنحاء لعالم.. فترجمت كتبه إلى اللغات الإنكليزية والروسية والإندونيسية. الراية زارت الدكتور “محمد شحرور” في مكتبه الهندسي المتواضع وسط دمشق للتعرف على تجربته التي لا تخلو من الجرأة والوقوف عند بعض ما ورد في كتبه من أفكار وطروحات عبر الحوار التالي:

نبدأ بما حصل قبل أيام في “منى” أثناء أداء الحجاج لأحد شعائر فريضة الحج التي تتمثل في “رمي الجمرات”، ما رأيك بحادثة التدافع الأخيرة التي خلفت “362” قتيلاً بين حجاج بيت الله الحرام.. وكيف تفهم فريضة “الحج” عموماً..؟

أولاً أريد أن أبدأ بحديث رسول الله (ص) عندما وضع عصاه على الأرض فرسم خطاً وقال “هذا صراط مستقيم” ومن ثم رسم ستة خطوط إضافية من كل طرف، وقال “هذا صراطي مستقيم فاتبعوه ولا تتبعوا تلك السبل” مشيراً إلى الخطوط الستة التي رسمها من كل طرف، هناك إثنا عشر خطاً يمثلان إثنا عشر سبيلاً هي الخروج عن الصراط المستقيم، هذه الخطوط التي رسمها رسول الله (ص) هي المحرمات الواردة في كتاب الله تعالى، فالمحرمات منذ أن بعث محمد (ص) حتى اليوم هي إثنا عشر محرماً ولا يمكن زيادتها، لا بمفتي ولا بمسؤول ولا بمجمع فقه، وبالتالي لا يحق لأحد أن يزيد عن تلك المحرمات لأن المحرم هو شمولي وأبدي ومن يقول أن التدخين حرام فهذا يعني أنه لا يحق لكل أهل الأرض أن تدخن، ومن سيأتي بعد خمسمائة عام لن يحق له أن يدخن أيضاً، أن أقول لهؤلاء بأي حق تحرمون ومن أعطاكم هذه السلطة؟ يمكن أن تقولوا ن التدخين ممنوع، ولكن هذا ظرفي مرتبط بالزمان والمكان، أما أن تقول حرام فهذا يعني أمراً مطلقاً وشمولياً وأبدياً، هذا التباس أول في الفقه الإسلامي ويتمثل في توسعهم بالمقارنات وهذا كله كلام فارغ.

ثانياً: ما يتعلق بالحج أنا أعتقد أن الشعائر كلها من أركان الإيمان.. فأركان الإسلام اثنا عشر محرماً وليس من بينها الحج ولا زكاة ولا صوم.. هذا ما قرأته في كتاب الله، هذه المحرمات إنسانية عامة ليست وقفاً على أتباع محمد (ص). فاليهودي يلتزم بها والكونفوشي وغيرهم… هي عالمية وفيها تظهر عالمية الإسلام فقط. أنا أريد أن أقول إن التكاليف هي كلها من أركان الإيمان.

والحج كان موجوداً أصلاً قبل البعثة المحمدية وكان الناس يحجون في التاسع من ذي الحجة، والآن إذا أخذنا آية الحج “الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج”. إذاً قال “الحج أشهر معلومات” ولم يقل الحج يوم ولم يقل شهر، بل قال أشهر والأشهر هي جمع.. ثلاثة فما فوق، فالحج يجوز أصلاً في الأشهر الحرم، أي يوم من الأشهر الحرم يجوز فيه الحج، وهي “ذو القعدة، ذو الحجة، محرم، ورجب” أي “120” يوماً وبالتالي الحج يكون في أي يوم من أيام هذه الأشهر، فالحج أشهر معلومات وليس يوماً.

هل تقصد أنه يجوز أداء فريضة الحج في تلك الأشهر؟؟

القيام بالفريضة هو أيام {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ} [الحج : 28]، فالإنسان يحج في عدة أيام، وبذلك نفهم أن الحج مؤتمر، أي أن هناك 120 يوماً وهناك متسع في الوقت لتجنب مثل هذا الازدحام الذي لا حاجة له أصلاً، وقد قالوا سابقاً أن المقصود في أشهر هو حتى يجهز الإنسان نفسه قبل شهرين أو ثلاثة للذهاب إلى الحج، لكن في أيامنا هذه يجهز نفسه للحج قبل يوم واحد فقط. فهذا التفسير الآخر غير صحيح، التاريخ والواقع رفضه، وبالتالي يبقى الحج أشهر، وعليهم أن يتذكروا ذلك وأن عرفات يمكن أن يكون في أي يوم من الـ 120 يوماً خلال الأشهر الحرم، ورسول الله (ص) حج في التاسع من ذي الحجة ولم يحج سوى مرة واحدة، وتوقيت حجه هذا كان قبل البعثة، ولم يكن هذا الزحام الموجود في أيامنا، ولذلك يمكن الآن أن نفهم معنى هذه الآية أكثر من أي وقت مضى، من يقول أن الرسول (ص) لم يقل ذلك أقول له صحيح ولكن الله قال {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} [البقرة : 197]، ولم يقل يوم، وأركان الحج هي عرفة والإفاضة، وهذه يمكن أن تكون في يوم احد.

نجد في كتبك ما هو مغاير للشائع والمألوف فيما يخص نظرتك لأركان الإسلام من عبادات وفرائض، كيف يفهم “محمد شحرور” هذه الأركان عموماً، وهل تعتبرها غاية أم وسيلة؟؟

أولاً: الأزمة الكبرى للمسلمين هي الخلط بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، والأمثلة على ذلك كثيرة أذكر منها ما نقله “البخاري” في كتابه ضمن باب الإيمان الحديث رقم”1″ : “بني الإسلام على خمس” فمن هذا الحديث نستنتج أن البخاري كان لا يفرق بين أركان الإسلام وأركان الإيمان، والدين كله ليس غاية بحد ذاته، نحن جئنا لنحيا بالإسلام لا من أجل الإسلام، وقد كتبت إذا كنا جئنا لنحيا من أجل الإسلام فلا حاجة لنا به، وبالتالي كل شيء هو عبارة عن وسيلة لسعادة الإنسان الذي يمثل محور الأديان كلها بما فيها الملة المحمدية.

ولكن كيف تفسر قول الله عز وجل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}[الذاريات : 56]؟

غالبية المسلمين يعتبرون أن الله خلق الإنسان من أجل أداء هذه الفرائض انطلاقاً من الآية التي ذكرتها، لكن أنا أفهم العبادة هنا بأنها تعني حرية الاختيار وليس الصلاة والصوم.. إلخ. فالناس يطيعون الله بملء إرادتهم، ويعصوه بملء إرادتهم أيضاً ومن أجل ذلك خلقهم، ونحن نؤمن بالعبادة لا بالعبودية، بمعنى أن الناس عباد الله وليسوا عبيداً له، هذا أمر جوهري جداً لأن العبودية لله في الحياة الدنيا ليست مطلوبة، وإذا رضينا بالعبودية فهذا يعني أنها لغير الله. وإذا أخذنا أركان الإسلام المزعومة لا نجد فيها أخلاقاً وبالتالي الشعائر عند المسلمين “أتباع الرسالة المحمدية” نامية جداً ومتطورة، أما الأخلاق فهي متدنية جداً، وهذا ما أراه في مختلف أرجاء العالم العربي، ولا أقصد هنا “الحجاب” وإنما الأخلاق بشكل عام من ناحية الغش والكذب والمعاملات السبب يعود في الأصل إلى أنهم لم يقولوا لنا أن هذا من أركان الإسلام. قالوا لنا الصلاة الصيام والزكاة والحج، وأن الأخلاق ليست من ضمنها، لم يقولوا لنا أن الصدق من أركان الإسلام، ولذلك تجد في معظم المجتمعات العربية والإسلامية أن إفطار يوم في رمضان أشد من الكذب.

وما هي أركان الإسلام في رأيك؟

أركان الإسلام هي: شهادة أن لا إله إلا الله وهي رأس الإسلام، وأركان الإيمان شهادة أن محمداً رسول الله وهي رأس الإيمان، فبالشهادتين أنا مسلم مؤمن، ويمكن أن يكون هناك مسلم غير مؤمن، ولكن لا يمكن أن يكون هناك مؤمن غير مسلم، فالإسلام سابق على الإيمان وهم قالوا العكس تماماً عندما اعتبروا أن أركان الإيمان هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأركان الإسلام هي الشهادتان والصلاة والصوم والزكاة والحج، ولذلك نحن نصوم ونصلي ونذهب إلى الحج ثم نؤمن بالله ونحلف به (يضحك).. هذه هي النتيجة.. العكس تماماً.

وماذا عن بقية الأركان؟

نعم.. هي إثنا عشر (شهادة أن لا إله إلا الله، وبالوالدين إحساناً، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تقربوا الفواحش، ولا تقتلوا النفس، ولا تقربوا مال اليتيم، وأوفوا الكيل والميزان بالقسط، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى، وبعهد الله أوفوا، حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وعماتكم وخالاتكم، أحل الله البيع وحرم الربا، حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)، وهذه الأركان إنسانية، فهل البوذي يبر والديه أم لا؟ وهل يؤمن بقتل النفس؟ أم يؤمن بالغش؟ وهل يؤمن بشهادة الزور؟ هنا تظهر عالمية الإسلام كل عمل أخلاقي إنساني عالمي أمر جيد وهو من الإسلام وليس وقفاً على أتباع الرسالة المحمدية، وكل عمل لا يقوم به سوى أتباع الرسالة المحمدية فهو من الإيمان.

لديك طروحات أيضاً في موضوع الحجاب واختلافه باختلاف الزمان والمكان، هل لك أن تشرح لنا ذلك.. وكيف ترى واقع المرأة في البلدان العربية والإسلامية؟

أعتقد أن التركيز على حجاب المرأة بهذا الشكل في البلدان العربية له مؤشر هام جداً هو أن الفكر الإسلامي في حالة إفلاس ولذلك وصل إلى هذا المستوى، والحجاب ليس من أركان الإسلام ولا من أركان الإيمان، لنأخذ مثلاً سكان المملكة العربية السعودية وقطر، هل يمشي الرجال هناك بدون غطاء الرأس لماذا؟ هل هو حجاب شرعي؟

هو عادة من العادات الموجودة هناك….

وماذا كانت تلبس السيدة خديجة أم المؤمنين قبل البعثة؟ هل كانت عارية؟ كان زيها عربياً، وما هو الفرق بين زي خديجة وعائشة؟ أعتقد أن الشيء الذي يقولون عنه أنه حجاب هو لباس العرب البدو في القرن السابع، فأقرهم الرسول (ص) على هذا، وكان هناك صدر مفتوح فقال لهم هذا من الجيوب، علماً بأن الجيوب هي ليست الصدر فقط، هناك مناطق أخرى من الجيوب أيضاً، والجيوب هي زينة المرأة المخفية، وليس القرط والشعر والحلية.. إلخ، وكان في تلك الأيام أحد الجيوب ظاهراً وهو فتحة الصدر، فطلب منهم القرآن تغطية الجيوب أي تغطية شق الصدر، بينما الجيب عند موسى (ع) يتجسد في قوله تعالى: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ} [القصص : 32]، {وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ} [طه : 22] ويقصد هنا تحت الإبط، والنساء أيضاً لها تحت إبط وليس الرجال فقط، فلماذا المرأة العربية لم تغطي ذلك؟ لأنه كان مغطى بالأصل. وعندما قال (جيوبهن) قصد الزينة المخفية وهي التي لا يجب أن تظهر. في كل آيات المصحف إن كان سورة الأحزاب أو النور، الرأس ليس علاقة بذلك والشعر لا علاقة له إطلاقاً.

نفهم من كلامك أنه لا ضرورة للحجاب الشرعي الإسلامي المتعارف عليه؟

هو عبارة عن لباس أعراف وتقاليد فقط، اللباس هو حالة اجتماعية، ويجب على المرأة أن تراعي مجتمعها بحيث لا يؤذيها، وأذيتها من المجتمع هي عقوبتها وليست من الله {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب : 59]. عندما يقولون إن هذا يثير الغرائز، أقول أن المرأة لديها إرادة مثل الرجل، وحين يطلبون من المرأة أن تتحجب وتختفي فهم بذلك يعتبرون أن الإرادة موجودة عند الرجل فقط، أما المرأة فليس لها أي إرادة!! وأعتقد لا يمكن أن تتم أي فاحشة بدون رضا المرأة أو رغبتها وإلا كان اغتصاباً، وقد أكد القرآن الكريم على هذه النقطة عندما وضع الزانية قبل الزاني، فقال: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي} [النور : 2] وهو بذلك يقصد الإشارة إلى حالة رضائية.

فتاوى التحريم والتحليل.. هل تقبلها أم ترفضها، وإن كنت ترفضها فما هو البديل؟ سيما أن عصرنا يشهد لكثير من الظواهر الجديدة كالتدخين والمخدرات ومواضيع أخرى إشكالية كالاستنساخ وغيره. أليس الناس بحاجة إلى فتاوى لإرشادهم إلى الصواب؟

لا يمكن إضافة محرم واحد على المحرمات الواردة في كتاب الله، لأن الحرام له تعريف خاص أنه شمولي وأبدي. فمن يحق له وضع تشريع من هذا النوع؟ لا أحد.. وتحريم التدخين لوحده يحتاج إلى رسالة بعد محمد (ص) وتحريم واحد يحتاج إلى رسالة جديدة، أما المنع فهو مفتوح لأنه ظرفي يرتبط بالمكان والزمان، وبالتالي لا يحق لأولي العزم من الرسل مجتمعين تحريم التدخين.. ويحق لمحافظ دمشق منع التدخين في الأماكن العامة، ولكي يمنعه عليه أن يقدم برهانين اثنين، الأول: الدليل العلمي، والثاني: الحصول على موافقة مجلس المحافظة، لأنه إذا قدم الدليل العلمي ولم يوافق مجلس المحافظة، لا يمنع التدخين، فإفتاء من هذا النوع هو من تخصص البرلمانات والمجالس البلدية، ولا علاقة للمفتين به، لهم علاقة بالشعائر فقط، ولا يحق لهم أن يحرموا الموسيقى أو الغناء مثلاً، وإن منعوا أو سمحوا بشيء فإنه غير ملزم.

نعلم أنك مهندس مدني وحاصل على دكتوراه في الهندسة.. ما الذي دفع من دَرَسَ وتَخصصَ بالهندسة إلى الغوص في متاهات الدين والفقه..؟

السبب الأول: أنني قرأت في كتب التراث ووجدتها غير مقنعة، أنا لم أقتنع بها. والثاني أن دخول الجنة والنار ليس من اختصاص رجال الدين ويجب أن أعرف أنا كيف أدخل الجنة أو النار. والسبب الثالث هو حرب (67) حيث وجدت أن الفكر العربي والإسلامي يدخل في متاهة كبيرة جداً، ومن هنا كانت البداية وقبلها كنت أقرأ كثيراً ولا أقتنع.

دعني أقف هنا عند موضوع القناعة وإشكالياتها من الناحية الدينية.. في رأيك هل كان سيدنا إبراهيم (ع) مقتنعاً بذبح ولده إسماعيل وتقديمه ضحية لله عندما رأى ذلك المنام؟

نعم كان مقتنعاً.. لماذا؟ الآن أنت هل يخطر ببالك أن تسافر إلى أمريكا على جمل؟

لا.. طبعاً !!

لماذا خطر ما خطر على بال إبراهيم إذاً؟ ولأجيبك دعني أعيد القصة من أولها: عندما أسلم إبراهيم (ع) لخالق السماوات والأرض في ذلك الزمان، كان هناك سوق للآلهة وكانت تقدم قرابين بشرية لهذه الآلهة. هنا فكر إبراهيم: إذا كانت هذه الآلهة المزيفة تقدم لها قرابين بشرية فكيف يكون الأمر مع إلهي إله السماوات والأرض؟ ومن هنا خطر ما خطر على بال إبراهيم.. لماذا خطر على باله لم يخطر في بالك أنت؟ لأن الجو الذي كان يعيش فيه كانت تُقدم فيه قرابين بشرية للآلهة، ففكر كثيراً في هذه المسألة وكانت تؤرقه لأنه رأي المنام أكثر من مرة. بينما رأى يوسف المنام مرة واحدة فقط {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً} [يوسف : 4]، ولذا قال إبراهيم: {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات : 102] ولم يقل أني رأيت، الرؤية تكررت لأن هناك أمراً في خاطر إبراهيم يحدث أمامه، ولهذا رأى المنام، وبالمناسبة هل تعلم أن إسماعيل احتج حين قال لأبيه: {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات : 102]، لاحظ أنه لم يقل “إفعل ما ترى” وعندها أفتيت الرؤية بأن الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى قرابين بشرية ولذلك قال تعالى: {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران : 97] وهذا لا يعني أن من يدخل البيت لا يُقتل، فهناك أناس يُقتلون في بيت الله الحرام، وقد أخرج “الحجاج” عبد الله بن الزبير من الكعبة وقتله هناك. فالمقصود بـ {وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران : 97] من الله أن يطمئن من يدخل البيت لأنه لن يُقَدّم قرباناً لله و”صدق الله العظيم” ومصدقاً لذلك قوله تعالى {وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ}[الصافات : 108-109] أي أن القرابين البشرية ألغيت تماماً، وإذا وجد أي مجموعة من الناس تقدم قرابين بشرية فإن كل سكان الأرض تتدخل لمنعهم.

أنت تفسر القرآن بطريقة مغايرة لمعظم التفاسير الموجودة والمتعارف عليها.. كيف تقوم بذلك؟ وما هو المنهج الذي تعتمده في تفسير آيات وسور القرآن سيما أن هناك آيات متشابهات ومحكمات لقوله تعالى {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} [آل عمران : 7]؟

التفاسير الموجودة تفاسير زمنية بدائية، الإنسان عندما يقرأ نصاً فهو يستخدم أرضيته المعرفية بشكل تلقائي. وأنا لا أفسر اعتباطاً. بدأت عملي في هذا المجال عام 1967 وأصدرت أول كتاب عام 1990، استغرق ذلك 23 سنة. في هذا الكتاب المؤلف من 800 صفحة وضعت المنهج وتضمن 200 صفحة لتحديد المصطلحات.. عرّفت فيها الكتاب والقرآن والفرقان والذكر وأم الكتاب والمحكم والمتشابه والنبوءة والرسالة والألوهية والربوبية والحق والباطل.. إلخ والفرق بيني وبين الآخرين أنني لا أقبل الترادف ولا العبث أو الحشو. كما أنني أريد أن أرى المصداقية في أي آية تتعلق بالحياة الدنيا أنا أريد أن أقول “صدق الله العظيم” أثناء القراءة لا بعد القراءة. هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية أن الفكر الإسلامي يقوم على الترادف لأنهم إذا ألغوا الترادف بالكامل فإن الحديث يسقط لأنه روي بالمعنى وليس بالنص. بينما ورد القرآن بالنص. أنا أعتمد منهج الترتيل، فإذا قلت هناك فرق بين الأب والوالد، أقوم بالبحث في كل الآيات التي تذكر الأب والوالد وأقاطعها مع بعضها، وإذا فرقنا بين الأب والوالد يظهر لنا فقه جديد للتبني. والعلماء لا يفرقون بين الأب والوالد. مثلاً لماذا قال تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء : 23]، ولم يقل “حرمت عليكم والداتكم”؟ مثال آخر يقولون: عائشة أم المؤمنين وأنا أقول لماذا لا نقول عائشة والدة المؤمنين؟ هي أم المؤمنين وليست والدة المؤمنين، ومن هنا إذا فرق بين الأب والوالد وبين الأم والوالدة يظهر فقه جديد للتبني واستعارة الرحم وطفل الأنابيب وشراء البويضة.. إلخ كله يحل عندئذ، فالأم مصطلح فضفاض.. أم المؤمنين وأم مرضعة وأم حاضنة وهي التي تحتضن نطفة وبويضة امرأة اضطرت لاستئصال رحمها وما زال لديها مبيضان، أما الوالدة فهي صاحبة البويضة فقط. فقد يكون للإنسان أربع أمهات، ولكن لا يمكن أن يكون له سوى والدة واحدة ووالد واحد أيضاً، وهذا الوالد قد يكون أباً وقد لا يكون. والوالد هو صاحب الحيوان المنوي.

تعتبر أن المقصود بالقلب في القرآن الكريم هو العقل.. ولكن الله تعالى يقول: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : 46] .. ماذا تقول في ذلك؟

أقول أن صدر الشيء أعلاه.. ولهذا قال الشاعر:

نحن قوم لا توسط بيننا لنا الصدر دون العالمين أو القبر

الصدر هو هذا (ويشير إلى جبينه).

هل يريد “محمد شحرور” أن يلغي كل ما في التراث الإسلامي وما كرسه علماء الإسلام عبر دراسات وأبحاث استغرقت وقتاً وجهداً لا يستهان بهما؟

أريد أن أصنع قطيعة معرفية مع التراث.. إن الله سبحانه وتعالى بعث كتابه هدى للناس وأنا من الناس، والله لا يريد أن يهدي نفسه أو يعلمها، وإنما أرسل لنا لنقرأ ونتعلم ونهتدي. وأنا أريد أن أفعل ذلك ولا أقبل من أحد أن يمنعني أو يصادرني أو يكون وصياً علي. ولدي جرأة لمناقشة كل شيء.. المشكلة أنهم يظنون أن لإسلام مفروض على الناس بالقوة منذ 14 قرناً ولمجرد أن يجد الناس الفرصة للسير مع الإلحاد والفسوق فسيقومون بذلك!! ما هذا التفكير ولماذا كل هذا الخوف؟

هل ناقشت علماء الدين المسلمين بأفكارك وطروحاتك هذه؟

سبق وأن ناقشتهم عبر شاشة قناة “أوربت” خلال 20 حلقة مع عبد المعطي بيومي وعبد الصبور شاهين وسعاد صالح، وبالمناسبة أفكاري في مصر والسعودية منتشرة بكثرة، في لبنان وسورية التقيت فقط شيعة وناقشتهم.

في موضوع الخلاف السني – الشيعي.. كيف تنظر إلى هذا الخلاف؟

إنه خلاف سياسي 100% لنأخذ مثلاً حربي “الجمل” و “صفين”.. هل حصل الخلاف على ركن من أركان الإيمان؟ أم هل كان على ركن من أركان الإسلام؟ فلماذا إذاً هذا الخلاف الذي ذهب ضحيته آلاف القتلى؟ الخلاف كان سياسياً والمتقاتلون من الصحابة ولا فرق في السياسة بين الصحابة وغير الصحابة وبيننا وبين الصحابة.. أي أن الصحابة ليسوا بأفضل منا فيما يتعلق بالخلافات السياسية. ومن الناحية السياسية حصراً ينطبق عليهم القول “الثورة كالقطة تأكل أبناءها”، وهناك تشابه بين الطرفين فيما يقوله الشيعة عن “عصمة الأئمة” يقابله “عدالة الصحابة ” عند السنة.

ما رأيك بفكر الإخوان المسلمون؟ وكيف ترى التأييد الشعبي في البلدان العربية والإسلامية للتيارات الإسلامية عموماً؟

التأييد الشعبي سببه أن مشروعات الحداثة التي بدأ بها القوميون خانت وعودهم، والسبب الآخر هزيمة (67)، فالفشل في تحقيق أي شيء سبب ظهوراً للتيار الإسلامي كبديل سيما أنه نابع من أرضية الأمة وثقافتها، ولكن بما أن الحرية غير موجودة أصلاً كقيمة في الوجدان العربي وغير موجودة في الثقافة الإسلامية، وبالتالي لم توجد أطروحة إسلامية واحدة تقوم على حرية الفكر. وإلى الآن لم يقتل مسلم واحد في سبيل الحرية. أنا أعتقد أن الحرية هي القيمة العليا وبالتالي هناك كثير من المواقف للحركات الإسلامية تنسجم مع الاستبداد، وبالتالي طرح الإسلام كشعارات كما حصل مع حماس والإخوان الذين رفعوا شعار “الإسلام هو الحل” غير واضح، وبرأيي المسلمون ليسوا بحاجة إلى شعارات عاطفية لكسب المزيد من الأصوات، وإنما بحاجة إلى إبداع في فقه الدولة والسلطة لأنه لا يوجد في التراث العربي الإسلامي فقه دستوري.

في رأيك.. إلى أي حد لعبت التيارات الإسلامية الأصولية من مثال “أسامة بن لادن، أيمن الظواهري، وأبو مصعب الزرقاوي” وأتباعهم في إلصاق تهمة الإرهاب بالدين لإسلامي؟

لعبت حداً كبيراً جداً، ولكن أريد أن أؤكد على أن كل ما يطرحه “أسامة بن لادن وأيمن الظواهري” صيغ بالعصر الإمبراطوري، وأقصد في الفترة العباسية الأولى بالقرنين الثاني والثالث للهجرة عندما كانت الدولة الإسلامية أقوى دولة في العالم، وقد صيغت حينها مفاهيم عديدة كالجهاد ودار الكفر ودار الإسلام وغيرها من أنواع الجهاد. كل هذه المفاهيم صيغت حينها لدولة عظمى، والآن السيدان “ابن لادن والظواهري” يستعملان نفس المفاهيم والمصطلحات في دول صغيرة وضعيفة. مثلاً أميركا اليوم أقوى دولة في العالم، ولكن لنتخيل بعد ألف سنة أنها انقسمت إلى ولايات صغيرة وضعيفة، فماذا سيحدث حينها لو أن رجلاً أميركياً طرح ما يطرحه بوش حالياً؟ أنا أريد التركيز على أن كل تلك المفاهيم المصطلحات الجهادية التي تنادي بها القاعدة وغيرها من التيارات المتطرفة وضعت في العصر الإمبراطوري، والآن هي بحاجة إلى إعادة صياغة كاملة.

ولنفرض أن الشيخ “يوسف القرضاوي” واجه “أيمن الظواهري” على شاشة التلفزيون، فإن الثاني سيقيم الحجة على الأول، لأن كليهما يتبع إلى نفس المرجعية، والفرق بينهما أن أحدهما انتقائي والآخر أكثر انتقائية، وأتحدى عبر جريدتكم أن يأتوا بشخص معتدل وسطي، وآخر من أتباع بن لادن ويواجهونهما على شاشة التلفزيون.

طروحات التيارات الإسلامية المتشددة كالقاعدة هي طروحات عنصرية لا تقبل الآخر إطلاقاً، لا أتمنى لهم النجاح لا في العراق لا في السعودية.

هل ينطبق ذلك على العمليات الفدائية التي تقوم بها حركات المقاومة كـ “حماس” و “الجهاد الإسلامي” في فلسطين؟

أنا أرفض تحويل الموت إلى مؤسسة تحت أي شعار.

ولكن ما هو البديل؟ هل لديهم خيارات أخرى؟

(منفعلاً) أنا أرفض تحويل الموت إلى مؤسسة في أي بلد وتحت أي ظرف وتحت أي شعار ولو كان “لا إله إلا الله محمد رسول الله”. عندما تجلب أناساً وتضع لهم أحزمة ناسفة وترسلهم للموت فأنت بذلك تلعب دور الله. لا يحق لك أن تفعل ذلك تحت أي شعار. وقناعتي أن ذلك لا يجوز، وأعتقد أن من يفعل ذلك لا ينتصر. إذا أراد شخص أن يحارب أو يجاهد فليذهب لا مشكلة في ذلك، هو ذهب بإرادته وقاتل فقُتل، ولكن ليس بهذه الطريقة، هذا خياره، ولم يقم رسول الله (ص) بإرسال أحد إلى حتفه، هذا لم يحدث أبداً، ورسول الله بنى دولة وقام بحروب وأنتم تأخذون بسنته.. أين هي سنته إذاً؟!

” حماس ” أخذت مؤخراً تميل إلى العمل السياسي.. ما رأيك؟

هذا يبشر بالخير وأنا سعيد ومتفائل بمستقبل حماس لأن الوعي السياسي لديها أصبح جيداً.

ما هو سبب قلة ظهورك على الفضائيات؟

لم توجه لي دعوات. وأتمنى الظهور على فضائية “العربية” أو “دبي” وأضمن لك في حال خصصوا لي 20 حلقة، مدة كل واحدة ساعة أو ساعة ونصف، أضمن أن يكون هناك هزة في كل بيت عربي.

كيف تنظر إلى الدعاة الإسلاميين الجدد الذين يظهرون على الفضائيات من أمثال “عمرو خالد” و “طارق سويدان”؟

أعتقد أن الثقافة العربية والإسلامية ثقافة إجادة الخطابة، فهي تحترم من يجيد الكلام أكثر بكثير ممن يجيد العمل، وإذا سمعت خطبة أي رجل دين أو داعية من هؤلاء وحللتها كلمة كلمة ثم قمت بإسقاطها على الواقع فلن تجد لها أي مدلول.

تقصد القول أنه لا يوجد فرق بين عمرو خالد وأي رجل دين تقليدي؟

هو يجيد الكلام أكثر.

ولكن للرجل أتباع ومحبين كثر؟

هذا يؤكد ما ذهبت إليه من أن الثقافة العربية تحترم من يجيد الكلام أكثر ممن يجيد العمل.

وصفك البعض بالشيوعي والماركسي والكافر والزنديق والملحد.. هل تلقيت أيضاً تهديدات بالإيذاء أو القتل بسبب طروحاتك وأفكارك؟

حتى الآن لم يحصل ذلك.

دمشق – شادي جابر

جريدة الراية القطرية العدد (8666) تاريخ 28 كانون الثاني 2006

8 تعليقات

  1. ان هو الا وحى يوحى اين الاحاديث يا ايها العالم المجدد والله انا فنى وليس بعالم وهذا يكفى يا محمود محمد طه

  2. هذا كلام كبير وجديد على الساحة والفكر الإسلامي يتوافق مع العقل والمنطق وواقع اليوم المعاصر ويحتاج من علماء الدين دراسته عن كثب ليرى ما فيه وما كان صالحا يقر ويعمم على عامة الأمة وما كان غير صالح يبعد والله أسال ان يقيض لهذا الدين من أمثال الدكتور شحرور ليبين للناس دينهم بشكل واقعي ومنطقي والسلام

  3. Gad save you

  4. كلام رائع ومنطقي جدا  وهذا ما يتقبله العقل البشري  ..لا تلك التفسيرات التي تشبه التحازير فكل يوم يخرج علينا عالم دين
    ويروي لنا ما استنتج من افكار واصدر الفتاوى

  5. فكر متجدد ويلزم مناقشة ماتم طرحه بتجرد
     

  6. مايطرحة الدكتور محمد شحرور يخاطب العقل المنف بعيدا عن الموروث  الثقافي والتراكمات الكميه من الافكار المنسوخه والملقنه بعيدا عن التفكير المنطقي نقول ان الحديث  له ابعاد وماطرح محل نقاش ويلزم اخذه مااخذ جد خاصة والفقه الاسلامي افلس  وانكشف  خطاءه وتناقضه عقلا وعقيدة

  7. ابوراشدالمعمري

    حقارائع ياشحرور
    تحياتي

  8. اطال الله في عمرك ونفع بك وجزاك بجهدك خير الجزاء أيها الرجل العظيم.

    وبالفعل كما ذكرت لقد هززت بيتي العربي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .